الفصل 373: الشجاعة والقوة.
كما سمعوها تقول "لعلكم تظنون أنكم قد أوقعتم بي في فخكم ، ولكن الأمر ليس كذلك ؛ بل ما فعلتموه هو أنكم حبستم أنفسكم معي. فمن الأفضل لكم أن ترجوا ألا أعثر عليكم ".
لقد كانت تتوعدهم ، وقد أخذ الحراس الثلاثة وعيدها على محمل الجد. وكما حدث آنفاً ، تحرك حارسان بينما تمسك الثالث برمز السلطة للحفاظ عليه آمناً.
شرع حارس الأرض وحارس النار في معالجة محيط الحممة بهما والصخور التي تعلوهما ؛ فأطلقا العنان للحمم التي تحت أقدامهما لتتدفق صعداً نحو الشقوق التي أحدثتها هي في الحيز الذي تشغله ، ثم عمدا إلى تبريد تلك الحمم داخل ذلك الحيز محولين إياها إلى صخور صلبة.
كانا يملآن المكان الذي تقبع فيه بالصخور ، بغية سلبها حرية الحركة وحبسها في جوف الصخر.
وقد تكلل هذا المسعى بنجاح باهر ، فسرعان ما امتلأ المكان بأسره ، مما أدى لمحاصرتها مجدداً ، فاضطرت للتحكم في العملاق الشبح لتقليص حجمه إلى ثلث طوله المعتاد.
بيد أنه في كل مرة كانت تخلق فيها مساحة إضافية كان الحارسان يسارعان إلى ملئها. أثار ذلك حنقها ، ومع ذلك ظلت تضحك وكأنها تمضي وقتاً ممتعاً.
وعندما صار حجم العملاق الشبح لا يمثل سوى سدس حجمه الطبيعي ، قامت بإلغاء تنشيطه تماماً ، مما أدى لظهور جسدها الحقيقي في تلك المساحة الضيقة.
وبطبيعة الحال كانت تلك المساحة المحدودة لا تزال أكبر بتسعة أضعاف من طولها الطبيعي ، فبدت وكأنها تقبع داخل كهف فسيح.
تطلعت فى الجوار وقالت "هذا يفي بالغرض تماماً ".
ثم قامت بتنشيط عملاقها الشبح مرة أخرى بكل ما أوتيت من قوة ، دون أدنى تحفظ.
أدى تنشيط العملاق الشبح إلى تضخم هيئتها على الفور كما لو كانت تنفجر ؛ فضربت قوة هذا الانفجار الصخور المحيطة بها وفلقت الجبل بأسره.
لقد فعلت العملاق الشبح ليعود إلى كامل طوله ، غير أن المساحة التي كانت تمتلكها لم تكن تتجاوز سدس حجم العملاق ؛ لذا كان لا بد لأحدهما أن يفسح المجال للآخر.
فإما أن يُسحق عملاقها الشبح ويتخلى عن تمدده ، وإما أن ترضخ الصخور المحيطة التي تضيق الخناق عليها وتُجبر على الانفجار والتشظي. وما سيحدث كان يتوقف على من هو الأقوى.
وتبين أنها كانت الأقوى ؛ فانفجر الجبل بأكمله إلى الخارج ليفسح لها المجال ، مما خلق مساحة أكبر مما تحتاجه ، كما تسبب ذلك في ثوران الحمم البركانية تحتها من جديد.
وهذه المرة ، رُفع الجبل بأكمله وتناثرت أشلاؤه في كل حدب وصوب بفعل القوة المشتركة للانفجار وثوران الحمم. واستطاع الجميع من شتى أنحاء العالم الصغير رؤية هذا الثوران ؛ فلم يكن ذوو الرتبة الخامسة في الحساسية هم وحدهم من أدركوا أن ثمة خطب ما يحدث في "جبل أيريس ".
