لم يكن «سو يي» قد تجاوز للتو عتبة «مرحلة الفراغ اليواني» ، وثمة فارقٌ شاسع بينه وبين «الحامي لو». ولو قدّر لهما أن يخوضا غمار النزال ، فمن المرجح أن يتجرع «سو يي» غصص الهزيمة. لذا كان الأجدر أن يتولى «سو شياوشواي» ، ذلك المحارب الباسيل من «مرحلة الفراغ الشيطاني» ، زمام المواجهة ليحسم الأمر سريعاً.
«هذا الفتى في مأزق!»
هكذا تداعى الحاضرون من حوله ، وقد ساورهم القلق عليه حين رأوا «الحامي لو» يشرع في الهجوم. ففي تقديرهم ، بدا الفتى متسمراً في مكانه تحت وطأة هيبة «الحامي لو» ، عاجزاً عن المراوغة أو رد الصاع صاعين. ولكن ، ما إن بلغت القلوب الحناجر حتى أبصروا طيفاً أسود صغيراً ينطلق كالسهم من بين ثنايا رداء الفتى ، متجهاً مباشرة نحو وميض سيف «الحامي لو» القاتل!
تحرك الطيف بسرعة مذهلة ، واخترق سيل ومضات السيوف في لمح البصر ، ولم تخفَّ سرعته قيد أنملة حتى استقر أمام «الحامي لو» مباشرة.
«طائر…»
في تلك اللحظة ، تبين للجميع كنه ذلك الطيف ، فإذا هو طائر صغير بسيط المظهر. ومع ذلك لم يكترث هذا الطائر الصغير بومضات السيوف ، وظهر بجرأة أمام «الحامي لو» ، رافعاً جناحه في تحدٍّ واضح.
«إذا لم تُقوِّم العود من صغره ، فلن يشتد ، وإنَّ مَن شبَّ على شيءٍ شاب عليه. دعني اليوم أُلقن طائفة "سيف النجوم السبعة " درساً ، لتعلموا أن ليس كل أحدٍ يُستباح جانبه!»
تردد صدى صوتٍ حاد في أرجاء المكان ، وبلغ مسامع الجميع ، ثم هوى جناح «سو شياوشواي» الصغير ليصطدم بجسد «الحامي لو» بقوة!
انبعثت طاقة مرعبة تضجُّ بجبروت الفناء ، وتجلت في ضربة الجناح الواحدة تلك.
«بوم…»
بدويٍّ صاخب ، تناثر جسد «الحامي لو» ليتحول إلى ضباب قرمزي يملأ الأجواء. خيّم صمت مطبق على الشارع ، وكأن الطير فوق الرؤوس ، فقد حبس الجميع أنفاسهم ولم يجرؤ أحدٌ على النطق ببنت شفة! لقد كان مشهداً مهولاً ومنافياً للمنطق ؛ فممارسٌ قوي من المستوى الثامن لـ «مرحلة الفراغ اليواني» قد أُبيد في لمح البصر ، وتمزق إرباً دون أن يترك أثراً! أصاب الذهولُ والوجومُ كل ذي قوةٍ كان حاضراً.
«هيا يا صغيري ، لنرحل!»
نادى «سو يي» رفيقه وهمّ بالانصراف ؛ فهو لا يملك ترف البقاء ، إذ قد لقي كلٌ من «شاب طائفة سيف النجوم السبعة» ، والحامي ، ومطية زعيم الطائفة حتفهم هنا ، فصار المكان بؤرة خطر ، والرحيل العاجل هو الخيار الأمثل.
«رئيسي ، رئيسي ، خذ معنا «نمر السماء المنشق»!»
هتف «سو شياوشواي» بسرعة وهو يرى «سو يي» يستعد للمغادرة. فجسد «نمر السماء المنشق» ، وهو وحش من الدرجة الثالثة في «مرحلة الفراغ الشيطاني» ، لا يمكن تركه ؛ فهو وليمة جاهزة ، وبما أن «سو يي» قد ابتاع مؤونة الطهي من البلدة ، فقد آن له أن يستمتع بوجبة دسمة!
«لننطلق!»
وضع «سو يي» جثة النمر في حقيبته المكانية وتوجه نحو بوابة المدينة مستخدماً تقنيته الخاصة في الحركة. فمدينة «نجم السيف» هي عقر دار الطائفة ، وإذا لم يغادرا الآن ، فقد تتفاقم المتاعب.
