الفصل 101: انقلبت الموازين
كان "سو يي " يأمل أن يرتقي بمستوى طاقته الروحية. وبينما كان غارقاً في ممارساته التأملية ، تحركت طاقة مفاجئة من حوله ، لتنبعث منها هالة خافتة اندفعت نحو مركز جبينه ، تحديداً في المنطقة الواقعة بين حاجبيه. و لقد كانت تلك الطاقة التي تغلغلت في جسده أشبه بنسيم ربيعي دافئ ولطيف ، غمرته براحة نفسية لا توصف.
لم تكن هذه الظاهرة غريبة عليه ؛ فقد علم أن هذا الفيض الطاقي نابعٌ عن ممارسته لـ "تعويذة ترويض السماوات " التي تملك القدرة على تعزيز طاقته الروحية تماماً كما يفعل "اليوان تشي " الذي يصقله داخل جسده. ورغم أن الروح في جوهرها شيء مجرد إلا أنه تحت تأثير هذا المد الطاقي ، شعر "سو يي " بنوع من الحركة في طاقته الروحية المتجسدة في أعماق عقله. ومع إحاطة تلك الطاقة الدافئة به ، أشرقت طاقته الروحية وبدأت تتحرك وفق إرادته ؛ كان شعوراً ساحراً مفعماً بالسكينة التي تعجز الكلمات عن وصفها.
ومع انقضاء الوقت تدريجياً ، ظل "سو يي " محاطاً بذلك الضوء ، بينما انتشرت هالة عتيقة في أرجاء المكان. وفي تلك اللحظة ، عند سفح المنحدر الشاهق كان قرد ضخم ناصع البياض يتسلقه برشاقة وخفة متناهية. حيث كانت سرعة القرد فائقة ، وما هي إلا لحظات حتى بلغ قمة المنحدر الذي يرتفع لمئات الأمتار.
وفي الوقت ذاته توقف "سو يي " عن ممارسة "تعويذة ترويض السماوات " وفك أختام يديه وفتح عينيه متطلعاً إلى الأمام. فخلال ممارسته للتعويذة كان قادراً على إدراك كل ما يحيط به وتشكيل صورة واضحة في عقله ، بما في ذلك القرد الأبيض الضخم.
"قرد اليشم الثلجي! "
تأهب "سو يي " بحذر ؛ فلم يخطر بباله أبداً أن يتبعه هذا القرد. ولا عجب حينها أن "عقاب الوحش المشتعل " لم يفر هارباً على الفور عندما واجه القرد ، فقد كان الأخير يعرف موطن العش مسبقاً.
زأر القرد الأبيض ونظر إلى "سو يي " زئيراً عميقاً ، ثم وقف جانباً ولم يجرؤ على الاقتراب ، عاكساً في عينيه نظرات ملؤها الاحترام. انتاب "سو يي " شيء من الحيرة ؛ إذ لم يبدُ على القرد أي نوايا عدائية ، لكنه لم يدرك سبب تعقبهما إلى عش العقاب. حيث كان قرد اليشم الثلجي يفهم اللغة البشرية ، لكنه يفتقر للقدرة على النطق بها.
ورغم غياب النوايا السيئة لدى القرد لم يجرؤ "سو يي " على التهاون. فـ "عقاب الوحش المشتعل " كان ما زال داخل المساحة الغامضة يمتص جوهر الروح ليداوي جراحه ، وبمستوى تدريبه الحالي لم يكن "سو يي " نداً لهذا القرد. لذا كفَّ عن ممارسة التعويذة وبقي متأهباً لمواجهة القرد بينما بدأ في ممارسة تقنياته القتالية.
سواء تعلق الأمر بـ "غضب الأراضي الثمانية " أو "كف اللهب القرمزي " أو "قبضة الإصابات السبع " أو "سيوف التنين الجهنمي الثلاثة " كان "سو يي " يتقنها جميعاً بمهارة ، لكن إذا أخذنا "سيوف التنين الجهنمي الثلاثة " كمثال ، فقد كان قادراً فقط على تنفيذ ضربتي السيف الأوليين. أما "قبضة الإصابات السبع " و "كف اللهب القرمزي " فعلى الرغم من إتقانه لهما إلا أنه لم يصل بعد إلى أقصى مستوياتهما.
وكما يُقال "التكرار يعلم الشطار " ؛ فالممارسة المستمرة والصقل الدقيق سيجعلانه أكثر سرعة في حركاته ، ويمنحانه مزايا كثيرة في المعارك الحقيقية. وتعتمد قوة التقنية القتالية على عوامل شتى ، من مهارة الفرد ومستوى تدريبه إلى تقنياته الخاصة. ومع ذلك فإن هذا لا يؤخذ بالحسبان حين نتغاضى عن مستوى التدريب ؛ فبين الممارسين من نفس المستوى ، يظل الأكثر إتقاناً ومهارة وسرعة هو صاحب الغلبة دائماً.
كانت مجموعة المغامرين لا تزال تجوب المكان بحثاً عنه ، لذا عزم "سو يي " على التدريب لفترة لتعزيز قدراته. حيث كانت الرحلة في جوهرها محنةً لصقل نفسه ، ويمكن اعتبار ملاحقة هؤلاء المغامرين مجرد إضافة لمسة من الإثارة على حياته التي خلت من التحديات.
