الفصل التسعون: صديقة الطفولة السامة (الجزء التاسع عشر)
شي شين الشخصية الثانوية
على مر السنين ، تفاقمت الآثار الجانبية المترتبة على فقدان إحدى كليتيه ، وأصبحت أكثر حدة تحت وطأة الزمن وتآكله. حيث كان "شي شين " ينفق شهرياً ثلث دخله على الأدوية ، متقوقعاً في غرفة صغيرة ضيقة في إحدى القرى الحضرية العشوائية ، يحسب حساب كل قرش ينفقه بمرارة وألم.
وقع حادث السيارة الأول في ليلة ممطرة ، ومن سوء الحظ أن كاميرات المراقبة في تلك المنطقة كانت معطلة في ذلك الوقت ؛ فلم تتمكن عائلة "شي " حتى من العثور على الشخص المسؤول ، ناهيك عن إجباره على دفع التكاليف الطبية. و لقد تجرع "شي شين " مرارة هذه الخسارة وحده دون وجه حق.
بيع منزل العائلة ، ثم سُلبت أموال البيع عن طريق الاحتيال ، وبعد سداد المصاريف الطبية لـ "شي شين " لم يتبقَّ لهم شيء يذكر. حيث كان يمني النفس بالحصول على بعض المال من "يي رولان " لكن لسوء الحظ ، أفلست عائلة "يي " في ذلك الوقت.
في البداية ، وبتحريض من "شي شين " ألقت عائلة "شي " باللوم على "يي رولان " التي كانت عاجزة تماماً أمامهم. انتقل "شي شين " مع والديه للعيش في شقة مكونة من غرفتي نوم تملكها "يي رولان " وتمكنوا بالفعل من العيش براحة نسبية لفترة من الوقت. حيث كانت الشقة تضم غرفتين ؛ واحدة لوالدي "شي " والأخرى يتشاركها "شي شين " و "يي رولان ".
في بادئ الأمر كانت "يي رولان " ممتنعة ومستنكرة ، متسائلة عن سبب حدوث ذلك... فملاحقة هؤلاء "العالة " الطفيليين لها كانت تكفى لإثارة حنقها ، ناهيك عن إجبارها على مشاركة الغرفة مع "شي شين " وهو أمر اعتبرته ضرباً من العبث. لم تكن "يي رولان " مستعدة للموافقة ، لكن "شي شين " الذي فقد كل مشاعر المودة تجاهها لم يعر رأيها اهتماماً ، بل سحبها إلى غرفة النوم ليلقنها درساً قاسياً بضرب مبرح.
كان والدا "شي " يجلسان في الخارج ، يستمعان ببرود وهدوء إلى صرخات الألم المنبعثة من الغرفة. ارتسمت على وجه والدة "شي " ابتسامة تشفٍ ملتوية ؛ كانت تحدث نفسها "اضربها ، اضربها بقوة أكبر ، فهذا أفضل لها ". وحين ظهرت "يي رولان " في غرفة المعيشة ووجهها متورم ، وهي تلتصق بالجدران ذعراً لم تجرؤ على نبس ببنت شفة مرة أخرى.
ومتى بدأ الرجل بالضرب ، فإن المرة الأولى تستسقي الثانية ؛ فصار "شي شين " لاحقاً كلما شعر بالإحباط ، انقض على "يي رولان " وأوسعها ضرباً. و لقد ألقى بمسؤولية مصائب عائلته على كاهلها ، معتقداً أن أي قدر من الضرب لن يكون كافياً ليشفي غليله منها.
لم تكن "يي رولان " ممن يستسلمون بسهولة ، لكنها كانت وحيدة أمام كثرة ، تواجه عدة علق طفيلية من عائلة "شي " تتشبث بها وتمتص دماءها. حيث كانت تشعر بإحباط شديد وعجز تام عن التخلص منهم. ومع ذلك حاولت سراً الاتصال بعائلة "يي " آملة أن يمد لها أقاربها يد العون.
لكن عائلة "يي " كانت غارقة في مشاكلها الخاصة ؛ فقد فر والداها إلى الخارج بما تبقى لهما من أصول ، بينما تورط الابن الأكبر للعائلة في أعمال قذرة وهو الآن خلف القضبان ، ومن غير المتوقع خروجه قبل عشر أو عشرين سنة. و لقد نبذت عائلة "يي " ابنتهم "رولان " تماماً.
بعد سماع هذه الأنباء ، غرقت "يي رولان " في صمت طويل ، متحملة يومياً سخرية عائلة "شي " اللاذعة وتوبيخهم بصمت. و لكنها حافظت على ما تبقى من مدخراتها الخاصة بحرص شديد ، ولم تسمح لعائلة "شي " بانتزاع قرش واحد منها ، لا بالإغراء ولا بالتهديد.
في الأصل ، وتحت وطأة هذا العذاب المتبادل كان من الممكن أن يسير طريق عائلة "شي " و "يي رولان " في اتجاهات متباعدة تدريجياً ، غير أن "الجزاء من جنس العمل " يدرك المرء بعد تماديه في الآثام.
في غضون أربعة أشهر فقط ، بدأ جسد "يي رولان " يرفض الكلية التي لم تكن ملكاً لها. تطور المرض بسرعة ، واليوم ، وفي ظل غياب الدعم المالي من عائلتها أو توفر كلية ثانية للزراعة ، أصبحت "يي رولان " كأنها ورقة شجر ذابلة ، تراقب نفسها وهي تقترب من نهايتها المحتومة.
