الفصل السادس والستون: ماضٍ متزمت يهرع نحو المستقبل
أكان كاسيان كراون يفتقر حقاً لأبسط مفاهيم الكلمات البسيطة ، أم أنه يجد أي حديث يغدو أكثر إثارة حينما يستدرجه نحو غواية الفراش ؟
لو كان يعتقد حقاً أن نيل مبتغاه وإسقاطها في شباك سريره سيكون بتلك السهولة ، فلعله من الأجدر به أن يطمع في نيل المستحيل أو يرجو رؤية "العنقاء " الأسطورية.
بدأت "سيسي " حديثها بنبرة طغت عليها الجدية الصارمة قائلة "دعني أذكرك بشيء ما يا عزيزي ". أحكمت قبضتها على حقيبتها ، وتحركت قليلاً فوق المقعد الجلدي ، متعمدةً وضع مسافة أكبر بينهما ، ثم تابعت "أنا من يحتفظ بذكرى علاقتنا السابقة كاملة ، في حين أنك لا تملك ذرة ذاكرة عني على الإطلاق. لذا وحتى تعود ذكرياتك عني فعلياً ، فلن يحدث بيننا أي شيء ". سددت نظرات عينيها الرماداياتان الفاتحتين نحو حدقتيه السوداوين كليلٍ دامس وأردفت "أريد أن أرى ذلك البريق في عينيك كلما رأيتني أنظر إليك! أريد أن أشعر بذلك الإعجاب الذي ضلَّ طريقه إليك بطريقة ما. ما أراه الآن هو مجرد كلمات جوفاء ، تجعلني أشعر وكأنني أجلس بجانب مفترسٍ لا تحركه سوى الشهوة ".
كانت كلمات "سيسي " قاسية بلا أدنى شك ، لكن لم يكن أمامها خيار آخر ؛ فإذا أرادت إجباره على التخلي عن فكرة النوم معها المروعة كان عليها أن تجعله يطرحها جانباً وبشكل حاسم.
ولدهشتها لم يصدر عن كاسيان أي رد فعل غاضب كما توقعت ، ولم يلقِ بها خارج السيارة في منتصف الطريق. بل اكتفى بابتسامة ساخرة ، بينما جالت نظراته ببطء فوق وضعيتها الدفاعية وكأن الأمر برمته يثير تسليته.
أمر كاسيان ببرود "أعطِ السائق عنوانكِ بالضبط ".
وبعد إصدار أمره ، غرق في صمت مطبق.
بدا الهدوء المفاجئ داخل السيارة المتحركة وكأنه حصار في مكان ضيق ومغلق حيث يتلاشى الأكسجين تدريجياً. جاهدت "سيسي " لتتنفس بشكل طبيعي ، رغم أن كاسيان كان قد خفض نافذته المظللة واستمر في التدخين. اتكأ بثقله على إطار الباب ، يشعل السيجارة تلو الأخرى دون أن يمنحها نظرة واحدة ، بينما كانت "سيسي " تراقبه بوجل من طرف عينها ، متأملةً ملامحه الجانبية الجامدة.
من كان يظن أن "الشيطان " يمكن أن يكون بهذا القدر من الصغار والضيق حين تُصاب كبرياؤه في مقتل ؟
عندما توقفت المركبة الفارهة أخيراً أمام مجمع شقق "سيسي " ترجل السائق على الفور وفتح لها الباب.
ولمفاجأتها ، أمسك كاسيان بإطار السيارة وترجل هو الآخر ، وهو يسحب نفساً عميقاً وثقيلاً من سيجارته.
رمقته "سيسي " بنظرة حائرة وقالت "ليلة سعيدة " وهي تتأهب للمضي قدماً بأسرع ما يمكن.
قال كاسيان بنبرة غير مبالية ، وهو يتحرك إلى جانبها وكأن الأمر قد حُسم بالفعل "لنذهب ".
تجمدت "سيسي " في مكانها بذعر مباغت وتساءلت بصوت خرج منها أعلى مما أرادت "إلى أين ؟ ".
أجاب كاسيان بفتور وهو يعدل سترة بدلتة الثقيلة بكسل "إلى شقتكِ ".
"أعتقد أنك تخطئ فهم مقصدي تماماً ، لن يكون هنالك أي— "
قاطعها كاسيان بحدة قبل أن تكمل "توقفي عن الكلام وسيري ".
ودون انتظار إذن منها ، خطا بخطوات واسعة نحو المدخل الزجاجي لمبناها ، وكأن له الحق المطلق في دخوله.
