الفصل 287: رمز زعيم الطائفة
لم ينبس الاثنان ببنت شفة ، بينما كان نسيم الليل يداعب الأرجاء برفق.
بعد وقت طويل ، خفضت "شانغوان شي وي " بصرها نحو "سو يي " وبدت في عينيها حيرةٌ كأنها دوامة من المشاعر.
نظر "سو يي " إليها ، فأحس بقلبه يثقل فجأة بمرارة لا يدرك كنهها أحد ، ومع ذلك استطاع "سو يي " أن يشعر بما يعتريها.
"من الآن فصاعداً لم يعد لي أحد بجانبي. و لقد رحلوا جميعاً وتركوني وحيدة. لم يبقَ سواي. " لم تستطع "شانغوان شي وي " الصمود أكثر من ذلك وارتجف صوتها ، وما إن أنهت كلماتها حتى ارتمت في أحضان "سو يي ".
فتح "سو يي " ذراعيه وضمها إليه ، وشعر بذلك الجسد الغض وهو يرتجف وينتحب ، فشدَّ عليه إلى صدره وكأنه يضم جوهرة دافئة.
لم ينطق "سو يي " بكلمة ، بل اكتفى بضم تلك الهيئة الباكية ، مستشعراً حرارة دموعها التي بدت كالجمر على صدره.
كان يعلم أنها بحاجة لتفريغ ما في جعبتها ؛ فمدى التحول المفاجئ في الأحداث كان أضخم بكثير من قدرة فتاة قروية حيث عاشت مسالمة مع العالم منذ نعومة أظفارها ، على الاحتمال.
مضى الوقت ببطء و "شانغوان شي وي " تذرف دموعها دون كابح حتى بدأت تهدأ تدريجياً.
ظل "سو يي " يواسيها لحظة بلحظة حتى سكنت تماماً ، ولم يعد يسمع سوى حفيف نسيم الليل وهو يداعب أوراق الشجر.
في تلك اللحظة ، تحدث "سو يي " بصوت خافت "ما زال هناك بقية من أهل قرية الروح القديمة. شانغوان يان ، وشانغوان يي ، وشانغوان شيو ، وشانغوان يو ، والبقية كلهم هنا. وأنا أيضاً هنا. و قبل أن ترحل الجدة ، أوصتني بأن أعتني بكِ. "
رفعت "شانغوان شي وي " رأسها وابتعدت عن حضنه ، ووجهها الباكي ملطخ بالدموع وشعرها يلتصق بجبهتها ، وقالت "ما قالته الجدة بوضوح هو أن أعتني أنا بك. لا تنسَ أنك أصغر مني. "
نظر "سو يي " إلى الفتاة أمامه وابتسم قليلاً ؛ فربما كان البكاء قد خفف عنها ثقل همومها. و قال بنبرة هادئة "صحيح أنني أصغر منكِ ، لكني رجل ، ومن واجبي الطبيعي أن أعتني بكِ. "
"حسناً ، ولكنني أتذكر أن الجدة حين رحلت ، أرادتنا أن نعتني ببعضنا البعض. "
نظرت "شانغوان شي وي " إلى الشاب أمامها ، فاحمر وجهها دون وعي ، وسألت "هل يبدو بكائي قبيحاً ؟ "
ضحك "سو يي " وقال "ليس قبيحاً ، بل لا يقترب من القبح ذرة. لا توجد فتاة في هذا العالم يمكن أن يضاهي جمالها جمالكِ وأنتِ تبكين. "
"انظروا من يتحدث بالكلمات المنمقة! في العالم الخارجي ، على الأغلب قد خدعت الكثير من الفتيات بمثل هذا الكلام ، أليس كذلك ؟ "
رمقته "شانغوان شي وي " بنظرة جانبية ، لكن عينيها حملتا أثراً نادراً من الابتسام. تابعت قائلة "في المستقبل ، يجب علينا ، كأخ وأخت ، أن نعتني ببعضنا. و لكني أخشى بصفتي الأخت الكبرى أنني لا أجيد الاعتناء بالآخرين ، كما لا أعرف إن كنت ستتقبلني كأخت لك. "
ضم "سو يي " شفتيه مبتسماً ، وقد تسللت إلى قلبه خيوط من الدفء "أختٌ بهذه الرقة ، كيف لي أن لا أتقبلها ؟ وإذا كانت الأخت الكبرى لا تعرف كيف تعتني بالناس ، فسأعتني أنا بالأخت شي وي. "
أومأت "شانغوان شي وي " برأسها مبتسمة "لا تزال تطلق تلك الكلمات المعسولة. اذهب وتأمل الآن ، فهذه الأيام ستتطلب منك الكثير من الجهد للاعتناء بالجميع. " ثم استدارت ، ورحلت بهيئتها الرشيقة.