"أه تشي ، أرجوك ، ساعدني مرة أخرى... " قالت "يي رولان " وهي تمسك بتشخيص الطبيب ، وقد تلطخ وجهها بالدموع من شدة البكاء. ففي مواجهة شبح الموت كانت مرتعبة حقاً.
تشبثت بطرف ثوب "شي شين " وهي تتوسل "طالما أنك موافق ، فمنزلي ، ومالي ، وكل ما أملك ، سيكون ملكك ".
وقبل أن تكمل حديثها ، اقتحمت والدة "شي " الغرفة وصفعت "يي رولان " بقوة أطاحت بها أرضاً. حيث صرخت فيها "أيتها المرأة الخبيثة ، ماذا الآن ؟ هل تريدين سلب حياة ابني أيضاً ؟ ".
كانت والدة "شي " قلقة للغاية ؛ فابنها لديه سجل مرضي ، وكانت تخشى أن يعود "شي شين " إلى تخبطه السابق ، ويُسحر بها مجدداً فيمنح "يي رولان " كليته الأخرى.
أمام بصيص الأمل في الحياة لم تكن "يي رولان " مستعدة للاستسلام. زحفت على الأرض وهي تجثو على ركبتيها ، واستمرت في التوسل "أه تشي ، كرمى لما كان بيننا في الماضي ، أنقذني ، هل يهون عليك حقاً أن تراني أموت ؟ ".
وبينما كانت "يي رولان " تتحدث كانت كل كلمة تنطق بها تقطر بؤساً ، وكل جملة كأنها صرخة ندم دامية.
"لن تحتمل ذلك أليس كذلك ؟ أنا أعلم أنك تحبني ".
"أعدك ، من الآن فصاعداً سأعامل والديك كأنهما والداي... وأيضاً و كل ما أملك سيكون لهما... هل توافق ؟ ".
أمسكت والدة "شي " بـ "يي رولان " بعنف ، وجرتها كأنها جثة كلب هامدة ، وألقت بها خارجاً وهي تصرخ "اخرسي ، واقطعي كل آمالك ".
نظر "شي شين " إلى الشخصية التي أحبها يوماً بعمق ، وظهر في عينيه بريق من الرضا والتشفي ، وقال بقسوة "هذا ما جنته يداكِ ، وهذا جزاؤكِ العادل ".
"استسلمي لقدركِ فحسب. لم يتبقَّ لي سوى كلية واحدة. أنتِ تريدين العيش ، ألا أريد أنا العيش أيضاً ؟ ".
بسماع كلمات ابنهم ، شعر والدا "شي " أخيراً بالراحة. لم يعودوا يلتفتون لـ "يي رولان " بل استمروا في قذفها بأبشع اللعنات. و لقد أفقد التفاوت المرير في ظروف حياتهم عقولهم صوابها ، وأصبح الاعتداء اللفظي على "يي رولان " هو متنفسهم اليومي لتفريغ شحنات غضبهم وإحباطهم.
ومع تدهور حالتها الصحية يوماً بعد يوم بشكل ملحوظ تملك الحقد من قلب "يي رولان " تجاه قسوة "شي شين " وانعدام رحمته. وبعد أن فقدت كل أمل في الحياة لم تعد ترى داعياً لبقاء هؤلاء الذين عذبوها على قيد الحياة ليكملوا عيشهم البائس.
وفي منتصف إحدى الليالي ، بينما كان أفراد عائلة "شي " يغطون في نوم عميق ، أشعلت "يي رولان " موقد الغاز في المنزل.
وبدوي "انفجار " هائل ، التهمت نيران مستعرة كل ما في الغرفة.
أما "شي شين " فقد استيقظ بمحض الصدفة ليشرب الماء ، فنجا بأعجوبة ، لكن الحادث تركه حياً بحروق شديدة في منطقة الخصر. أما والداه و "يي رولان " فقد لقوا حتفهم في ذلك الحريق.
كان الموت بالنسبة لهم خلاصاً ، لكن "شي شين " كان عليه أن يجر جسده المحطم ، ليعيش حياة متبلدة بالكاد يقتات فيها ، مفتقراً حتى إلى الشجاعة لإنهاء حياته بيده.
أحياناً في هزيع الليل كان "شي شين " يسترجع ذكريات النصف الأول من حياته ، أيام المجد والخيلاء. كيف كان شعوره عندما كان حياً بحق ؟ شعر "شي شين " أن تلك اللحظات بدأت تصبح ضبابية ، وكأنها لم تكن إلا أحلاماً ، تزداد زيفاً يوماً بعد يوم.
لو أنه فقط في البداية...
لو أنه لم يلتقِ بـ "يي رولان " قط.
أو لو أنه استمع لصوت ضميره ولم يضمر السوء تجاه "سو لي ".
ربما كان وضعه الآن مختلفاً تماماً.
أمسك "شي شين " بموضع كليته المفقودة ، واستلقى ببطء على السرير الخشبي الرطب في شقته المستأجرة المتهالكة ، منتظراً انبثاق حلم جميل آخر.
في أحلامه كان يتخيل حياة مغايرة تماماً لواقعه الحالي ؛ كان جسده صحيحاً معافى ، وكانت "يي رولان " حية وبخير ، أما "سو لي " في أحلامه ، فكانت مختلفة تماماً عن "سو لي " الحالية.
يبدو أن كل التحولات بدأت عندما لم تعد "سو لي " تكنُّ له أي مشاعر مودة...