الفصل 381: اثنان آخران.
كانت إرادة العالم في حالة من التوجس والقلق البالغ للظفر بالتاج الذهبي ، فأرسلت كل من تبقى من حراسها لجلب الغنيمة. وهكذا كان هناك حارسان للعالم يطاردان عمود الضوء بدورهما.
وفي الحقيقة لم يكن حراس العالم بحاجة إلى عمود الضوء الذي يبث موقع رمز السلطة ليعرفوا مكان التاج الذهبي ؛ فبصفتهم حماة هذا العالم كان لديهم حدس فطري يرشدهم إلى مكانه بيقين لا يخطئ.
وبما أن حارس الرياح كان قد أُصيب بالعجز ، بينما لقي حراس الضوء والطبيعة والأرض والنار والظلام حتفهم ، وقُتل حارس الموت على يد مزارع الموت من الرتبة الخامسة لم يبقَ لاستعادة رمز السلطة سوى حارس الماء وحارس البرق.
لم تكن مطاردة حراس العالم للتاج الذهبي تعني الكثير للوكي ، باستثناء حقيقة أنهم كفوا عن ملاحقته. فبعد أن كان الحراس الثلاثة يقتفون أثره في السابق ، غيروا وجهتهم الآن طمعاً في استعادة رمز السلطة.
وفي الواقع كانت إرادة العالم لا تزال تتوق لسفك دمه والانتقام لأجله ، فقد كلفها ما يقرب من نصف قوتها المتاحة. فما سلبه من العالم لم يكن أجزاءً ميتة ، بل كان قطعاً حية من صميم قلب العالم.
لذا حتى الكائنات الإلهية ستجد في ما استولى عليه كنزاً لا يقدر بثمن. فكيف للعالم ألا يرغب في قتله واستعادة ما سُلب منه ؟
فإلى جانب رغبتها في استرجاع المسلوب ، أرادت إرادة العالم تعذيبه حتى الموت نكالاً بفعلته. غير أن استعادة التاج الذهبي كانت مسألة أكثر إلحاحاً وأهمية ، فهي التي ستحدد مصير هذا العالم بأسره.
فبين موارد مسروقة وبين الأداة التي ستحدد ما إذا كان العالم سيهلك أم سيبقى ، عرفت إرادة العالم كيف ترتب أولوياتها وتختار الأهم. ولكن ما إن يتم استرجاع التاج الذهبي ، سيحين دور لوكي ليصبح الطريد المنشود.
لم يؤثر قرار إرادة العالم هذا على لوكي البتة ؛ فهو لم يكن يعلم أصلاً بأنه كان مُطارداً في السابق ، لذا لم يكن ثمة سبيل ليعلم بأن تلك المطاردة قد انقشعت عنه الآن.
لكن الشخصين اللذين تأثرا بهذا القرار أكثر من غيرهما هما الرائي والمخادع ؛ إذ شعرا بضغط متزايد وهما يريان لوكي وحارسي العالم يلاحقونهما.
كان نصف الضغط الذي يرزح تحت وطأته الرائي نابعاً من لوكي. أما المخادع ، فلم تكن لديه كافة المعلومات ولم يعلم بهوية من يلاحقهم ، لذا لم يشعر بأي ضغط تجاه لوكي أو تجاه حراس العالم.
كان الاثنان يحلقان معاً في الأجواء ، وكان المخادع هو الموكل بحمل التاج الذهبي ، بينما يوجهه الرائي إلى الوجهة التي يجدر به الفرار نحوها. وبسبب جهل المخادع بحقيقة الموقف ، غلبه الضحك وقال "تخيل هذا! لقد نجحت خطتك ، وها هو رمز السلطة بين أيدينا. "
رفع رمز السلطة فوق رأسه متباهياً به أمام الرائي ، وأردف قائلاً "انظر إلى جماله الفتان ، لقد أصبح ملكاً لنا الآن. "
أما الرائي ، فلم تكن حالته مختلة تسمح بالاحتفال بعد ؛ فالضغط الذي شعر به جعله يسخر من المخادع قائلاً "لم يصبح ملكاً لنا بعد ، ولن يكون كذلك إلا إذا استطعنا التشبث به لأربع وعشرين ساعة. "
لكن المخادع قلب عينيه بضجر وقال "يا صاح ، على من تعتب ؟ ومن ذا الذي يجرؤ على انتزاعه منا في هذه اللحظة ؟ "
فسارع الرائي بالرد "ثمة ذلك الحداد من الرتبة الرابعة وحارسان للعالم يقتفون أثرنا. "
باغتت هذه الكلمات المخادع ، فبان الذهول في صوته وهو يقول "اثنان فقط ؟ كنت أتوقع خمسة حراس على الأقل في إثرنا. "
ثم سأل مستفهماً "لقد ظننت أن هناك تسعة حراس في هذا العالم ، فما الذي حل بالبقية ؟ "
نظر إليه الرائي وقال "لقد قتلهم ذلك الحداد من الرتبة الرابعة. "
في هذه المرة تملكت الصدمةُ المخادعَ حتى جحظت عيناه دهشة ، وقال "مستحيل! "
لكن الرائي أومأ برأسه مؤكداً "لقد فعلها حقاً. "
وتابع الرائي "لقد قتل خمسة منهم فقط ، إذ أُصيب أحدهم بالعجز بسببي ، وقُتل آخر على يد مزارع الموت من الرتبة الخامسة ، ذلك الحاقد من طائفة الجهات الأربع. و لكني على يقين بأنه حتى لو لم نحرك ساكناً ، لكان قادراً على إبادتهم السبعة جميعاً. "
ظل المخادع مذهولاً وعاجزاً عن النطق لبرهة ، متسائلاً في قرارة نفسه عما إذا كان الرائي يمزح معه أو يحاول خداعه.
حين رأى الرائي نظرة الإنكار في عينيه ، سخر منه قائلاً "لِمَ كل هذا العجب ؟ هل كنت ستندهش لو قلت لك إن شيلا هي من قتلت حراس العالم السبعة ؟ "
رداً على هذا السؤال ، هز المخادع رأسه وقال "لكن شيلا مزارع من الرتبة الخامسة ، وبإمكانها نسخ أي قدرة تراها ، أما هو فليس سوى حداد من الرتبة الرابعة. "
لكن الرائي أصر على موقفه قائلاً "إذا كان قادراً على قتلها ، فلا عجب إذن في قدرته على قتل من يمكنها قتلهم. "
في الحقيقة كان الرائي يدرك أن منطقه هذا قد لا يستقيم تماماً ؛ فحقيقة أن لوكي استطاع قتل شيلا لا تعني بالضرورة قدرته على هزيمة كل من تستطيع شيلا هزيمتهم ، فقد يوجد خصوم تطرحهم شيلا أرضاً بينما لا يتأثرون بالوسائل التي أردت شيلا قتيلة.
ولكن ، كما جرت الأمور لم يظهر هؤلاء الخصوم بعد. ومن أجل التأكيد على وجهة نظره حول مدى خطورة ذلك الحداد من الرتبة الرابعة ، قال الرائي للمخادع "في الوقت الذي استغرقناه لخداع تلك الحدادة الضخمة من الرتبة الخامسة وسلب التاج الذهبي منها تمكن الحداد من الرتبة الرابعة من قتل حارسي العالم اللذين لاذا بالفرار سابقاً. تلك هي مدى خطورته. "