الفصل 316: نَبيلٌ ومُشرِّف
"أنت لا تَعْدِلُ قِيمةَ كَلْبٍ حتّى! " هكذا صرخ "لين تيان " بغضبٍ مُتأجّج.
"هيه هيه! "
تردّد صدى ضحكةٍ ساخرة "في ذلك الزمان ، كنتُ أتفوّقُ عليك بمراحل. انظر إلى حالِكَ الآن ، لقد صِرْتَ أثراً بَعْدَ عَينٍ بسبب امرأة! "
"مُفترضٌ بك أن تكون رجلاً ، والرجلُ ينبغي أن يشمخَ بأنفِهِ ويصنعَ الأمجاد! "
"وماذا عنك ؟ ماذا تفعلُ غير التباهي بالقدراتِ التي منحتُكَ إيّاها كلَّ يوم ؟ "
سكت "لين تيان " لم يكن صمتُهُ عجزاً عن الرّد ، بل خَوراً في القوى عن الجدال.
لقد كانت كلُّ كلمةٍ قالها الآخرُ حقيقةً دامغة ، وانعكاساً لماضيه. وكيف له أن يُناقشَ في حقائقَ لا مِريةَ فيها ؟
وأمامَ صمتِ "لين تيان " عادَ الآخرُ ليقول "كُلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ ، والعبرةُ ليست في الخطأ ، بل في القدرةِ على إصلاحِ المسارِ بعده! "
"لقد اخترتُكَ قديماً لشجاعتك وإرادتِك التي لا تلين. استعِد ذاتَكَ ، ولا تُخيِّب ظنّي فيك امس! "
اغرورقت عينا "لين تيان " بالدموع فجأة. و لقد كان حقيقةً ، في وقتٍ من الأوقات ، بلا قِيمةٍ تُذكَر ، ولا يملكُ حتّى ما يجعلهُ يَفخَرُ به.
أما الآن ، وقد ملكَ القوة ، فقد أخذَ يَهيمُ على وجهِهِ بلا هدفٍ يوماً تلو الآخر ، فأيُّ فرقٍ بينه وبين أولئك الصعاليكِ وأبناءِ المترفين ؟
"لقد فهمتُ. ابتداءً من الغد ، سأُكثِّفُ تدريبي ، ولن أُغرِقَ أحزاني في الكأسِ أبداً! " عاهدَ "لين تيان " نفسَهُ في صمت.
غادر "لين تيان " الحانةَ وهو يترنحُ من أثرِ السُّكْر ، وعثرَ على نُزُلٍ رخيصٍ ليأخذَ فيه قسطاً من الراحة.
في هذه الأثناء ، في بلاد "ساكورا " البعيدة.
كانت البيئةُ الثقافيةُ في بلاد "ساكورا " أرقى بكثيرٍ منها في قارة "التنين السماوي " لا سيّما عند البركانِ القديم الذي يُعدُّ الأرضَ المقدسةَ هناك ، حيثُ النظافةُ التي لا تشوبُها شائبة.
وباعتبارِه الجبلَ المقدّس ، يستقطبُ البركانُ القديمُ كلَّ عامٍ أعداداً غفيرةً من الشباب الذين يَرِدونَ إليه للسياحة ، أو التماسِ السكينةِ الروحية ، أو… لوضعِ حدٍّ لحياتِهم!
إنها أمّةٌ يلفُّها الضياع ، ومقارنةً بمن تاهوا في غاباتِ الحديد في قارة "التنين السماوي " كان أهلُ "ساكورا " كطيورٍ حبيسةِ الأقفاص ، لا تَرى ضياءَ الشمسِ أبداً!
"إنه عالمٌ يغري المرءَ ، لكنه يثيرُ حفيظتَهُ في الوقتِ ذاتِه! " في البركانِ القديم ، قامت مجمّعةُ فيلاتٍ ضخمة ، منفصلةٍ عن الجبلِ المقدّسِ ولكنها ممتزجةٌ بكيانِه ، تغلفُها هالةٌ وردية ، كأنها جنةٌ على الأرض!
