الفصل ثلاثمئة وستة وخمسون: حل محتمل.
لم يعد حارس العالم يطيق صبراً ، فقال أخيراً "ما هذا الحل الذي تتحدث عنه ؟ "
فأجابه الرائي "كما أسلفتُ الذكر ، ثمة أكثر من ملك عالم واحد في عالمي ، وهؤلاء الملوك منقسمون إلى خمس مجموعات ، يتنافسون جميعاً فيما بينهم على من سينال حق السيطرة على عالمك. "
وتابع قائلاً "هذا التنافس المحموم بين مجموعات ملوك العوالم الخمس هو السبب في أن ذلك الملك لم يدمّر عالمك فوراً ، بل منحكم فرصة للقتال من أجل حريتكم. و لكن وكما قلتُ لك ، فإن ذلك الوعد ليس إلا محض سراب ؛ فالحقيقة أن مقاومتكم لن تفعل شيئاً سوى منح المجموعات الأربع الأخرى فرصة للقتال من أجل بسط نفوذها على عالمك. "
ثم أردف "لهذا السبب أنا هنا ، ولهذا حضر سائر الغزاة أيضاً. نحن جميعاً نقاتل من أجل السيطرة على هذا العالم ؛ نُقاتل بعضنا البعض ، ونُقاتلكم أنتم -حراس العوالم- لننال حق الوصاية على هذه الأرض. "
لم يعد حارس العالم يحتمل مزيداً من الأنباء السيئة ، فقاطعه صائحاً "كفّ عن هذا ، لقد سمعتُ من الهراء ما يكفي ، هاتِ ما عندك من حلول مباشرة. "
في هذه اللحظة ، بات الحارس يميل إلى تصديق معظم ما تفوه به الرائي ؛ أو على الأقل ، آمن بوجود خمسة ملوك عوالم يغزون موطنه ، فهذا يفسر وجود خمسة فصائل تتقاتل على أرضه.
ولكن إن كان ثمة خمسة ملوك عوالم ولم يروا منهم إلا واحداً ، فهذا يعني أن الأربعة الآخرين ما زالون يتربصون للمطالبة بالعالم حتى وإن وفى الملك الأول بوعده وتركه وشأنه.
هذه الاستنتاجات التي أدركها أغرقت حارس العالم في لُجج اليأس ؛ فكل ما كان يصبو إليه الآن هو سماع خبر يثلج صدره ، لا مزيد من النبوءات القاتمة. حيث كان يتوق لرؤية بصيص أمل في نهاية النفق ، لا أن يسمع بأن مقاومته ليست سوى بيدق في رقعة تنافسٍ تحدد من سيستولي على عالمه ؛ ولهذا السبب كان في حالة من الهياج والاضطراب.
استشعر الرائي اضطرابه ، فلوى شفتيه بابتسامة غامضة قائلاً "الحل يكمن في مساعدتي على الفوز بهذا السباق. و إذا فعلت ذلك ستقع تحت حماية فصيلي ، وأعدك بأن أرعاك وأهتم بشؤونك بكل ما أوتيتُ من قوة. "
لم يفصح الرائي عما يريده صراحة ، لكن حارس العالم فهم المبطن من قوله ؛ فضحك "الرجل الطائر " بمرارة وقال "في نهاية المطاف ، لا تزال تريد مني الاستسلام ؛ تريدني أن أغدو خائناً لعالمي. "
ثم أضاف "كنت أتوقع هذه الخاتمة ، لكنني كنت أُمني النفس بغيرها. لا أدري لمَ كان يحدوني كل هذا الأمل ؟ "
فجأة ، استقرت في عيني الرجل الطائر نظرة حازمة وهو يقول "لستَ ملك عالم ، لكنك لا تزال حارساً له ، وهذا شأنٌ ذو قيمة بالغة لأي عالم. إن قتلتُك ، فلا بد أن يشعر عالمك بمرارة فقدك. "
كان يهدد بقتل الرائي ، لكن كلماته لم تزد الرائي إلا ضحكاً ؛ ضحكة استهزاء مفعمة بالسخرية ، لا غضب فيها كما كان حال حارس العالم.