راقب "سو يي " أثرها وابتسم بخفة ، ثم صعد على صخرة كبيرة ورفع رأسه ليتأمل سماء الليل العميقة ؛ تغيرت ملامحه فجأة إلى القسوة ، وظهر بريق حاد كالشفرة في عينيه.
"ما هي خططك ؟ "
تردد صوت حاد فجأة ، وظهر "سو تيان كيو " وهو يتمايل ويضم ذيله ، وكانت عيناه الصغيرتان متقدتين ببريق مريب في هذا الليل.
"هل استعدت قوتك ؟ "
نظر "سو يي " إلى "سو تيان كيو " ببريق من الترقب في عينيه. فبحر النار المهول في ليلة الأمس ، وذلك الهالة الحارقة والهيئة الوهمية الضخمة لم تكن لتخفى على "سو يي " صلتها بـ "سو تيان كيو ". فمن كان قادراً على نقل هذا العدد من الناس والهروب بهم من تحت أنظار أقوى المزارعين ، لا بد أن يمتلك قوة جبارة.
"لم يحن الوقت بعد لاستعادة قوتي بالكامل! "
هز "سو تيان كيو " رأسه ، ووقف بجسده الصغير على الصخرة تحت قدمي "سو يي " ثم رفع رأسه نحو السماء وقال "إنه ذلك ’الشيطان الوقور‘ ، فقد ساعدني ومد لي يد العون ، مما مكنني من استعادة الكثير ، بل وحتى استرجاع بعض ذكرياتي. "
"ما الذي يحدث بالضبط ؟ "
شعر "سو يي " بالغرابة والشك ، متسائلاً متى تواصل "سو تيان كيو " مع ذلك الشيطان.
أخبره "سو تيان كيو " بالأمر ؛ فمنذ اليوم الأول لوصولهما كان الشيطان الوقور يعلم بوجودهما ، وكان يراقب الأمر من بعيد ، وقد استشعر استثنائية "سو تيان كيو " وكشف جوانب من أصله ، فبحث عنه بعد دخول "سو يي " إلى كهف "تيان ياو ".
كان الشيطان الوقور يخشى قدوم أعداء أقوياء ، فترك لنفسه مخرجاً وتواصل مع "سو تيان كيو " ووعده بالمساعدة مقابل أن ينضم لـ "طائفة الشيطان الإلهي ". في البداية رفض "سو تيان كيو " لكن الشيطان وعده بأنه ما دام حياً ، فلا حاجة له ليكون شيطانه الوقور ، وسيكون حراً ، وإن مات ، يمكنه التفكير في الأمر.
"ذلك النمر كان يعلم أن أيامه معدودة ، وأراد مني أن أسلمك شيئاً. "
بصق "سو تيان كيو " من فمه رمزاً من اليشم بحجم كف اليد ، بلون أحمر داكن ، نُقشت عليه رموز قديمة.
التقطه "سو يي " ؛ لم يشعر بهالة مادية ، لكنه أحس بهالة شيطانية تنبعث منه ، مع نقوش بارزة لثلاث كلمات "طائفة الشيطان الإلهي ".
"قال ذلك النمر إن هذا هو رمز زعيم الطائفة ، وله صلة بمستقبلها. حيث يجب أن تحافظ عليه ، فله شأن عظيم في المستقبل. "
تساءل "سو يي " إن كان هذا كنزاً ، لكن "سو تيان كيو " هز رأسه "لا أعلم ، ولا يمكنك سؤاله. "
"وكم استعدت من قوتك ؟ "
أجاب "سو تيان كيو " "لم أستعد الكثير ، بل تذكرت بعض الأمور فقط. و يمكن القول إنني خُدعت من قبل ذلك النمر العجوز. "
لم يستعد الكثير ، وما حدث ليلة أمس لم يكن إلا بفضل الترتيبات المسبقة التي وضعها الشيطان الوقور.