الفصل 3867: تحدي السببية
"موتوا!"
"خذ هذه!"
"سأحيلك إلى أشلاء!"
ثلاث ضربات عنيفة انهالت على "روي" من ثلاثة اتجاهات مختلفة.
ومع ذلك، لم تلمسه أدنى لمسة.
(أزيز)
كانت مراوغته سلسة وانسيابية، أشبه بنزهة مسائية في حديقة غناء منها بمعركة حامية الوطيس. وبتحركات خفيفة وخطوات رشيقة، تفادى ببراعة كل ما واجهه من هجوم.
"هيااا!" زمجرت إحدى الخبيرات المقاتلات وهي توجه ركلة قوية مباشرة نحو رقبته، آملةً أن تطيح برأسه في الحال.
(أزيز)
بحركة قد يظنها الرائي تمايلاً مع الريح، زاغ روي عن الضربة ببراعة، في الوقت الذي انهالت عليه فيه قبضات وراحات عديدة، تهدف جميعاً لسحقه في مكانه.
(خطوة)
كانت خطوة بسيطة، كأنه يستمتع بنزهة على ضفاف الشاطئ، لكنها كانت كافية لتفادي هجومهم بأعجوبة.
(دويّ انفجارات)
تجمعت عليه سلسلة من العواصف الهوائية ذات الضغط الهائل.
(هفيف)
لم تُحدث تلك الهجمات سوى رفرفة خفيفة في ملابسه وشعره، كأنها مجرد هبات ريح عابرة. فكل هجومٍ وُجّه إليه تم تفاديه أو إبطاله بطريقةٍ فاقت كل تصوراتهم.
لم يفهموا.
لم يستوعبوا كيف استطاع أن يوقعهم في هذا الحرج بهذه السهولة والبراعة، رغم أن ثلاثمائة من شيوخ الفنون القتالية قد أحاطوا به من كل حدب وصوب.
ومع ذلك—
(أزيز)
لقد تفادى جميع هجماتهم وأحبطها بسلاسة وكأنها لم تكن موجودة أصلاً.
لقد جعلهم ذلك يتمنون لو انشقت الأرض وابتلعتهم.
وحتى في الوقت الذي استمات فيه مئات الشيوخ لإلحاق أدنى ضرر بالرجل المعروف باسم "روي كواريير"، ظل الحكيم "ماران" صامتاً وراسخاً، بينما بقيت نظراته الحادة واليقظة مثبتة عليه من مسافة بعيدة.
لقد تخصص عقله القتالي وأنظمة تفكيره في دراسة وتحليل التواصل غير اللفظي لاستقراء النوايا. كانت تلك نسخة أقل شمولاً من نظام روي الروحي، ومع ذلك كانت كافية لتجعله أحد أقوى الشيوخ القتاليين من غير المرشحين المتسامين.
لكن أنظمة تفكيره وخبرته الواسعة كانت هي السبب في قدرته على استخلاص ولو جزء ضئيل من الحقيقة.
حقيقة طبيعة وجود روي نفسه.
"تلك الحركات… لا تنبع من ذهنه."
كان اكتشافاً مذهلاً، لكنه كان واثقاً منه. فبعد خمسة قرون من القتال، صار يعرف حق المعرفة شكل العلاقة بين العقل والجسد، والرابط بين الفكر والحركة.
كان يعلم أنه ينظر إلى شيء مختلف تماماً.
شيء تجاوز أقصى حدود خياله.
ومع ذلك، كان هناك أمر واحد قد أدركه.
"إن منطلق حركاته لا يصدر من عقله."
ازدادت حدة عينيه وهو يتابع.
"ولا يبدو أنها تنبع من العالم المادي أيضاً. لا، إن هذه… هذه الحركات تأتي من مستوى أسمى من الوجود."
ولهذا السبب استعصى عليهم إدراكه.
لقد اعتادت أدمغتهم على معالجة الحركة البشرية في سياق نظام التحكم بين العقل والجسد؛ فعندما ينقل الجهاز العصبي المحفزات الحسية إلى العقل، يقوم العقل بمعالجتها وإرسال إشارات إلى العضلات ليوجهها نحو الحركة.