وبعد أن كفّ عن الضحك ، قال للحارس "صحيحٌ أن موتي سيمثل خسارة ، لكنها ليست بالخسارة الجسيمة التي تتخيلها ؛ وذلك لأننا نملك جيشاً من حراس العوالم في موطني. "
ثم سأله مستنكراً "كم حارس عالم تملكون في عالمكم الصغير هذا ؟ "
ودون أن ينتظر إجابة ، استطرد قائلاً "تسعة فقط ، أليس كذلك ؟ أما في عالمي ، فثمة أكثر من تسعمئة حارس عالم ؛ لذا فإن رحيلي لن يعني الكثير مقارنة بما ستخسره أنت. "
وتابع "أعلم أنك لا تصدقني ، ولا تتصور أن عالماً واحداً يمكنه احتواء هذا العدد الهائل من الحراس. و لكن اسأل نفسك هذا السؤال: لمَ نتقاتل بضراوة للاستيلاء على عالمكم ؟ وماذا سيحل بعالمي بعد أن نُحكم قبضتنا عليكم ؟ "
اتسعت عينا الرجل الطائر صدمةً عندما تناهت هذه الأسئلة إلى مسامعه ، وعندما أعمل فكره فيها لم يطرأ على ذهنه سوى إجابة واحدة.
لكنه لم يرد أن يصدقها ، فقال بنبرة مهتزة "لا تخبرني أنكم تزيدون من قوة عالمكم وتضاعفون عدد حراسه عبر التهام العوالم الأخرى ودمجها في عالمكم. "
فأجابه الرائي "بالطبع نفعل ذلك. عالمكم ليس الأول الذي نغزوه ولن يكون الأخير. و لقد غدونا محترفين في غزو العوالم وإخضاعها ، فكل عالم نقهره يزيدنا قوة ومَنعة. "
كان جلّ ما قاله هو الحقيقة ؛ فكلما غزا عالم "السماء المباركة " (المباركة السماء عالم) عوالم أخرى ، ازداد قوة وازدهاراً ، ولهذا السبب يستطيع كيان إلهي واحد أن يهزم ملك عالم في عقر داره.
لكن ثمة كذبة صارخة في حديثه ، وهي أنه لا أحد يسعى للسيطرة على هذا العالم لخلق المزيد من حراس العوالم ؛ ففي الواقع ، حظرت الكيانات الإلهية إنشاء المزيد من كائنات الرتبة الخامسة. وكل من يصبو ليكون كياناً إلهياً عليه أن يجد جزء "قلب عالم " بمفرده ، أما قلب هذا العالم الصغير ، فسيتم تفريغه والاستيلاء عليه من قبل كيان إلهي.
وبصرف النظر عن تلك الكذبة ، فبقية قوله كانت حقاً محضاً ؛ فإذا مات ، لن يفتقده أحد ، لا عالمه ولا "الطائفة " التي أرسلته إلى هنا.
وبما أن الرائي كان "ناطقاً بالحق " (الحقيقةسايير) ، فقد صدق الحارس كل ما قاله تقريباً ، مما زاده قنوطاً وانكساراً ؛ فإذا كان الغزاة يزدادون قوة مع كل غزو ، فلا سبيل أبداً لأن يتركوا عالمه وشأنه.
قال بصوت يقطر يأساً "يبدو أن الهلاك هو قدرنا المحتوم. "
قرر الرائي التخفيف عنه قائلاً "انظر إلى الجانب المشرق ، إذا استوعبكم عالمي ، فستُبعث مجدداً فيه لتكون إنساناً ، وعندها ستنال فرصة لتصبح ملك عالم. "
كاد حارس العالم أن يقول "أصبح إنساناً ؟ ولمَ قد أرغب في ذلك وأنا قادر على قتلك الآن ؟ "