151 والدان عاجزان
في مكان ما داخل عشيرة "غوردون " اجتمع شيوخ العشيرة لمناقشة قضايا شتى ، وبرزت من بينها قضية الأكاديمية التي سيُرسل إليها الجيل الجديد ، ليُفتح باب النقاش فيها مرة أخرى.
أدى ذلك إلى اندلاع جدال حاد مجدداً ، وكالعادة لم يكن للشيخ السادس أي أثر ، إذ تذرع بمرضه هذه المرة ليتغيب عن الاجتماع. ومع أن أحداً لم ينبس ببنت شفة حيال الأمر إلا أنهم كانوا يشعرون بحنق شديد لعدم ظهوره طوال السنوات الثلاث الماضية.
أوضح "دراكو " الموقف قائلاً "مما فهمته ، فإن أليك لن يفكر حتى في أي كلية بعيدة عن مدينة 'إستونيا ' بعد ما حدث له في العاصمة ؛ فهو يخشى أن ترسل عشيرة 'اللهب القديم ' أحداً لاغتياله ".
وتابع "كما أنه يشعر أن لهم يداً في كمين المأدبة ، لكنه لا يملك الأدلة التي تكفي ، فالرجل الذي أسروه لم يكن لديه سوى معلومات محدودة ، وقد فارق الحياة أثناء التحقيق ".
تنهد البطريك قائلاً "آه ، هذا الفتى لا يتوقف عن إصابتي بالصداع بسبب حذره المفرط. و في البداية ، كنت أخطط لإرساله إلى أكاديمية السحرة الملكية ، ولكن يبدو أن شيوخ الطبقة الخارجية لعشيرة 'اللهب ' سيفعلون المستحيل لقتله ونيل مكافآت من البلاط الداخلي لعشيرتهم ".
وأضاف "وهناك أيضاً الأكاديمية المقدسة ، لكن لديهم علاقات ونفوذ هناك أيضاً ، لذا فإن المكان الوحيد الذي يمكننا إرساله إليه هو أكاديمية 'إله الحرب ' للسحرة ".
سأل الشيخ الأول بأنفاس متلاحقة وهو يحاول تهدئة روعه بعد سماع ما قاله البطريك "أعتقد أن عليك إعادة النظر في خيارك ، فمعدل الوفيات في تلك الأكاديمية مرتفع للغاية. أولئك الأوغاد لا يوفرون مرشدين لمساعدة الطلاب في تطهير البوابات التي يفتحونها ، بل يرسلون طلابهم إلى 'البعد الثاني ' للقيام بالأعمال القذرة نيابة عنهم. أخبرني ، هل هذه هي نوعية الأكاديميات التي تريد لوريث العشيرة الالتحاق بها ؟ ".
في هذه الأثناء ، ظهرت علامات المفاجأة على وجه البطريك. حيث كان يسند ذقنه بيده اليسرى وهو يجلس مسترخياً على عرشه ، ونظر إلى الشيخ الأول متسائلاً في نفسه متى أصبح عطوفاً تجاه "أليك " بهذا القدر.
وقال "ما خطبك أيها الشيخ العجوز ؟ لِمَ كل هذا الغضب ؟ لستُ أرسل ابنتك إلى أكاديمية 'إله الحرب ' ، لقد تقرر الأمر بالفعل ، هذا هو المكان الذي سأضعه فيه ".
صرخ الشيخ الأول "فقط استمع إلي لمرة واحدة يا أخي الأكبر! ".
كان نداء الشيخ الأول للبطريك بكلمة "أخي الأكبر " مفاجأه صاعقة لكل من في القاعة ، إذ أذهلهم سلوكه غير المعتاد.
تابع الشيخ الأول موضحاً وجهة نظره "حسناً ، انسَ أمر الخسائر البشرية ، فنحن لا نملك أي صلة أو نفوذ في تلك الأكاديمية. ليس هذا فحسب ، بل لن يكون محمياً من تنمر الطلاب الأكبر سناً إذا ما استهدفه أحد. ثالثاً ، تلك المدرسة لها تاريخ غامض ، وقد فقد الكثير من طلابها حياتهم هناك ، ولهذا السبب تتجنب معظم العشائر إرسال أبنائها إليها ".
وواصل حديثه "إنهم يرسلون فقط ذوي المواهب المتواضعة ، أو أولئك الذين رُفضوا من أكاديميات السحر الأخرى. ماذا تريد من الناس أن يقولوا ؟ أن وريث عشيرتنا لم يتمكن من دخول أكاديمية سحر لائقة واضطر للقنوع بما هو أدنى ؟ ".
