الفصل 4202: إحساس التحرر
بانتهاء الوعي ، بدأت مراسم الاستعداد للانطلاق. سارع "سائروا الدروب " (باثوالكيرس) إلى ارتداء عتادهم ، متسلحين بكل ما يلزم من معدات وأدوات.
*طقطقة*
أحكمت "ريا " ربط حزامها حول خصرها ، مُحملةً إياه بحبوب الغذاء ، وجرعات الشفاء ، ومقويات القدرة على التحمل ، وتمتمت قائلة "وهذا كل شيء ".
التفتت نحو أصدقائها في حصنهم وهم يجهزون عتادهم. حيث كان "رونارك " يرتدي "بدلة إيفو " (يفودرع) بزهوٍ واعتزاز ، مستشعراً فيض القوة التي تمنحه إياها.
وعلق "سترنون " بملامح يغشاها الغثيان وهو ينظر إلى بدلةٍ مصنوعة من خلايا تنتمي لسلالته "لا أدري حقاً كيف أشعر تجاه هذا الدرع! حسناً ، طالما أنه يؤدي غرضه ، فليكن ؛ سأعتبر الأمر ثناءً على أصل سلالتي ".
كان يرتدي بدلة خارجية تقليدية ، لا تتمتع بخصائص استثنائية سوى نظامها المركزي الصلب. لم تتح له الفرصة بعد لتكوين ثروة تسمح له باقتناء تلك البدلات المتقدمة المتطورة التي تبيعها الشركات الفاخرة مثل "إكسوتير " وبالتأكيد لم تكن لديه عمة ثرية تتكفل بدفع الفواتير.
*فرقعة ، فرقعة ، فرقعة...*
تحول انتباههم إلى "سيليسيا " ؛ إذ بدأت أغصان وأوراق النباتات تنبثق وتغطي جسدها بسرعة خاطفة. فلم يكن "درب الطبيعة " بلا حيلة في غياب بيئة طبيعية ، فقد أتقن الجان فن تخزين جزءٍ من النباتات داخل أجسادهم ، فيما يُعرف بـ "النطاق الداخلي ". وسرعان ما غدت تشبه "حورية الغابة " حيث غطت الأوراق والسيقان جسدها حتى وصلت إلى عنقها.
أما "ميشا " فقد ارتدت بدلتها الخارجية القائمة على تكنولوجيا الدم (هيموتيتش) ، والتي صممتها بنفسها ، مغلفةً جسدها بدم شبه صلب غير نيوتوني يحتوي على أثرٍ خافت من المادة الغريبة.
لقد كانوا على أتم الاستعداد.
وصل أمر الانتشار إلى وصلاتهم العصبية. وانطلقوا مسرعين نحو بوابات الإطلاق المخصصة في سفينة "قوس الدم " (الدم ارس) ، يرافقهم حشدٌ غفير من "سائري الدروب " الذين شقوا طريقهم نحو قاع هيكل السفينة ، حيث استعدوا للهبوط المداري.
لم يكن معظم "سائري الدروب " بحاجة إلى كبسولات أو مركبات فضائية للهبوط على سطح الكوكب ، بفضل قواهم الخارقة ؛ مما جعل عملية الانتشار سهلة وميسرة ، لكنها في الوقت ذاته كانت تعني أنهم سيواجهون مصيرهم بمفردهم فور وصولهم. ومع اقترابهم من نظام الإطلاق لم يستطيعوا دفع شعور التوتر المتصاعد في الأرجاء ، فقد كان الجو يزداد احتقاناً بين "سائري الدروب " وهم يتأهبون.
*خطوة*
حتى عندما اتخذ كلٌ منهم موقعه على بوابة زجاجية تطل على "كوكب أماديوس الثالث " من بعيد لم يملكوا إلا أن يشعروا بقشعريرة من التوتر تسري تحت جلودهم. لم يتبادل أحدٌ كلمةً ، بينما وقفوا في مجموعات من خمسة أفراد ، ينتظرون القذف نحو الكوكب. و لقد تلقوا إيجازاً عن مدى قوة تلك المخلوقات الشبيهة بالعناكب ، ولم يستطع أحدٌ منهم منع نفسه من الشعور بقلق بالغ تجاه محاولة السيطرة على أرضٍ يحتلها الغرباء في عقر دارهم. وتفاقم التوتر حين تلقوا تحديثاً إضافياً من "قسم إدارة سائري الدروب " في سفينة "قوس الدم ".
