كان "سو يي " ممدداً على الأرض ، شاخصاً ببصره نحو الوجوه التي تحيط به ؛ رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ من مختلف الأعمار ، منهم عجوزٌ شمطاء في عقدها الثامن أو التاسع ، وأطفالٌ دُرجٌ لم يشتد عودهم بعد. حيث كانوا جميعاً يرمقونه بنظراتٍ يملؤها الفضول ، وكأنهم يرونه دميماً لا يستحق القرب.
حدّث "سو يي " نفسه قائلاً "يا للهول! أيُّ مجمعٍ من غريبي الأطوار هذا ، بل ربما هم من آكلي لحوم البشر! ".
كان "سو يي " مقيداً لا يقوى على الحراك أو الإفصاح عما يعتلج في صدره ، وقد تفتت قلبه من هول الموقف.
بادرت امرأةٌ في منتصف العمر بالتقدم نحوه ، وقالت لرفيقها "فنغ قو " "سلمه إليّ ، سآخذه وأُحسن تنظيفه ".
رد عليها "فنغ قو " محذراً "يا أم فينغ ، هذا الفتى ثقيلٌ على نحوٍ مريب ، فكوني حذرة ".
نظر "فنغ قو " إلى "سو يي " بحيرة ؛ فلطالما بدا عليه الإعياء وشحوب الوجه طوال الطريق ، ومع ذلك فقد شعر بوزنٍ غير مألوف لهذا الفتى عند حمله.
عقّبت المرأة غير مبالية "وما عسى أن يبلغ وزن فتىً صغيرٍ كهذا ؟ " ؛ إذ كان في نظرها ضئيلاً لا يستحق عناء الحذر. و لكن ، ما إن همّت بحمله حتى اتسعت عيناها ذهولاً وهتفت "يا إلهي ، إنه ثقيلٌ حقاً! ".
لقد اعتادت هذه المرأة على حمل الأثقال التي تبلغ مئات الأرطال دون أدنى عناء ، فإذا بها تجد مشقةً كبيرة في حمل هذا الفتى الصغير.
تساءلت في سرها "أيمكن أن يكون… ؟ " ثم وقع بصرها على السيف المكسور والمدية الكبيرة المعلقين خلف ظهره ، فأدركت أن هذا الوزن الاستثنائي لا بد أن يكون مرده إلى تلكما القطعتين.
وعندها اقترب كبيرهم "فنغ يويه " من "سو يي " ونزع المدية من خلف ظهره ، وزانها في كفه ، فتغيرت ملامحه وقال "سلاحٌ من المستوى 'شوان ' الرفيع ، ليس سيئاً ، بل هو في غير موضعه. أما هذا السيف… ".
جعل "فنغ يويه " يتأمل السيف الكبير في يد "سو يي " وكان يُعد سلاحاً من طراز "شوان " العالي ، يضاهي في جودته الأسلحة الروحية ، وله قيمةٌ باهظةٌ لا يمكن التغافل عنها. وما إن وقع بصر "فنغ يويه " على السيف المكسور والمتهالك حتى استله ، فانعقد لسانه وتغيرت سحنته ، وارتجفت ذراعه وهو يهتف "يا له من ثقلٍ مذهل! ".
كان السيف المكسور يزن أكثر من ألف رطل ، مما جعل "فنغ يويه " يغرق في حيرةٍ من أمره ؛ كيف استطاع "فنغ قو " حمله طوال الطريق ؟ ولم يدرِ "فنغ يويه " أن سيف "سو يي " كان يزداد ثقلاً أو خفةً تبعاً لتغير مستواه في "الزراعة " في ظاهرةٍ غاية في الغرابة.
تمتم "فنغ يويه " "هذا السيف ليس عادياً ، بل هو استثنائي ".
وقد ألقى في روعه حدسٌ بأن هذا السيف لا يُستهان به ، فسارع بوضعه في حقيبته الخاصة.
ولم يكتفِ "فنغ يويه " بذلك بل أخذ حقيبة "سو يي " التي كانت قد ختمها بنفسه ، وبما أن جراح "فنغ يويه " لم تكن قد اندملت بعد ، فقد اكتفى بدسّها في ملابسه ، وأشار لأحدهم بأن يأخذ "سو يي ".
لم يملك "سو يي " من أمره شيئاً ؛ فالحقيبة لم تكن تحوي إلا بعض الأدوية المعتادة ، أما مقتنياته النفيسة فكان يحتفظ بها دائماً في فضائه الغامض ، حيث الأمان أضمن ، لكن السيف المكسور كان استثنائياً ، وكان "سو يي " يدرك ذلك جيداً ، وشعر بالعجز وهو يرى "فنغ يويه " يستولي عليه ، إذ لم يعد في جسده قوةٌ للحراك.