تنهد البطريك وضحك باستهزاء "أعتقد أنني أدركت سبب قلقك ؛ أنت تخشى أن يجد فتاة أخرى هناك يقع في حبها ، فتفقد ابنتك فرصتها معه للأبد ، أليس كذلك ؟ ".
رد الشيخ الأول "يا إلهي! فقط انقله إلى أكاديمية السحر القريبة ، تلك التي يرتادها كل نوابغنا وأحفادنا ، على الأقل هناك شكّل صغار عشيرتنا فصيلاً وسيكونون أكثر حماية ".
أجاب البطريك بحزم "لا يمكن فعل ذلك 'أليك ' هو من اختار المدرسة بنفسه ولا أستطيع ثنيه عن قراره ، ولا يسعني إلا دعم خياره. وكما قلتَ ، هو الوريث ، والوريث الذي ينشأ في 'بيئة محمية ' كالنباتات المرفهة لن يصل أبداً إلى كامل إمكاناته ".
وختم البطريك الموضوع بعد أخذ ورد مع شقيقه الشيخ الأول "لذا أعتذر لأنني لن أضعه في أكاديمية يكون فيها تحت حماية من هم أكبر منه سنّاً. و بما أنه يريد القتال وشق طريقه بنفسه ، فليذهب وليفعل ذلك. و لقد منحته الحرية لاتباع مساره الخاص ، وهذا الفتى سيجعل عشيرة 'اللهب ' تندم كثيراً ، ولا أريد الوقوف في طريقه. وبما أنه يريد الذهاب إلى أكاديمية 'إله الحرب ' ، فليكن له ما أراد ".
في اللحظة التي انتهى فيها البطريك من كلامه ، بدأ الشيخ الأول بالنشيج والنحيب.
قال الشيخ الأكبر وهو يطرق بعصاه على الأرض "ما خطبك ؟ استجمع قواك! " لكن ذلك لم يوقف نحيب الشيخ الأول.
صرخ الشيخ الأول بغضب "أنت وغد ، وحفيدك وغد أيضاً! آه.. يا إلهي ، ابنتي.. ابنتي الجميلة ، لا يمكنني السماح لها بالذهاب إلى أكاديمية 'إله الحرب '! ".
رد البطريك مستنكراً "ما الذي تهذي به ؟ أنا لا أرسل طفلتك إلى هناك ، بل أرسل 'أليك ' ، أيها الأبله فاقد الذاكرة! ".
فصاح الشيخ الأول في وجهه "إنها ستلتحق بأي أكاديمية يختارها هو ، ألا تفهم ذلك يا غبي ؟ ليس هي فحسب ، بل كل أولئك الذين يرافقونه ؛ 'براندون ' و 'آرثر ' و 'نايت ' قرروا جميعاً بصمت دخول أي أكاديمية يدخلها! ".
عند سماع ذلك تغيرت تعابير وجه الشيخ الرابع ، وظل البطريك عاجزاً عن الكلام لبرهة ، ثم قال "ما هذا ؟ سيطر على ابنتك بنفسك ، لماذا تضع اللوم على حفيدي ؟ ".
انفجر الشيخ الأول قائلاً "أيها الأبله ، لو كنت أستطيع السيطرة عليها لما كنت أحاول إجبارك على السيطرة على حفيدك! ومن الواضح أننا فشلنا كلينا في أن نكون والدين صالحين ".
تنهد كلاهما ، بينما التزم الشيوخ الآخرون -الذين لم يكن أبناؤهم طرفاً في الأمر- الصمت ، تجنباً لإثارة غضب البطريك والشيخ الأول في تلك اللحظة.
نظر البطريك والشيخ الأول إلى بعضهما البعض ، وكأن لغة العيون قد وحدت ما في خاطريهما ، ثم وجها أنظارهما نحو الشيخ الرابع حتى أن الشيخ الأول نظر إليه بنظرات استعطاف وتوسل.
رد الشيخ الرابع بحدة "ماذا ؟! لا تنظروا إلي هكذا ، فوُضعي أسوأ بكثير. و لقد دخلتُ حياة ابني للتو ، ولا يمكنني البدء في اتخاذ القرارات نيابة عنه الآن ، فهذا سيؤدي إلى تحطيم العلاقة الهشة التي أحاول ترميمها حالياً ".
جعل تصريح الشيخ الرابع الجميع يدركون أنه لا يوجد لديهم أي خيار لمنع أبنائهم من الذهاب بعيداً عن نطاق نفوذ العشيرة.