الفصل 3851: المحن والمكافآت
تنفست أماري بعمق وهي تتأمل مظهرها في المرآة، واضعةً يدها على بطنها المنتفخ بينما انعكس ضوء شمس الصباح الدافئ على بشرتها البرونزية. شرع فريق من وصيفات البلاط في تمشيط شعرها البني الطويل وطلاء وجهها بأنواع شتى من الكريمات، ثم جهزن لها ملابس خفيفة وفضفاضة، حيكت من أقمشة فاخرة نادرة.
كانت تمقت كل ثانية من تلك التجربة؛ إذ شعرت وكأنها دمية جامدة، لا تلك الحكيمة المقاتلة التي عهدتها في نفسها. لقد تبيّن لها أن الحمل واحد من أقسى التحديات التي واجهتها على الإطلاق، فحتى الآلاف العشرة من السنين التي قضتها في سباتها الطويل بعيداً عن روي، تعيد عيش الحياة ذاتها مراراً وتكراراً، لم تكن بمثل هذا العذاب.
على الأقل، كانت هناك قادرة على القتال بكل ضراوة وهي تستعيد ذكرياتها بصفتها "إيسيل"، أما الحمل فقد استنزف طاقتها، وهو أمر مثير للإحباط لمقاتلة فنون قتالية مثلها؛ حيث كان عجزها عن ممارسة فنونها القتالية هو الأمر الأكثر مرارة، ورغم أن شعورها بالضعف والهشاشة كان يثقل كاهلها، إلا أن وجود جدتها بجانبها طوال الوقت، على خلاف روي، قد خفف من وطأة الأمر.
هذا، بالإضافة إلى قيود أخرى، منها حظر النوم على ظهرها بعد بلوغها مرحلة معينة، مما وضع صبرها على المحك. ومما زاد الطين بلة أنها أمضت عدة أشهر في محاولة التأقلم مع وضعها كقرينة في القصر الملكي بالتزامن مع أعباء حملها، فقد كان هذا المسعى أصعب بكثير من التدريب والقتال كفنانة قتالية.
كانت النقطة المضيئة الوحيدة هي قدرتها على تجاوز بعض أعراض الحمل المزعجة بفضل روحها القتالية الكامنة؛ إذ تخلصت من تورم القدمين، وارتفاع ضغط الدم، وغثيان الصباح، ولم تكن لتتخيل مدى سوء هذه التجربة لو خاضتها كبشرية عادية دون قواها.
مضت خمسة أشهر على حملها، وهي تراقب رحمها وهو يكبر ببطء ليحتضن الجنين الذي تحمله؛ وكان هذا هو الحافز الوحيد الذي أبقاها صامدة: تعلقها الشديد بطفلها الذي لم يولد بعد. وبفضل جزء صغير من عقلها وروحها القتالية التي ظلت نشطة دوماً، استطاعت التواصل مع جنينها بحميمية بالغة، فكانت تشعر بنموه وتطوره، وتستشعر جسده وهو يتشكل يوماً بعد يوم.
كانت تلك رابطة مقدسة فاقت حتى صلتها بروي؛ بل إنها أشفقَت عليه لأنه لن يختبر أبداً هذا النوع من الاتصال الروحي مع طفلهما المنتظر. فمهما بلغت مدة قضائه مع طفلهما مستقبلاً، ستظل هي مرتبطة به برباط أعمق لا ينفصم. لقد كان ذلك هو "الجانب المشرق" الوحيد وسط كل تلك المصاعب، وبشكل يثير الدهشة، شعرت أن الأمر يستحق كل ذاك العناء.
بصفتها حكيمة في الفنون القتالية، كانت تعرف جسدها حق المعرفة، فقد درّبت كل خلية فيه تقريباً، وظنت أنها أدركت جوهر إمكاناته. ومع ذلك، ومع تقدم حملها، وجدت نفسها تقدّر بعض قدراتها الفطرية الفريدة لأول مرة في حياتها. فبالنسبة لفنانة قتالية، لم تكن الفسيولوجيا الأنثوية دائماً الأنسب للقتال، رغم ما تمنحه أحياناً من مزايا تتفوق بها على فسيولوجيا الذكور.
