الفصل 120: مقر قيادة الحرب
عند الاقتراب، بدا البناء المـُثمن أكثر ضخامة؛ فقد كان يرتفع من فوق صخرة سوداء، وجدرانه الثمانية مائلة كدروع صلبة يواجه كل منها اتجاهاً مختلفاً من اتجاهات المملكة.
قال لوتاغا بينما كانوا يقتربون من المدخل: "يمثل كل جانب من هذا البناء فرقة حربية". لم تكن هناك نوافذ في النصف السفلي من الطوابق، بل مجرد فتحات ضيقة للمراقبة. أما الطابق العلوي، فكان محاطاً بمواقد الإشارة. جعل هذا الهيكل الثماني من المبنى الخماسي المركزي يبدو كبناء فاتن، ومع ذلك كان يتسم بالقسوة، فالحجارة المستخدمة في بنائه جعلته يبدو كأنه منحوت من صخرة صماء لا مـشيداً بـلـبِنات منفصلة. وربما كان الجناح الخماسي المركزي لأكاديمية "غالكا" الحربية مجرد حصن عسكري، لكنه بـُني بلا شك ليصمد حتى أمام حصارات قد تدوم عاماً كاملاً.
أوضح لوتاغا وهم يزدادون قرباً من ذلك الحصن الثماني: "الجنرال فيلونكو هو قائد الحرب هنا، ولكن ثمة جنرالان آخران؛ الجنرال سيكا، قائد فرق النخبة، والجنرال كويا، قائد فرق الوحدات الخاصة".
سأل أوليكاي: "أليس فريق سالكا فريقاً من النخبة؟"
تفاخر لوتاغا قائلاً: "حسناً، بالطبع، لا يمكن لمهاراتي أن تضعني في فريق أقل من النخبة".
هزّ كاكا رأسه وقال: "أخبرنا فقط بما نحتاج إلى معرفته. أتساءل كيف ضمّك سالكا إلى فريقه أصلاً". قد يكون التفسير الوحيد هو وفاة أحد أعضاء فريق سالكا، لأن الفرق تُشكّل في المرحلة الثانوية ولا تُفكك أو تُعاد صياغتها إلا عند الضرورة القصوى في المرحلة الجامعية، حيث يتركز الاهتمام هناك على صقل المهارات الفردية والجماعية.
وأضاف لوتاغا، بينما تلاقت عينا ساغيري ونفارو: "تتألف قيادة العمليات الحربية من ثمانية أجنحة رئيسية كما ترون، ويرأس كل جناح قائد أو مجموعة من قادة الفرق، تماماً كما هو الحال في الأكاديمية. أولاً، جناح الاستخبارات الذي يشرف على مجالات مثل شبكات التجسس، والاستجواب، وتتبع تحركات العدو، والمراقبة السياسية، والتنبؤ بالتهديدات، وفك تشفير الرسائل المـُعترضة. نفارو، قد تكون أنت الأنسب لهذا الجناح؛ إذ يبدو لي أنك تمتلك صبراً يـُخوّلك لمراقبة العدو وقراءة ما بين السطور". لطالما شعرت ساغيري أن نفارو يتصرف كجاسوس، ولم تتوقع أن يلحظ ذلك شخص يبدو مستهتراً مثل لوتاغا.
كان لوتاغا فطناً، ومن الأفضل ألا يستهين به أحد؛ ففي الواقع، لم يكن يقل خطورة عن أي فرد من أفراد فرقة سالكا.
"أما القسم الثاني فهو قسم التخطيط التكتيكي. يـُعنى هذا القسم بتشكيلات ساحة المعركة، وحساب التضحيات الاستراتيجية، ومحاكاة الحروب، وتوزيع الموارد أثناء القتال، ونمذجة الهجوم والدفاع. إنهم يجيبون على سؤال 'كيف ننتصر؟' ويحولون المعلومات إلى تحركات عملية. يا كيوغا، لا بد لي من القول إن قادة هذا القسم سيبذلون قصارى جهدهم لضمك إليهم بعد تخرجك.
أما الجناح الثالث فهو جناح الإمداد والتموين. ولا بد لي من القول إن هذا الجناح هو الأهم، فهو العمود الفقري لكل جيش. مهمتهم الوحيدة هي الحفاظ على حياة المحاربين؛ إذ يتولون توزيع المؤن، وصناعة الأسلحة، ونقل الدروع، وتوجيه الدعم الطبي، وإدارة ميزانية الحرب. بدونهم، لن يحصل المحاربون على العتاد اللازم، وسيتضورون جوعاً، وتـُنتهك أسلحتهم. لو كنتُ مخططاً استراتيجياً، لكانوا هدفي الأول؛ لأنه بانهيارهم تنهار الجيوش. بانغا، ربما تـُلتحق بهذا الجناح بفضل مهاراتك في ابتكار آلات الحرب، وزولياث أنت أيضاً، بما أنك طورتَ مؤخراً شغفاً لتصبح معالجاً -ربما بعد أن رأيتَ رفيقك ينجو من الموت بأعجوبة- فمن المرجح أن تنضم إلى هذا الفريق مستقبلاً.