راقب "سو يي " باستسلام المرأة وهي تحمله بابتسامة ، وعبروا باحاتٍ وممراتٍ حتى يصلوا إلى فناءٍ منعزل كان يلفه الهدوء والسكينة. وهناك ، وضعت المرأة "سو يي " برفق على الأرض ، ونادت داخل المنزل "يا 'تشي ' ، لقد عاد 'فنغ يويه ' وصحبه ومعهم هذا الصبي ؛ نظفيه وألبسيه ثياباً جديدة ونقية ، وليكن ثوباً أبيض إن أمكن ".
نظرت المرأة إلى "سو يي " بنظرةٍ تشوبها الشفقة والأسف ، وقالت "يا بني ، لا تلمنا ، فقد فُرض علينا هذا الأمر ، وما عليك إلا أن تلوم حظك العاثر الذي ألقى بك في طريقنا ". ثم مضت لحال سبيلها.
من خلف الباب ، جاء صوتٌ نديّ "أخالتي الرابعة ، أقد عادوا بهذه السرعة ؟ فهمتُ ما تريدين ".
انبعث صرير الباب ، وخرجت منه قامةٌ رشيقة ، وانتشر في الأرجاء عطرٌ خفيف ، وتمايل طرف ثوبٍ أمام ناظري "سو يي ". كانت امرأةٌ في مقتبل العشرينيات ، تلمّ شعرها في ذيل فرس ، وتنسدل خصلاتٌ سوداء ناعمة على أذنيها لتزيدها جاذبية.
كانت عيناها واسعتين ومتألقتين ، وملامح وجهها رقيقة ، وبشرتها نضرة ، ورغم بساطة ثيابها إلا أنها كانت توحي بالنقاء والبراءة ، ومع ذلك لم يكن يظهر عليها الضعف ، بل كان يفيض منها العزم والإصرار ، خاصةً في نظراتها الحيوية التي تبعث على الريبة.
راقبت المرأة خروج عمتها ، ثم التفتت إلى "سو يي " بعينين تملؤهما الدهشة ، وتمتمت "بالفعل ، إنه غير نظيف ، ولا عجب في أنه بحاجةٍ إلى غسلٍ جيد ".
وبصوتٍ خافت ، حملت المرأة "سو يي " برفق ، وتوغلت به عبر الغرف حتى بلغت حجرةً فسيحة ، تفوح منها رائحةٌ زكية منعشة تذكرنا بمخادع العذارى. وفي وسط الغرفة كان هناك حوضٌ خشبي كبير يسع رجلين أو ثلاثة.
وضعت المرأة "سو يي " مستنداً إلى الجدار ، وانشغلت بأمرها ؛ حيث جلبت دلاءً من الماء الصافي وملأت الحوض ، فبدأ البخار يتصاعد منه. وبعد أن اختبرت حرارة الماء ، نثرت فيه بتلات الورود.
ظل "سو يي " يراقب ما يحدث ، بينما كان يعقد العزم في أعماقه على تفعيل "تقنية اليوان الفوضوية العليا " محاولاً كسر الختم الذي وضعه "فنغ يويه ". لكن حركة المرأة الدائبة حوله كانت تشتت تركيزه.
شعر "سو يي " بالثقل يطبق على صدره ؛ فإيقاعه في عرين هؤلاء القوم خطرٌ محقق ، ولو كان يعلم ما كان ليدع "هوانغ جيان " بعيداً عنه ، ولكن حتى إن تحرر من قيوده ، فكيف السبيل إلى الهروب من بين هؤلاء الأقوياء ؟
لم يعد أمامه من أملٍ إلا في أخيه "شي وو تشنج " ؛ أن يبلغ مراده من التطور قريباً ويأتي لإنقاذه ، وإلا فإنه يخشى أن يكون قد وقع في شرّ أعماله ، خاصةً وأن هؤلاء القوم يكتنفهم الغموض.
قالت المرأة وقد اقترب وجهها منه ، بعينين صافيتين تنبضان بالحيوية والجاذبية "حان وقت استحمامك ".
كانت عيناها الواسعتان المتلألئتان تعكسان صورة "سو يي " بوضوح كأنها ينبوع ماءٍ زلال ، وفاحت منه رائحةٌ عطرية أنثوية نفذت إلى أعماقه ، فاستقرت في أنفه كأنها نداءٌ من عالمٍ آخر.