لقد تحددت جميع ردود الفعل والردود المضادة في الفنون القتالية، ونماذج التقنيات بأكملها، بل ومسار الفنون القتالية بأسره، من خلال هذا النموذج الأساسي.
ومع ذلك، فقد تجاوز روي هذا النموذج المادي البدائي للوجود.
بدا وكأن جسده يمتلك إرادة خاصة به.
وكأن هناك وعياً متعدداً يتخلل كينونته.
لهذا وجدوا مشقة في إدراك تحركاته.
وصارعوا من أجل الرد.
وعجزوا عن الدفاع.
بل وكافحوا لمجرد لمسه.
تلاقت عشرات، بل مئات الهجمات على روي في آن واحد.
لقد نسجوا شبكة من الدمار لا يمكن الفكاك منها.
ومع ذلك—
(أزيز)
ارتسمت على وجه روي ابتسامة عريضة وهو يمرّ من بينهم بخفة ورشاقة كأنه ينساب فوق الحرير. كان ذهنه صافياً، متحرراً من هموم المراوغة والدفاع الجسدي، بينما كان جسده يتحرك تلقائياً، متفادياً كل ما وجهه إليه هؤلاء الشيوخ المحاربون.
جعله ذلك يشعر بالراحة والسكينة.
غمره شعور بالاسترخاء والسلام.
راقب ببساطة كيف كان وعيه المادي يتفادى كل هجوم يوجهونه إليه بخطوات واثقة وحركات تفوق مستوى فهمهم. وبما أن وعيه المادي قد حسن إتقانه للمادة الأولية بشكل هائل، فبعد أن كانت نهراً هائجاً يصعب كبحه، أصبحت الآن جدولاً رقراقاً يتدفق في الاتجاه الذي يرتضونه معاً.
إن الجمع بين الوعي المادي والروح القتالية قد منحه مستوى من الإتقان والتحكم يكاد يكون خارقاً للطبيعة، ولا مثيل له في عالم الفنون القتالية قاطبة.
كان ينفذ من وعيهم ويخرج منه بمنتهى السهولة، مما أتاح له الإفلات من تبعات دمارهم.
كان ذلك من أروع المشاعر في الوجود.
لقد كان عصياً على الهزيمة.
"نحن لا نُقهر."
أثارت تلك الكلمات قشعريرة في أجسادهم جميعاً، إذ قرر وعي روي أخيراً الانخراط في المعركة بنفسه. فعّل أنظمة تفكيره؛ "خوارزمية الفراغ"، و"نظام الروح"، و"شيطان لابلاس"، و"مخطوطات تيرا"، و"عين النبوءة".
وفي غمضة عين، فاض عقله بالمعرفة والقوة، حيث تناغمت مستويات الوعي المتعددة داخل روي كواريير مع بعضها البعض.
وما تلا ذلك كان أقوى استعراض للقوة في عالمٍ لم يشهد تاريخ فنون القتال فيه مثيلاً قط. لقد استحال روي إلى وحشٍ ضارٍ من العنف.
إنه التطور التكيفي.
اندفع نحوه عشرة من الشيوخ المحاربين، مهددين بسحقه في مكانه.
ومع ذلك، فقد قُضي الأمر.
(أزيز)
مرّ من أمامهم بسرعة البرق.
(دويّ سحيق)
انعكس الرعب في عيون الشيوخ البائسين وهم يشاهدون جثث رفاقهم الهامدة ترتطم بالأرض كدمى قُطعت خيوطها. كانت جلودهم مزيجاً صارخاً من السواد الدامس والبياض الناصع، إذ سرى سمّ "الين واليانغ" في عروقهم. غمرت خلايا الدم السوداء والبيضاء، بجانبيها الذكوري والأنثوي، أجسادهم، فنشرت الموت الخلوي في أطرافهم في لمح البصر.
لم يتطلب الأمر سوى لمسة بسيطة اخترقت سطح جلدهم.
وفي لحظة، صرع عشرة من شيوخ الفنون القتالية دون أدنى عناء.
كأنما يطأ حشراتٍ تحت قدميه.
عندها فقط، أدركوا حقيقة البون الشاسع في القوة.
وأدركوا معه كل معاني اليأس.