الجناح الرابع هو جناح احتواء الوحوش. يـُعنى هذا الجناح بالسيطرة على التهديدات غير البشرية وتحييدها، ويتعامل مع المخلوقات المأسورة، ووحوش الحرب، والأسلحة التجريبية، وتفشي الكائنات الضارية، وقمع الكيانات النادرة. لقد تعاملتِ مع وحش القواقع، لذا فأنتِ تدركين ما أتحدث عنه. ساغيري، أنتِ وفرقة سالكا واجهتم عقرب الماء الموحل، وبالمقارنة بهذين الوحشين، فإن بعض الكائنات المحتجزة في أقبية هذا الجناح تجعل منهما مجرد قطط أليفة. أستطيع القول إن ذينك الوحشين القادمين من 'بامي'، بنزعاتهما الوحشية، مؤهلان تماماً للتعامل مع مثل هذه المخلوقات".
ربما كان الهدف من الجزء الأخير هو إثارة حنق الاثنين، وقد أفلح في ذلك بالفعل، حيث دمدم كلاهما بغضب من بين أسنانهما.
قالت مايتا وهي تكزّ على أسنانها: "لا تقارنّي بـ 'الأساكانا'، نحن 'الخيميرا' نتبع نظاماً دقيقاً".
ردّ كاكا بتهكم: "لا يتمسك بالنظام المفرط إلا الضعفاء والجبناء"، فتنهد الجميع؛ فقد بدا أن لوتاغا تعمد إبقاء الصبيين في صراع دائم.
سأل كيوغا، وهو سؤال كان الجميع يتوق لمعرفة إجابته: "ماذا تقصد بأن وحشاً ما في الجناح الرابع يجعل 'حراشف المقابر' يبدو كقطة أليفة؟"
قال لوتاغا: "سترون ذلك قريباً، وإن كنتُ أشك في أنه سيـُسمح لكم بدخوله"، فارتجف الجميع بوضوح؛ فمن ذا الذي يجرؤ على الاقتراب من مخلوق أشد فتكاً من "حراشف المقابر"؟
ارتعد أوليكاي قائلاً: "أخبرنا فقط عن الأجنحة الأخرى. لا أريد حتى أن أتخيل أنني سأتشارك سقفاً واحداً مع مثل هذه المخلوقات المرعبة"، ولم يظن أحد أنه يبالغ في خوفه هذه المرة.
قال لوتاغا وهو يرفع حاجبيه نحو أوليكاي: "الجناح الخامس هو جناح الدفاع الحدودي، وأعتقد أن المسمى يفسر نفسه. تتمركز هذه الفرق على طول الحدود، لا سيما عند تخوم 'تاغايا' مع الدول الأخرى. وهي مسؤولة عن وحدات دوريات الحدود، وحماية الأسوار، والاستجابة السريعة للتهديدات، والحصون الحدودية، وكتائب الردع. إنها خط الدفاع الأول. سيتم تعيين معظمكم هنا بعد التخرج لتخوضوا غمار المعارك الحقيقية. أوليكاي، ستناسبك هذه الوحدة لأنك الأكثر ذعراً؛ إذ سيتعين عليك مواجهة مخاوفك في الخطوط الأمامية". امتقع وجه الصبي حتى صار كأنه بلا دم.
"الجناح السادس هو جناح الأمن الداخلي. وكما يوحي الاسم، فهم يسيطرون على التهديدات الداخلية، ويتولون التحقيق في قضايا الخيانة، ومراقبة الضباط، واختبارات الولاء، وفحوصات التسلل إلى الأكاديمية كما حدث مؤخراً؛ حيث يجب أن تستمر تحقيقاتهم قائمة ولا يدخرون في ذلك وسعاً". توقف للحظة قبل أن يكمل: "كما أنهم يتولون عمليات التصفية الداخلية إذا اقتضى الأمر. بوكاتا وزازاري، تأكدا من انضمامكما لهذه المهمة كي لا تلحقا بأوليكاي في الخطوط الأمامية". سخر لوتاغا من أوليكاي مجدداً، فاحمر وجه الأخير كأنه على وشك الغثيان.
تذمر لوتاغا قائلاً: "يجب أن أعترف أنني كنت في هذا الفريق لمدة شهر واحد، وكنت كسولاً جداً لدرجة تمنعني من متابعة التحقيقات"، ولم يندهش أحد من قوله هذا.
قالت مايتا وهي تشيح ببصرها: "بالطبع ستكون كذلك".