اندلع الصدام بين "تيران " و "المينوتور " بسرعة مذهلة ، لدرجة جعلت حتى سحرة الرتب المتوسطة يجدون صعوبة بالغة في مواكبة حدة معركتهما. فلم يكن بمقدورهم سوى المراقبة من مسافة بعيدة ، واستطاع سحرة المدينة تبين هالة بنية كثيفة كانت تغلف "تيران " في كل مرة يوجه فيها ضربة. و لقد مزج هجماته ببراعة بقوة "جوهر الأرض " بينما كان يلقي أيضاً مجموعة متنوعة من تعاويذ عنصر الأرض القوية بتتابع سريع ، مما أذهل معظم سحرة الأرض الحاضرين بسرعة إلقائه الفورية.
وفي المقابل كان "المينوتور " ينبعث منه وهج أبيض شفاف وهو يطلق عنان قوته الهائلة بملامح يملؤها الحماس الجلي. ورغم الهجوم الضاري للمينوتور من "المستوى الثامن " ذُهل سحرة المدينة من قدرة "تيران " على الصمود وصد كل ضربة مهددة كانت تهدف لتهشيم رأسه وجعلها كالعجين ، لا سيما والمينوتور يقاتل بضراوة وحشية.
"كيف يمكنه مضاهاة سرعة المينوتور ؟ " هكذا تساءل "كيث " في نفسه ، وقد غلف الفضول الصادق نبرة صوته. ثم جهر بقوله أخيراً "لا ينبغي له أن يمتلك قوة ساحر من منتصف المستوى الثامن ".
وبالفعل ، رغم أن "تيران " قد يفتقر إلى القوة الخام لساحر من المستوى الثامن إلا أن تقنيته الفذة وهجماته الفتاكة كانت جلية للعيان. حيث كان السحرة يدركون قدسية نطاق المستوى الثامن ؛ فهو بمثابة برزخ يفرق بين سحرة المستوى الثامن الأدنى وبين السحرة الحقيقيين في ذلك المستوى. ومع ذلك ظلوا مفتونين بقدرة "تيران " المفاجئة على مواكبة سرعة "المينوتور " وإن كان بوتيرة أقل قليلاً.
تقدم "كيث " بصفته القائد المبجل لثاني أكبر فصيل في المدينة ، نحو مدربي "أكاديمية سحرة إله الحرب ". انطلق صوته بنبرة متزنة ، لا هي بالصاخبة ولا بالخافتة ، بما يسمح للسحرة البارزين المحتشدين في الجوار بسماع استفساره "لقد سألت ، كيف يمكنه مضاهاة سرعة المينوتور ؟ "
شحذ السحرة حواسهم ، وضبطوا "المانا " الخاصة بهم لالتقاط كل كلمة ، حرصاً منهم على عدم تفويت أي خيط لمعلومات قيمة. ومع تطور النقاش ، بدأ السحرة يتأملون في الاحتمالات ؛ فتساءلوا عما إذا كانت هناك طريقة لتعليم سحرة المستوى السابع الآخرين ، مما يسمح لهم بتعزيز سرعة رد فعلهم ، وبالتالي القضاء على الأعداء بسرعة أكبر.
ضج المشهد بالترقب بينما ظل سؤال "كيث " معلقاً في الهواء ، جاذباً انتباه الجميع ، ومولداً رغبة مشتركة بين السحرة لكشف الأسرار الكامنة وراء تدريب "تيران " الاستثنائي وقدرته على مجاراة سرعة "المينوتور " ولو لدرجة معينة. لو كان هؤلاء السحرة هم من يمتلكون مثل هذه التقنيات المنشودة ، لكان من المرجح أن يكتنزوها لأنفسهم ويخفوها كما يخفون أثمن كنوزهم. ومع ذلك وبما أنها كانت كنوزاً تخص شخصاً آخر لم يجد السحرة الآخرون حرجاً في التنصت لتعلم تلك المعرفة ، مما كشف عن أنانية النفس البشرية.
شعر سحرة الأكاديمية بثقل النظرات المسلطة عليهم ، غير متأكدين من كيفية الرد على مثل هذه الأسئلة الاستقصائية. ورغم انتمائهم إلى "فصيل اللورد الأعلى " المبجل إلا أن هيبتهم قد تضاءلت بمرور الوقت ، وقد منعهم كبرياؤهم من تقديم الإجابات ، خوفاً من أن يؤدي أي رد خاطئ إلى تلطيخ سمعتهم ؛ فقد كان مدربو "أكاديمية سحرة إله الحرب " معروفين بزهوهم وغطرستهم.
