الفصل الثالث والتسعون: بنادق وأوغاد - 1
وما أثار حنقها أكثر هو أنها حتى وهي تشتمه لم تستطع التوقف عن التفكير في الطريقة التي قبلها بها. لذا فركت شفتيها بقوة مبالغ فيها ، مما صبغهما بلون أحمر قانٍ في هذه العملية.
وبحلول الوقت الذي خرجت فيه ، وجففت نفسها ، وارتدت ملابس نظيفة ، شعرت أن عقلها بات أقل فوضوية. فلم يكن هادئاً تماماً ، لكنه لم يعد على وشك الانفجار والإقدام على قتل "كاسيان ".
وإذ شعرت بالجوع ، توجهت "سيشي " إلى المطبخ ، وأعدت لنفسها شطيرة جبن بسيطة ، ثم حملت الطبق إلى الأريكة الصغيرة حيث جلست. لم تكد تأخذ قضمة واحدة حتى سمعت ضجيجاً عالياً.
توقفت عن المضغ في منتصفه ، وانتصبت أذناها وهي تلتقط الضجيج القادم من مكان قريب. تفاجأها صوت عالٍ آخر ، فقفزت من مقعدها ذعراً.
في البداية ، ظنت أنه قد يكون أمراً بسيطاً ، ربما طاولة سُحبت بقوة فوق الأرضية أو سقوط صندوق من أحدهم. ولكن بعد ذلك تلا ذلك صوت آخر.
كان صوت ارتطام أثاث وتحطمه.
لقد شُيد المبنى باستخدام مواد رديئة الجودة وجدران رقيقة ، مما يعني أن كل صوت عالٍ كان ينتقل بسهولة مفرطة.
فحتى حين يتشاجر الجيران كان الجميع يسمعهم. وعندما يبكي طفل كان صوته ينساب عبر الجدران. وإذا أغلق أحدهم خزانة بعنف كانت الاهتزازات تنتقل إلى الشقة المجاورة.
وما كانت تسمعه الآن بدا أعلى بكثير من مجرد حماقة عادية.
أنزلت "سيشي " الشطيرة ببطء إلى الطبق ووضعته على طاولة القهوة الصغيرة ، وبينما كانت تفعل ذلك دوى صوت تحطم آخر من الطابق السفلي ، أعقبته صرخة.
ودون إضاعة ثانية واحدة ، انزلقت من أريكتها وجثت على ركبتيها فوق الأرض ، وضغطت بإحدى أذنيها عليها لتسمع بوضوح أكبر.
في البداية ، ساد صمت مطبق ، ثم أعقبه صوت عيارين ناريين.
انتفضت "سيشي " واقفة وكأن الأرض قد أحرقتها.
"ما الذي يحدث بحق الجحيم ؟ "
هبت "سيشي " واقفة على الفور وحشرت قدميها في خفها قبل أن تهرع خارج الشقة.
لقد شهدت الكثير من حالات الوفاة في هيئتها الشبحية وهي عاجزة ، وأُجبرت على المشاهدة بينما تُمزق حياة الناس أمام عينيها مباشرة. لم تكن قادرة على إنقاذ أي منهم ، ولا حتى واحداً.
أما هذه المرة ، فإذا كان هناك من يحتاج إلى مساعدتها ، أو من ما زال في خطر ، فلن تشيح بنظرها بعيداً. حيث كانت هذه فرصتها للتخفيف من شعورها بالذنب ، ولو قليلاً.
اندفعت نحو مخرج الطوارئ ودفعت باب الدرج الثقيل ، شاعرة بالهواء البارد يلفحها. سرعت خطواتها بينما كان نبضها يطرق ضلوعها بقوة كقبضة يد.
عندما وصلت إلى الطابق السفلي ، ركضت عبر الرواق حتى توقفت أمام الشقة التي تقع أسفل شقتها مباشرة.
كان الباب موارباً قليلاً.
ترددت "سيشي " في البداية ، غير مدركة لما ينتظرها ، لكنها استجمعت شجاعتها وبأصابع حذرة ، دفعت الباب لتفتحه.
أطلت برأسها إلى الداخل ورأت أن المطبخ وغرفة المعيشة كانا في حالة دمار شامل.