أخذت "ريا " نفساً عميقاً ، محاولةً تهدئة أعصابها. حيث كان الهواء مشبعاً برائحة المعدن ، ممتزجاً بالرائحة الطبية لأنظمة تنقية الهواء التي تحافظ على نسبة رطوبة منخفضة لمنع الصدأ ونمو البكتيريا. حيث كانت البيئة المحيطة بهم خافتة الإضاءة ، مع وميضٍ ضئيلٍ من الأضواء يصارع ظلمة نظام الإطلاق في قاع هيكل السفينة.
كانت أصوات الأقدام المترددة تزيد من حدة التوتر.
كانت لحظات تفصلهم عن إلقائهم في كوكب غريب بالغ الخطورة ، كوكبٍ أطاح بالعشرات من السفن الحربية البشرية رغم تفوقهم العسكري الهائل.
"سنتجاوز الأمر ".
لفت "سترنون " انتباهها بصوته الخفيض. التفتت نحوه ، متأملةً وجهه الشفاف ؛ فقد جعلت الظلمة من الصعب تبين تعبيراته ، لكنها استشعرت يقيناً وثقةً في نبرته ، وهو ما يتناقض مع التوتر الذي كان تشعر به في عقول الآخرين حولهم.
ابتسمت له وأومأت برأسها.
وسرعان ما حانت اللحظة المنتظرة.
[بدء عملية الإطلاق المداري.]
*طنين*
استنشقوا الهواء بعمق مع سريان موجة من الاهتزازات تحت أقدامهم.
وفجأة ، فُتحت البوابة التي يقفون عليها دون سابق إنذار.
هكذا ، بكل بساطة.
*طقطقة*
قُذفوا نحو الفضاء الخارجي ، ودفعتهم ضغوط الهواء المتسربة نحو فراغ الكون. فعّلت سفينة "قوس الدم " مجالاً جاذبياً التوائياً ضغط على جزيئات أجسادهم ، دافعاً إياهم نحو الكوكب بتسارعٍ مطرد.
ففي النهاية كان سيتطلب الأمر دهراً للوصول إذا اكتفوا بالسقوط ببطء نحو "كوكب أماديوس الثالث " خاصةً وأن سفينة "قوس الدم " حافظت على مسافتها من الكوكب لضمان عدم تمكن المخلوقات العنكبوتية من الإمساك بالسفينة الأم بخيوطها الغامضة وجرّها كما فعلت مع العديد من السفن الحربية الأخرى.
*طنين...!*
شعرت "ريا " بفيضٍ من الطاقة والحماس والتوتر ، وهي تتسارع بسرعةٍ تفوق سرعة الصوت بآلاف المرات نحو الكوكب. انزلقوا عبر الفضاء دون أي عائق ، كقذائف بلاستيكية تجوب أرجاء الكون بسرعةٍ فائقة.
ومع ذلك كانت في حالة انعدام وزن ؛ فتملكها إحساسٌ طليقٌ بالتحرر واللاحدود. لم تكن هناك جاذبية تجذبها بعد ، ولم يكن هناك غلاف جوي يكبلها. كل ما شعرت به هو ضوء النجم الثنائي في قلب "نظام ستريجيلد " يغمر جسدها. حيث كان ذلك أحد أكثر المشاعر تحرراً التي تستمتع بها ، وهو سببٌ رئيسي لحبها لعمليات الإنزال المداري على الكواكب.
لم تكن تكتفي من ذلك الإحساس أبداً.
أحياناً كانت تفكر في أن تُقذف عبر اتساع الفضاء اللانهائي بسرعة الضوء ، أن تنطلق في خواء الكون في رحلةٍ أبدية ، متحررةً من كل قيد ، مكتفيةً بالاستمتاع بشعور انعدام الوزن والتحرر المطلق.