«جلووو…»
حين رأى أحد الحشود رحيل «سو يي» و«سو شياوشواي» تمتم لنفسه أخيراً وبصق ريقه. وفجأة ، انفجر الشارع بضجيجٍ هائل بلغ ذروته! فما حدث اليوم سيصبح بلا شك حديث الساعة في مدينة «نجم السيف» لسنواتٍ طوال ، وسيظل الفتى والطائر الذي انبثق من بين ذراعيه موضوعاً لآلاف النقاشات!
لكن «سو يي» لم يكترث لكل هذا ، ولم يمضِ وقت طويل حتى وصلا إلى بوابة المدينة. فبعد الخروج ، عليه الإسراع بكل ما أوتي من قوة ؛ وإلا فبمجرد أن يتلقى «ران جيان شوان» ، زعيم الطائفة ، نبأ ما حدث ، سيشرع حتماً في ملاحقته. إنهما -هو و«سو شياوشواي»- لا يملكان قِبلاً بمواجهة طائفة «سيف النجوم السبعة» مجتمعين!
وما إن خرجا من البوابة حتى وقعت عينا «سو يي» على الأجساد الاثني عشر المعلقة على جانبي البوابة!
«بما أننا التقينا ، فسأمنحكم طوق نجاة ، وليكن ما يكون ، فالحياة والموت مقدران!»
تحدث «سو يي» بصوت خافت ؛ فقد تذكر أن هؤلاء الاثني عشر كانوا قد أُسروا على يد «ران يان» وتلاميذ الطائفة وعُلِّقوا هناك. ومن خلال استراق السمع ، علم أنهم ينتمون لـ «فريق مرتزقة كانغيو».
لم يرغب «سو يي» في التدخل ، لكن كونه دخل في صراعٍ مع الطائفة ، قرر نجدتهم ، وإن لم يكن سيغرق في مساعدتهم ؛ فغايته تحريرهم ومنحهم فرصة للفرار ، وما سيؤول إليه أمرهم لاحقاً فذلك من نصيب أقدارهم.
«هيس…»
انطلقت شفرات سيف حادة من يد «سو يي» ، فهوت الأجساد إلى الأرض تباعاً. حيث كانت الطاقة في أجسادهم خائرة ، وبعضهم قد قُطعت أوتارهم ، وبعد تعليقهم لكل هذا الوقت كانت عزائمهم واهنة. لم تكن القيود معقدة ، ففكها «سو يي» بسهولة ، مما سمح لهم باستعادة بعض قواهم.
«أيها الصبي ، أتبحث عن حتفك ؟»
في البوابة ، سارع تلاميذ الطائفة الحراس إلى إشهار سيوفهم حين رأوا صنيع «سو يي» ، وتصاعدت حدة القتل في نبراتهم. لم يدركوا هول قوة «سو يي» ، فلو علموا أن زعيمهم الشاب والحامي ومطية زعيمهم قد سقطوا على يديه ، لما تجرأوا على زجرِهِ مهما بلغ بهم الغرور.
أطلق «سو يي» همهمة خفيفة ، وبحركات رشيقة ، أطاح بهؤلاء الحراس جميعاً!
«شكراً لك أيها السيد الكريم على إنقاذنا!»
انحنى الناجون الاثنا عشر لـ «سو يي» ، والامتنان يملأ أعينهم.
أشار «سو يي» بيده قائلاً: «لم أقم إلا بما أملاه عليّ ضميري ، فلا شكر على واجب!» ، ثم همّ بالالتفات ليغادر.
«سيدي الكريم ، أرجوك أن تسمح لنا بمرافقتك في رحلتنا!» هكذا صاحت «نانغونغ نينغوي» ، قائدة المرتزقة.
ألقى «سو يي» نظرة فاحصة عليها ، ورغم حالتها المزرية لم يكن من الصعب تبين جمال ملامحها ، لكن ما استرعى انتباهه حقاً هو ذلك الإصرار في عينيها ؛ بريق من العزيمة لا يُرى إلا في القلة.
قالت «نانغونغ نينغوي» وهي تمسك بزمام إرادتها: «إن لم تساعدنا ، فلن ننجو من ملاحقة الطائفة في حالتنا هذه. سيدي ، إن كنت قد عقدت العزم على مساعدتنا ، فأكمل معروفك وأخرجنا من هنا!»
عقد «سو يي» حاجبيه متبرماً ، فهو لا يرى عليه التزاماً باصطحابهم ، لكن «نانغونغ نينغوي» ، وقد رأت همَّه بالرحيل ، عضّت على شفتيها وحسمت أمرها قائلة: «إن أخرجتنا من هنا ، فأنا… أنا… رهن إشارتك!»