في صباح اليوم التالي ، استيقظت "سيشي " مبكرة.
جلست خلف مكتبها الصغير ، ووضعت أمامها دفتر ملاحظات ، وشرعت في تدوين شيء ما. كتبت سطراً ، ثم قطبت جبينها وهي ترمقه بنظرة ممتعضة ، فشطبته وبدأت من جديد.
تكرر الأمر مرة ثانية ، ثم ثالثة ، وظلت تعيد الكتابة مراراً وتكراراً حتى شعرت أخيراً بالرضا عما خطته يداها.
عندئذٍ فقط ، وضعت القلم جانباً وقرأت الكلمات المدونة على الورقة بعناية فائقة ، وكانت عيناها تنتقلان بين الأسطر وكأنها تبحث عن أي مثالب خفية أو ثغرات مستترة.
وبعد لحظة نزعت الورقة من الدفتر بدقة ، وطوتها ، ثم دستها في حقيبتها الكبيرة.
بعد ذلك تأهبت للذهاب إلى عملها.
وقبل مغادرتها ، حرصت على أخذ حقيبة "ليلي " معها ، ثم توجهت بعد ذلك إلى مقهى "أرض الدفء " (دافئ أرض كافي).
مضى اليوم كعادته ؛ لم تقترف "سيشي " أي خطأ ، مما جعل عيني "أماندا " الثاقبتين لا تستقران عليها طويلاً ، وكان من شأن ذلك وحده أن يجعل مناوبتها أكثر سلاسة ، ومع ذلك رفضت أعصابها أن تهدأ.
كانت الورقة المطوية داخل حقيبتها تستحوذ على تفكيرها طوال اليوم ، وكأنها لم تكن مجرد قطعة من الورق ، بل قنبلة موقوتة يوشك فتيلها على الانفجار.
وعندما انتهت مناوبتها كانت الساعة قد بلغت السادسة مساءً.
بدلت ملابسها وتناولت حقيبتها الكبيرة ، واشتد قبض أصابعها على حزام الحقيبة بينما تسلل التوتر إلى أعماقها من جديد.
وما إن خطت قدماها خارج مقهى "أرض الدفء " حتى رأت سيارة سوداء في انتظارها.
كان "مارك " واقفاً بجانبها ، ممسكاً بالباب الخلفي وهو يفتحه لها.
ترددت "سيشي " لثانية واحدة فقط ، ثم سارت نحو السيارة واستقلتها ، فأغلق "مارك " الباب خلفها ثم انتقل إلى مقعد الراكب الأمامي.
طوال الطريق لم تستطع "سيشي " الاسترخاء أبداً.
كانت أفكارها تدور في حلقة مفرغة حول التساؤلات ذاتها: كيف يجب أن تتصرف ؟ ماذا عساها أن تقول تحديداً ؟ وكيف سيكون رد فعل "كاسيان " ؟
شعرت بأن يديها أشد برودة من الهواء داخل السيارة ، وكان لزاماً عليها كل بضع دقائق أن تضمهما معاً لتخفي ارتعاشهما.
وعندما توقفت السيارة أخيراً كانوا في موقف سيارات تحت الأرض.
ترجل "مارك " أولاً وفتح لها الباب مرة أخرى.
خرجت "سيشي " من السيارة ، ورمقته بنظرة خاطفة فوراً ، ولاحظت أن تعابير وجهه لا تزال مبهمة ، وقسماته جامدة كما عهدتها دائماً. حاولت أن تتفرس في وجهه ، باحثة عن أي أثر لذلك الرجل الذي شاركها الطعام ذات يوم ، لكنه لم يمنحها أي استجابة.
أثار ذلك اضطرابها أكثر مما كانت تود الاعتراف به.
لماذا لا ينبس ببنت شفة ؟ ولماذا يتصرف وكأن تلك اللحظة البسيطة التي تقاسما فيها الطعام لم تحدث قط ؟
بحلول الوقت الذي استقلا فيه المصعد معاً لم تعد "سيشي " واثقة مما هي بصدد القيام به.
كانت رحلة الصعود صامتة صمتاً لا يطاق.
وعندما انفتح الباب أخيراً ، قادها "مارك " عبر الرواق إلى الطابق الذي كان "كاسيان " ينتظر فيه.
بدأ قلب "سيشي " يخفق بشدة حتى كأن له قرع الطبول داخل صدرها. ابتلعت ريقها ، لكن حلقها ظل جافاً كالهشيم.
فتح لها "مارك " الباب.
خطت إلى الداخل بساقين مرتجفتين ، متشبثة بحقيبتها بقوة وكأن ذلك التشبث وحده هو ما يمنعها من الانهيار والسقوط على الأرض كالحمقاء.
في البداية ، بدت الغرفة خالية تماماً.
جالت بنظراتها في الأرجاء بارتباك حتى لمحت باباً آخر في الداخل ؛ فتقدمت نحوه ودفعته ثم دلفت من خلاله.
وهناك وجدته.
كان "كاسيان " يجلس وحيداً على أريكة منفردة ، بملابس مهندمة وقوام منتصب ، وحضور يملأ الغرفة بهيبة طاغية. حيث كان ينظر إليها بالفعل.
اعترف "كاسيان " قائلاً ، وعيناه تستقران عليها بثبات يبعث على القلق "لقد باغتني اتصالكِ ، ظننت أنني قد لا أسمع منكِ ثانية ، ولا حتى كلمة شكر بعد أن أرسلت لكِ شيئاً حلواً ".