نادت "سيشي " وهي تخطو عبر العتبة "أهناك أحد هنا ؟ هل من أحد بالداخل ؟ "
لم يكن الرد الذي تلقته سوى الصمت.
دخلت على أي حال ونادت مجدداً بصوت أعلى قليلاً هذه المرة "مرحباً ؟ " ولم يأتِ أي جواب.
ثم وقع بصرها على الجدار ، فتجمدت في مكانها للحظة.
كانت رشات السائل الأحمر قد صبغت الجدار وكأن شخصاً ما قد قذف بفرشاة رسم مغموسة باللون الأحمر مباشرة نحو الطلاء.
خلا ذهنها من الأفكار لنبضة قلب واحدة. و لقد وقع خطب فظيع في هذه الغرفة ، تاركاً آثار عواقبه في كل مكان.
وإذ استجمعت شجاعتها ، قررت استكشاف المكان بحثاً عن شخص جريح أو جثة.
لم تكن الشجاعة التي أظهرتها الآن سوى نتاج ثانوي لخلودها ؛ ففي هذه اللحظة كانت تستغل لعنتها ، آملة أن تساعد شخصاً محتاجاً.
تفحصت الأرضية المحطمة ، والأثاث المقلوب ، وباب غرفة النوم. وكما كان حال الباب الأمامي كان موارباً بالكاد ، لا يكشف عما بداخله ، بل يترك شقاً مظلماً بين الإطار والخشب.
بللت شفتيها بلسانها وخطت خطوة حذرة للأمام ، ثم أخرى ، وبالكاد أصدرت صوتاً. و شعرت بالتناقض لأنها دخلت وهي تعلن عن وجودها.
وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى باب غرفة النوم ، بدأت يدها ترتجف بشدة لدرجة أنها اضطرت إلى قبضها بقوة قبل رفعها.
نادت للمرة الأخيرة ، رغم أن صوتها الآن قد وهن وأصبح ضعيفاً "مرحباً ؟ أنا هنا للمساعدة... "
ولم يأتِ أي رد من الداخل.
سحبت "سيشي " نفساً واحداً ووضعت يدها على الباب لتدفعه.
وفي اللحظة ذاتها ، انغلق الباب بعنف.
شهقت "سيشي " وتعثرت إلى الوراء تحت تأثير الصدمة ، ولكن قبل أن يتمكن عقلها من استيعاب ماذا يجري ، دوت طلقة نارية اخترقت أرجاء الشقة.
اخترقت الرصاصة الباب ومرت بجانب وجهها من مسافة قريبة جداً ، لدرجة أن حرارتها لفحت جلدها كأنها نصل من نار.
ترنحت "سيشي " جانباً ، فارتطمت بالجدار واهتز كتفها بعنف. لثانية واحدة ، شعرت وكأن الغرفة بأكملها تميل ، ولم يكن بإمكانها سماع شيء سوى قرع دمائها وهي تتسابق في عروقها.
التفتت بسرعة نحو البقعة التي استقرت فيها الرصاصة لتوها على الجدار.
طارت إحدى يديها على الفور إلى وجهها ، ثم إلى عنقها ، ثم نزلت مرة أخرى وكأنها بحاجة إلى أن تثبت لنفسها أنها لم تُصب بسوء. وبينما حاولت تحريك يدها اليمنى ، اخترق ألم حاد كتفها.
شهقت لا إرادياً "آه! " ثم عضت شفتها بسرعة وهي تتذكر أن هناك شخصاً بالداخل يحمل سلاحاً.
وإذ أدركت سوء موقفها ، بحثت بلهفة عن هاتفها للاتصال بالشرطة ، لكن الرعب غمرها حين أدركت أنها تركته في غرفة نومها. و ذهبت جهودها في مساعدة الآخرين أدراج الرياح.
وبعد لحظة كاد قلب "سيشي " يتوقف عندما سمعت صرير الباب وهو ينفتح. حبست أنفاسها وابتلعت ريقها بصعوبة ، وسرت قشعريرة في عمودها الفقري حين سمعت وقع خطوات لشخص يعرج.