بوم!
دام! دام! دام!
فوش! فوش!
تحت الشجرة العملاقة ، تعالت أصوات الانفجارات المتتالية ، وعواء الرياح وصفيرها ، وصوت اختراق السيوف للهواء. وفي الأيام التالية ، انغمس "سو يي " تماماً في صقل مهاراته القتالية. كف اللهب القرمزي ، قبضة الإصابات السبع ، وسيوف التنين الجهنمي الثلاثة ، وغيرها الكثير ؛ كان "سو يي " يمارسها مراراً وتكراراً.
تجلجلت أصوات الرياح العاصفة داخل العش ، بينما ظل قرد اليشم الثلجي يقف بعيداً يراقب "سو يي " بفضول ، دون أن يجرؤ على الاقتراب أو يهم بالمغادرة. وكلما أحس القرد بهالة "تقنية اليوان الفوضوي الأسمى " تنبعث من "سو يي " زاد احترامه له. ومع مرور الأيام ، اطمأن "سو يي " قليلاً تجاه القرد ؛ فكلما أنهك نفسه بالتدريب كان يلجأ للتأمل للاستشفاء. وكان التعافي بعد كل حالة من الإجهاد التام يدفع بمستوى تدريبه نحو الأعلى. ولم يتخلَّ "سو يي " عن السيف الذي يزن 500 كيلوغرام على ظهره قط إلا عندما يحين وقت تدريب عضلات ذراعيه به.
بعد سبعة أيام ، أحس "سو يي " بحركة داخل المساحة الغامضة فدخلها فوراً. وحين استدعى تلك المساحة داخل الكهف ، شعر قرد اليشم الثلجي بالهالة المنبعثة ، فتردد لحظة ، لكنه لم يستطع مقاومة الرغبة فتوجه نحو الكهف.
صرخة حادة!
داخل المساحة الغامضة ، ومع حركة الهواء اللافح وسط طاقة السماء والأرض الكثيفة كان "عقاب الوحش المشتعل " يفرد جناحيه اللذين تجاوز عرضهما 30 متراً. حيث كانت ريشاته القرمزية الزاهية تتوهج كالنار المشتعلة ، وهالته تضطرب في الأجواء بينما كانت طاقة المكان تتدفق نحو جسده الضخم.
"مستوى مملكة روح الشيطان ، الدرجة الأولى! "
غمرت الفرحة "سو يي " ؛ فالعقاب لم يكتفِ بالتعافي من جراحه ، بل ارتقى إلى الدرجة الأولى من مملكة روح الشيطان. وبعد استهلاكه لجوهر الروح ، حقق طفرة فورية في مستواه.
ظهر قرد اليشم الثلجي داخل المساحة الغامضة تحت مراقبة "سو يي ". وما إن استشعر القرد الهالة داخل المكان حتى خرَّ ساجداً على الأرض ، وجسده العملاق يرتجف وكأنه رأى أهول ما في الوجود. وبينما كان ينظر إلى العقاب الذي حقق طفرته ، بدا القرد مصدوماً ، وعيناه تعكسان فيضاً من المشاعر المضطربة.
بعد فترة وجيزة ، هدأت هالة العقاب وتلاشت داخل جسده ، ثم اندلعت موجة قوية من الطاقة كالعاصفة في أرجاء المساحة الغامضة.
صرخة حادة!
ثبَّت العقاب نظراته الحادة على قرد اليشم الثلجي ، وتوقدت في عينيه نارٌ مستعرة وهو يستعد للانقضاض عليه.
"قف! "
صاح "سو يي " فور رؤيته للمشهد.
صرخ العقاب وتحرك ليقف أمام "سو يي " وعيناه الحادتان لم تحيدا عن القرد لحظة واحدة ؛ إذ بدا أن ثمة عداءً قديماً بين الوحشين. أما قرد اليشم الثلجي فظل ساجداً على الأرض ، وقد أذهلته الهالة القوية داخل المكان وأيقن أن العقاب لم يعد خصماً سهلاً له.
ربت "سو يي " على العقاب ، ثم التفت إلى قرد اليشم الثلجي قائلاً "اتبعني مستقبلاً ، وسأساعدك على تحقيق طفرة في مستواك. "
زئير!
ما إن سمع القرد كلمات "سو يي " حتى أومأ برأسه بقوة وضرب صدره ، تعبيراً عن حماسه وسعادته.
"حسناً ، لقد تم الأمر! " ابتسم "سو يي " قليلاً. فبما أن للمساحة الغامضة وتقنية اليوان الفوضوي الأسمى تأثيرات خاصة على الوحوش ، لِمَ لا يستفيد من ذلك ؟
"لقد انقلبت الموازين الآن. فلينتظرني المغامرون ، وعندما نلتقي مجدداً ، سنرى من منا سيهرب! " سطعت في عيني "سو يي " لمحة سعادة خفية ؛ فبوجود العقاب والقرد إلى جانبه ، ستتبدل الأدوار حتماً في اللقاء القادم.