اندفعت الكلمات من بين شفتي "سيشي " على الفور "شكراً لك ".
خرجت الكلمات سريعة للغاية حتى هي نفسها استشعرت نبرة التوتر الكامنة فيها. حيث كانت تبذل قصارى جهدها لتماسك أعصابها ، ومع ذلك كان "كاسيان " يرى ذلك بوضوح ؛ فتصلب كتفيها ، وطريقة تشبث أصابعها بحزام حقيبتها ، وحركة بلع ريقها المضطربة التي لم تستطع إخفاءها—كل ذلك لم يغب عن ناظريه.
"اجلسي ".
أشار بيده نحو الأريكة المنفردة حيث يمكنه مراقبتها جيداً.
جلست "سيشي " على الفور وبسرعة مبالغ فيها ، وابتلعت ريقها ثانية ، وما زال جفاف حلقها يؤرقها رغم محاولاتها.
"أنتِ هادئة اليوم ".
اومأت وكأنها تنفي قوله ، بيد أن لسانها لم يسعفها بأي كلمات.
ضيق "كاسيان " عينيه وهو يرمقها للحظة قصيرة قبل أن تلين حدة تعابيره.
"ماء ؟ "
أومأت "سيشي " برأسها مجدداً.
دون كلمة أخرى ، نهض "كاسيان " من مقعده ، واتجه نحو ثلاجة صغيرة ، وأخرج زجاجة ماء. ثم وبدلاً من أن يسلمها إياها يداً بيد ، قذفها بخفة نحوها.
التقطتها "سيشي " برد فعل مباغت.
ارتسمت على وجهه علامة خفيفة من التسلية وقال "التقاطة جيدة ".
سارعت بفتح الغطاء وشربت كمية أكبر مما كانت تنوي ، وكأن الماء قد يهدئ خفقان قلبها المتسارع. وما إن ابتلعت ما يكفي لاستعادة توازنها حتى وضعت الزجاجة على الطاولة.
ثم وبحركات حذرة ، فتحت حقيبتها وأخرجت الورقة المطوية التي حملتها طوال اليوم ، ومدتها إليه.
تناولها "كاسيان " من يدها ، وبسطها ، وقرأ السطر الأول منها.
ارتفع حاجباه دهشة.
"عقد القبلات ".
انتقلت عيناه إليها على الفور وسأل "ما هذا ؟ "
افترقت شفتا "سيشي " ورغم ذلك لم يخرج أي صوت لثانية من الزمن ، وكأن صوتها قد توارى في غياهب نفسها.
مدت يدها نحو الماء ثانية ، واحتست رشفة صغيرة أخرى ، ثم استجمعت شتات نفسها وقالت أخيراً "إنه عقد ".
أعاد "كاسيان " نظره إلى الورقة قبل أن يتساءل "لأجل ماذا ؟ "
"أرجو أن تقرأه أولاً ". وضعت "سيشي " الزجاجة مرة أخرى وضمّت يديها المبللتين معاً ، وهي تجبر نفسها على ألا ترتجف. "ثم سأشرح لك ".
لم يتحدث "كاسيان " على الفور.
اكتفى بالنظر إليها للحظة طويلة غامضة ، وكأنه يحاول أن يتبين ما إذا كانت قد فقدت صوابها أم أن هذا مجرد جانب آخر من جوانب شخصيتها لم يكتشفه بعد.
ثم في نهاية المطاف ، عاد ببصره إلى الصفحة.
وجلست "سيشي " ساكنة تماماً ، ترغم نفسها على الصمود.
لقد قطعت شوطاً طويلاً ولا يمكنها أن تفقد شجاعتها الآن.
ثم قرأ!
قال "كاسيان " بنبرة متهكمة متمهلة "تريدين الوقوف في الغرفة ذاتها بينما أضاجع امرأة أخرى ؟ "
رغم أن العقد الذي وضعته "سيشي " أمامه كان شنيعاً ومثيراً للدهشة إلا أن "كاسيان " لم يظهر شيئاً من مباغتته ، وظل متماسكاً ؛ فقط ضاقت عيناه قليلاً وهو يتفرس فيها بمزيد من التركيز.
أجابت "سيشي " بسرعة وهي تعتدل في مقعدها برقة ، مشيرة إلى الوثيقة بثبات مصطنع "نعم ، هذا مكتوب بوضوح ، يمكنك الاستمرار في القراءة ".
كان يراقب إصبعها ذلك.
يراقب الجهد الذي تبذله كي لا تسحبه للخلف.
لو كان يمتلك حواساً خارقة ، لربما استشعر الارتجاف في ثباتها والسباق العنيف في نبضات قلبها. و لكن شكراً لإله أنه ما زال بشراً ، كما فكرت "سيشي " حتى بعد نهوضه الإعجازي من فراش الموت إثر إصابته بسبع رصاصات.
واصل القراءة ، ونبرة صوته تنم الآن عن تسلية واضحة "ولا يُسمح لي إلا بتقبيلكِ أنتِ " ثم تابع القراءة "حتى لو كنت غارقاً في جسد امرأة أخرى ". رفع عينيه ، ليستقرا عليها تماماً الآن "كلما رغبتُ في التقبيل ، يجب أن تكوني أنتِ المقصودة ".