وفي قلبِ هذا المجمّعِ ، انتصبَ برجُ ساعةٍ شاهق ، فسيحُ الأرجاء ، وهو مقامٌ مقدّسٌ داخلَ الجبلِ المقدّس ، يُطلِقُ عليه أهلُ "ساكورا " اسمَ "المحراب " أي مقرُّ الحكيم.
وبالطبع ، لا يمكنُ لقاطني المحرابِ أن يكونوا شيوخَ حقّاً ، ففي هذا العصر ، لا وجودَ للشيوخ ، وهذه حقيقةٌ مُسَلَّمٌ بها ، لذا فإنّ المقيمين هنا يعتبرون أنفسَهم تلاميذَ للشيوخ من الأجيالِ اللاحقة.
"إنه صرحٌ عظيم ، لكنه يَنخَرُه الفساد! "
في قمةِ المحرابِ كان يجلسُ رجلانِ في وضعيةِ الركوع ، أحدهما ذو شاربٍ يرتدي زياً تقليدياً من "ساكورا " وإلى جانبِه زوجٌ من الأحذية ، مما يؤكّدُ أنه مالكُ المحراب.
وعلى الجانبِ الآخر كان يجلسُ رجلٌ يرتدي بزةً رسمية ، يبدو عليه الإعياء ، لكنّ عينيه كانتا متقدتين ، إنه "تشنج تشوان " الذي فرَّ من قارة "التنين السماوي " عائداً إلى ديارِ "ساكورا "!
بين "تشنج تشوان " وهذا الرجلِ الياباني كانت مائدةُ شاي ، وكلاهما يجلسُ في خشوعٍ يرتشفانِ عبقَ الشاي.
ومع ذلك وعلى عكسِ سكينتِهِ كان "تشنج تشوان " يبدو مضطرباً وقلقاً ، لكنّ عينيه كانتا تلمعانِ حينما نظرَ إلى الرجلِ متوسطِ العمرِ الذي يقابلُه "ما يقولُه السيد 'تشوغي ' يحملُ الكثيرَ من الحكمة. "
قام "تشوغي " مستخدماً طريقةَ إعدادِ الشاي التقليديهِ في "ساكورا " بصبِّ كوبٍ من الشاي لـ "تشنج تشوان " ثم رفعَ بصرَهُ إليه "لماذا يبدو السيد 'تشنج تشوان ' مضطرباً ومُشتتَ الذهن ، هل يُثقِلُ كاهلَكَ أمرٌ ما ؟ "
"السيد 'تشوغي ' ، لقد مرَّت ثلاثةُ أيامٍ على عودتي إلى البلاد من قارة 'التنين السماوي ' ، وطوالَ هذه الأيامِ وأنا هنا أرتشفُ الشاي ، ألا ينبغي لنا الثأرُ لـ 'ميتشوان كوزي ' و 'ناوكاوا كوماشيرو ' ؟ " هكذا انفجرت مشاعرُ "تشنج تشوان " المكبوتة.
لقد ظنَّ أنه بمجردِ عودتِه ولقائِهِ بالسيد "تشوغي " سيقومُ الأخيرُ بإرسالِ رجالهِ إلى قارة "التنين السماوي " ليُصفّوا ذلك الشابَّ المسمى "لين تيان ".
ولكن طوالَ الأيامِ الماضية كان وقتُه يمضي في الجلوسِ هاهنا ، يرتشفُ الشايَ في هدوءٍ وسكينة.
لو كان ذلك في الماضي ، لاستطاعَ "تشنج تشوان " شربَ الشاي بسلام.
لكنَّ قلبَهُ الآن لا يهدأ ، وذهنُهُ لا يفتأُ يفكرُ في كيفيةِ الانتقام.
"الثأرُ آتٍ لا محالة ، ولكن ليس الآن! " هكذا قال الرجلُ متوسطُ العمرِ المعروفُ بالسيد "تشوغي " بينما رفعَ كوبَهُ واحتساهُ برفق.