ولكن قبل أن يتدخل أي شخص آخر ، تقدم "والتر " خطوة للأمام ، حريصاً على منع أي زلات محتملة قد تخرب خطة "تيران ". قال "والتر " وهو يرتدي ابتسامة طفيفة "آه ، كيث ، إنه أنت. حيث يجب أن تدرك أن مثل هذه الأسئلة حول التقنيات السرية قد تكشف عن نقاط ضعف السحرة الذين يستخدمونها ، لذا فمن الأفضل ألا تستقصي عنها ".
وفي قرارة نفسه كان يلعن "تيران " لوضعه في هذا الموقف ؛ فقد كان يفضل دائماً أن يكون شخصية مغمورة ، تتسلل بعيداً عندما تعصف الرياح بما لا تشتهي السفن. و لكن قرار "تيران " بتعيينه مسؤولاً عن فريق أكاديمية سحرة إله الحرب أجبره على أن يكون تحت الأضواء ، وهو موقع تمنى بشدة تجنبه. حيث كان يرى أن فورة "كيث " هذه ليست إلا فخاً ، محاولة لاستدراجه من أمان الحشد ، خاصة وأن "تيران " ما زال منشغلاً في صراعه مع "المينوتور ".
ألهبت كلمات "كيث " عقول السحرة الحاضرين ؛ فقد أعمى الطمع بصيرتهم عند سماعهم عن تقنية يمكن أن تساعدهم على مضاهاة السرعة المذهلة لنظرائهم من الرتب الأعلى. وحتى لو لم يتمكنوا من الانخراط في قتال مباشر مثل "تيران " فإن الوعي بظروف المعركة والسرعة قد ينقذ حياتهم. وهكذا ، تركوا الطمع يقود زمام أمورهم ، مما دفعهم للمطالبة بمشاركة تلك التقنيات.
صرخ أحد السحرة "أجل! إذا كانت هذه التقنيات موجودة حقاً ، فيجب على أكاديمية سحرة إله الحرب مشاركتها مع البشرية جمعاء بدلاً من احتكارها كأسرار! "
وأضاف آخر "إن حجب مثل هذه التقنيات قد يعتبر جريمة في حق الوطن! "
وتابع غيره "أخرج التقنيات السرية الآن يا مدرب والتر ، أم أنك لا تريد التقدم لعِرق بنو آدم ؟ "
بدأ قادة مختلفون من فصائل متنوعة ، ممن تجمعوا في مدينة "لاتفيا " للمساعدة في الدفاع ضد "القمر الدموي " في إلقاء مطالبهم. حيث كانت كلمات "كيث " التلاعبية قد أججت أطماعهم حتى أن "والتر " بدأ يشعر بوطأة الضغط المتزايد. وترددت في ذهنه رسالة "تيران " التحذيرية السابقة بضرورة توخي الحذر ؛ ففي البداية كان يعتقد أن "تيران " قلق بشأن "بوابة الفضاء " غير الطبيعية التي قذفت "المينوتور " ولكن عندما بدأ "كيث " في طرح أسئلة حادة ومثيرة للفتنة ، بدأ "والتر " يشك في أن هذه قد تكون الفرصة التي انتظرها "تيران " ؛ فرصة لاستدراج شخص متخفٍ إلى الفخ.
وبقراره الانغماس تماماً في هذا الدور ، هدف "والتر " إلى إغراء "كيث " بارتكاب خطأ يترك وراءه أدلة ملموسة ، مما يسهل على "تيران " القضاء عليه باستخدام أساليبه المخادعة. نبع هذا التفكير من حقيقة أن "كيث " هو من حرض على كل هذا الاضطراب عبر استغلال أنانية القادة الحاضرين. و لقد قلب "كيث " موازين الموقف السلبي ليظهره في ثوب الإيثار ، مقنعاً هؤلاء القادة بأنهم يسيرون في طريق الحق ، وأن الضغط على "أكاديمية سحرة إله الحرب " للحصول على تقنياتهم السرية هو التصرف السليم.
ورغم إدراكهم الداخلي بأنهم على خطأ إلا أن شعورهم المشوه بالعدالة كان يطغى حالياً على أي مخاوف بشأن العواقب. وبينما كان كل شيء يتكشف ، صار من الجلي أن هذا كله قد حدث لمجرد أن "تيران " صمد ببسالة ضد "المينوتور " من المستوى الثامن ؛ ذات "المينوتور " الذي بث الرعب في قلوب هؤلاء القادة وجعلهم يشعرون بدنو أجلهم ، وها هم الآن يخططون للسرقة من نفس الشخص الذي يقاتل لحمايتهم. و لقد كان هذا تجسيداً صارخاً للجوانب المظلمة في العقل البشري ، وكشفاً عن استعدادهم للانحدار إلى حضيض اللصوصية مدفوعين بمصالحهم الشخصية البحتة.