لكن بينما كانت ترقب رحمها، منبع الحياة، وهو يبدع حياة جديدة تربطها بها صلة روحية لا توصف، أدركت تماماً كل جانب من جوانب كينونتها، مما صقل عزيمتها القتالية وجعلها أقوى بطرق لم تكن لتتصورها.
كان دافعها القتالي دائماً هو اكتساب القوة لحماية من تحب، غير أن الشخصين اللذين أحبتهما أكثر من غيرهما لم يكونا بحاجة لحمايتها، مما جعل غايتها تبدو جوفاء أحياناً.
𝙤.𝙤𝙢
أما الآن وقد أصبحت حاملاً، فقد تحولت تلك الشرارة إلى جحيم مستعر من الإرادة.
هذا الشعور وحده منحها قوة قتالية هائلة.
لقد كان كل فعل في الحياة يصب في جوهر الفنون القتالية، ويبدو أن حتى فعل رعاية الحياة لم يكن مستثنى من هذه القاعدة الشائعة في لغة الـ "غايين".
كانت تلك واحدة من أعمق لحظات التنوير التي اختبرتها، حيث خطت بها خطوة واسعة نحو عالم التسامي.
"تبدين جميلة بشكل لا تصفه الكلمات يا أماري."
جعلها صوت روي الرقيق المليء بالحنان تشعر بالسكينة، بينما تحولت نظراتها إلى انعكاس صورته في المرآة وهي تتفرس في هيئته.
خلال الأشهر القليلة الماضية، طرأت تغييرات واضحة على سمته ولغة جسده، فازدادت هيبته واتقدت قوته. في السابق، كان يرى قوته الفائقة غير ذات جدوى في ظل مكانته العالمية، لكن بعد أن آلت إليه المسؤولية وحمل الأعباء واستخدمها لتعزيز سلطانه، لم يسعها إلا أن تشعر بأنه أصبح أكثر رجولة وجاذبية.
لكن ربما كان ذلك مجرد تأثير هرموناتها، وهو جانب آخر مزعج من جوانب حملها؛ فرغم قدرتها على كبحها بفضل روحها القتالية الهادئة، إلا أنها نُصحت بترك الأمور لطبيعتها لأن تلك الهرمونات ضرورية لنمو الجنين السليم.
قالت بنبرة صادقة وهي تبتسم لانعكاس صورته: "تبدو أكثر أناقة أيضاً. لطالما اعتقدتُ أن الملابس الرسمية الملكية لن تليق بك، فقد اعتدتُ رؤيتك في ثياب المحاربين، ولكن… بمجرد أن تعتادها، ستجدها رائعة حقاً."
تنهد روي بخفة وهو ينظر إلى زيه الملكي وانعكاس التاج على رأسه؛ بدا أقل تبرماً مما كان عليه في البداية، لكنه بوضوح لا يزال يحن إلى زيه القتالي الكلاسيكي.
وضع يديه برفق على كتفيها، وانحنى ليقبل رأسها، ثم ابتسم لصورتها في المرآة.
"هل أنتِ مستعدة للذهاب في موعدنا؟"
رفعت حاجبها وارتسمت على ثغرها ابتسامة رقيقة: "إلى أين نحن ذاهبون؟"
"…إلى المستقبل."
كان رداً غامضاً ومثيراً، لكنها استجابت ببساطة لرغبته في قضاء الوقت معها. وللحق، فقد أثبت براعة في إدارة وقته بين أعباء العرش وبينها؛ إذ كان غالباً ما يباشر أعماله من مقرّهما الملكي، بينما يسند رأسها على كتفه، مغدقاً عليها كل صنوف الحب والحنان.
لم تكن تندم إلا على أنه لم يشاركها الفراش قط، بل كان يقضي معها وقتاً كافياً ليطمئن على نومها، قبل أن ينصرف للتدريب لأكثر من مائة ساعة في مشروعه الطموح "أوتوكوربوس".
ومع ذلك، كانت راضية بكل لحظة يمنحها إياها.
نهضت، ووضعت يدها في يده بابتسامة تفيض حماساً: "هيا بنا إذن!"