"إذاً ، متى ؟ "
"حينما يصفو ذهنُكَ ، انظر إلى نفسِكَ الآن ، فأين تَرى أثراً لسلوكِ وفنونِ المحارب ؟ " ضرب "تشوغي " الكوبَ على الطاولةِ بضيق.
تحطَّمَ كوبُ الفخارِ الأرجواني إلى قطعٍ متناثرة.
وإذ أدركَ "تشنج تشوان " أنه أغضبَ "تشوغي " أومأ برأسِهِ مُسرعاً "أرجوكَ ، اهدأ يا سيد 'تشوغي '! "
"في الأيامِ القليلةِ الماضية قد قمتُ بتصفيةِ خمسةِ جواسيسَ نائمين من قارة 'التنين السماوي ' ، هؤلاءِ الأشخاصُ ينتمون غالباً إلى مكانٍ يُدعى 'معهد إدارة الأمن ' هناك ، وبمجردِ انتهائِنا من الجواسيسِ المحيطين بنا ، سنرسلُ رجالَنا إلى قارة 'التنين السماوي ' بلا ريب! "
أحضر "تشوغي " كوباً آخر وصبَّ فيه الشاي "الأمورُ تُحَلُّ واحداً تلو الآخر ، فلا تدعِ الكراهيةَ تُغشِّي بصيرتَك! "
"يجبُ أن تدركَ أنكَ مواطنٌ من "ساكورا " النبيلة ، ومحاربٌ شريفٌ من أرضِها! "
"حاضر! " أومأ "تشنج تشوان " "لقد تعلّمتُ من كلماتِ السيد 'تشوغي '! "
"بما أنكَ تعلّمت ، فتدرَّب بجدّ ، ولا تذهبْ إلى قارة 'التنين السماوي ' لتهزِمَكَ يدُ ذلك الشاب 'لين تيان ' مجدداً! " نصحه "تشوغي " وهو يضيِّقُ عينيه.
"فُهمَ الأمر! "
أومأ "تشنج تشوان " ثم قام وانصرف.
تاركاً "تشوغي " وحيداً في الغرفة يرتشفُ شايَه.
"اخرج! " قال "تشوغي " فجأةً بمجردِ خروجِ "تشنج تشوان ".
برزَ طيفٌ من خلفِ الستار ، يرتدي قناعاً لشبح ، وجلسَ قبالة "تشوغي " على مائدةِ الشاي ، وتناولَ كوباً من الشاي دون استئذان ، وبدأ يرتشفُه.
"ما رأيُكَ في الوضعِ في قارة 'التنين السماوي ' هذه المرة ؟ " سأل "تشوغي " بلهجةِ المستشير.
"قارة 'التنين السماوي ' ، بحضارتِها التي تمتدُ لآلافِ السنين وكنوزِها التي لا تُحصى ، يجبُ أن نجدَ سبيلاً للظفرِ بها! " انطلقَ صوتٌ خبيثٌ من تحتِ قناعِ الشبح.
"هراء ، في ظلِّ تصفيةِ جواسيسِنا هناك ، أو اعتقالِهم ، أو فرارِهم ، كيف لنا أن نفعلَ ذلك الآن ؟ هل ننشئُ مساراً جديداً ؟ "
صمت "تشوغي " لحظةً ثم تابع "حتى لو أنشأنا مساراً ، ما لم نتخلَّص من بعضِ أفرادِ 'معهد إدارة الأمن ' ، فسيكونُ العملُ في غايةِ الصعوبة! "
"الأمرُ بسيط ، أهلُ قارة 'التنين السماوي ' يعشقون الاقتتالَ فيما بينهم ، سنستغلُّ ذلك ونتركَهم يطحنونَ بعضَهم! " هكذا قال الصوتُ الخبيثُ بضحكةٍ ساخرة.
"أخبرني بفكرتِك! " سأل "تشوغي " باهتمام.
"فكرة… ؟ لنُقِم معرضاً للتحف! "