وفي قلب تلك الانفجارات والثورات كانت تقف محاربة منتصرة ؛ حيث كانت الحمم الساخنة والصخور المتناثرة تتطاير فى الجوار ، بينما بسطت أذرعها الأربعة وضحكت ضحكة النصر.
زأرت في وجه العالم قائلة "اشهدوا على قوتي ، كونوا شهداء على عظيم بأسي. ألسْتُ جديرة ؟ أليست أوسيلوت جديرة ؟ "
فرد جميع العمالقة والمحاربين في العالم الصغير بصيحات مدوية من أماكنهم "أوسيلوت جديرة! أوسيلوت جديرة! أوسيلوت جديرة! "
بيد أن صراخهم لم يكن مسموعاً لقلة عددهم في هذا العالم الصغير ، ولكن الحال كان مغايراً تماماً في "النطاق الشمالي ".
فقد كان النطاق الشمالي يغص بالمحاربين والعمالقة ، وكان الكثير منهم يراقبون مآثر قوتها. وعندما سمعوا سؤالها ، صرخوا مجيبين بأنها جديرة حقاً.
أما المحاربون والعمالقة الذين لم يكونوا يراقبون ، فقد سمعوا هذا الهتاف وتملكهم الفضول لمعرفة من ذا الذي يستحق أن يصبح كائناً إلهياً ؛ وإرضاءً لفضولهم ، شرعوا في متابعة البث المباشر لبطولاتها.
وعندما رأت أوسيلوت أن عدد مشاهدي بثها المباشر يزداد بسرعة ، ازدادت سعادتها ؛ فامتلأ قلبها بفرحة لا حدود لها ، وتوقت نفسها لتمزيق أي شيء إرباً.
لذا نظرت إلى الأسفل نحو الحارسين اللذين أمامها وقالت "أيها الريشيون الضعفاء ، استعدوا لملاقاة حتفكم ".
قال حارس النار "سوف تلقين حتفكِ اليوم أيتها الغازية الوضيعة ".
لم ينبس حارس الأرض ببنت شفة ، بل اكتفى بالإمساك بما حوله ، فاستجابت له الأرض.
تطايرت الصخور نحو حارس الأرض وتراكمت حوله ، لتشكل هيئة بشرية ذات زوج من الأجنحة على ظهرها.
ومع استجابة المزيد من الصخور لنداء الحارس ، ازداد حجم الإنسان الصخري الذي شكلته كبراً فأكبر ، وسرعان ما انتصب إنسان صخري عملاق بجناحين ضخمين أمام العملاق الشبح ، وكان يحمل مطرقة ضخمة مصنوعة من الصخور.
وقد فعل حارس النار الشيء ذاته ولكن باستخدام الحمم البركانية ؛ فظهر عملاق من الحمم بجناحين كبيرين يقف بجانب العملاق الصخري ، غير أن سلاح هذا العملاق البركاني كان سوطاً مستعراً من نار.
بدا كل عملاق عنصري منهما نداً كفؤًا لها ، وكان الاثنان في مواجهتها ؛ لكنها لم ترهب ، بل أمالت رأسها للخلف وضحكت بغير مبالاة أو خوف.
ثم قالت "أروني ما لديكم ".
ولكن قبل أن يشرعوا في الهجوم ، انطلقت فجأة كرة من البرق الأحمر لتستقر وسطهم.
لم تستهدف كرة البرق الأحمر أحداً بعينه ، بيد أن العمالقه العنصريين لاذا بالفرار بمجرد رؤيتها.
بدت كرة البرق الحمراء متواضعة المظهر ولا تلفت الأنظار ، ومع ذلك كان هذان الحارسان يرتعدان منها خوفاً. أما المحاربة أوسيلوت ، فقد أبدت رد فعل معاكساً تماماً.
فقد استبد بها الفضول حيال كرة البرق تلك ، وعندما رأت أعدائها يفرون منها فرار السليم من المجذوم ، قررت المضي قدماً لمواجهتها وجهاً لوجه ، لتبرهن على مدى شجاعتها وقوتها مقارنة بالحارسين.