غرزت "سيسي " كعبيها في الرصيف بضيق ، وهي تهمس بسلسلة من اللعنات الملونة تحت أنفاسها ، قبل أن تسرع خلفه لتواكب خطواته الطويلة والمسترخية.
"انظر عليك أن تفهم أن— "
توقف كاسيان فجأة في منتصف الرصيف لدرجة أن "سيسي " كادت تصطدم بظهره مباشرة.
"لقد كذبتِ علي ".
تلك الكلمات الثلاث الهادئة سرقت الأنفاس من رئتيها. ترنحت قدماها بشدة لدرجة أنها كادت تفقد توازنها فوق الخرسانة.
تعلثمت "سيسي " بينما غمرت الحرارة أذنيها "مـ-ماذا ؟ ". بدا وكأن العالم أجمع قد توقف عن الدوران فى الجوار.
استدار كاسيان بكامل جسده ليواجهها تحت أضواء الشوارع المتذبذبة ، وقال ببرود "أعلم يقيناً أنكِ لستِ خطيبتي. و في المرة القادمة التي تدعين فيها أنكِ سيدتي رجل ما ، تأكدي تماماً من أن جسدكِ لا ينفر بضيق لمجرد حديثه عن الحميمية. ليس هذا ماذا يجري عليه العالم الطبيعي إلا إذا كنتِ قد سافرتِ عبر الزمن من عصر "تطهيري " متزمت مباشرة إلى المستقبل ".
تركت كلمات كاسيان "سيسي " مشلولة ، تشخص ببصرها في وجهه المنحوت بذهول. تسارع عقلها لبناء إنكار ، لكنه كان بلا جدوى ؛ فنبرته لم تكن تحمل أدنى تردد ، بل بدا واثقاً تمام الثقة. لم تبقَ في عينيه ذرة شك واحدة يمكنها استغلالها.
همست "سيسي " "أنا... أنا آسفة ".
أطرقت ببصرها نحو حذائها بهزيمة ، ثم استأنفت السير وهي تجر خطاها نحو مدخل مبنى شقتها.
استقلا المصعد الصامت ، وضغطت "سيسي " على زر الطابق السابع. انزلقت الأبواب المعدنية الثقيلة لتغلق عليهما في صمت قمعي. لم يتحدث أي منهما مرة أخرى حتى وقفا مباشرة أمام باب شقتها.
تمتمت بصوت انكسر قليلاً من الخجل "هنا منزلي ".
أجبرت نفسها على استجماع ما تبقى لها من شجاعة ، ورفعت عينيها لتنظر مجدداً في وجهه الذي لا يمكن قراءة تعابيره "متى أدركتَ أنني كنت أكذب ؟ ".
أجاب كاسيان باقتضاب "كانت لدي شكوكي منذ البداية ".
سألت "سيسي " وعيناها تتسعان رعباً "ورغم تلك الشكوك قد قمت بقتل أولئك الناس ؟ ".
أجاب كاسيان بمنطق آلي تقشعر له الأبدان "كانت هناك احتمالية بنسبة صفر فاصلة صفر واحد بالمئة بأنكِ قد تكونين خطيبتي فعلاً ، لمجرد أنكِ كنتِ تملكين العملة الفضية. وكانت تلك النسبة يكفى بالنسبة لي لأتحرك ".
حملقت فيه "سيسي " بعدم تصديق مطلق "هذا لا يبدو منطقياً بالنسبة لي على الإطلاق ".
قال كاسيان آمراً بنبرة أوضحت أنه لا ينوي شرح أي شيء آخر "ادخلي ".
وإدراكاً منها أنه انتهى من الحديث معها لتلك الليلة ، أدخلت "سيسي " بسرعة رمز المرور الرقمي في القفل الإلكتروني.
وقبل أن تخطو إلى الداخل ، ألقت نظرة أخيرة متوترة فوق كتفها نحو "الشيطان ".
ثم دفعت الباب الثقيل واختفت داخل الشقة على الفور.
بقي كاسيان واقفاً خارج بابها المغلق لخمس دقائق بالضبط في الردهة الصامتة.
خلال ذلك الوقت ، جالت نظراته ببطء عبر هيكل الطابق ، متفحصاً التصميم بدقة باردة ، وكأنه كان يقيس ما هو أكثر من الجدران والمسافات.
أخيراً ، دس يده في جيب بنطاله الداكن ، وأخرج هاتفه ، واتصل برقم مؤمن.
أجاب صوت خشن على الفور "رئيس ".
قال كاسيان "سأرسل لك عنواناً سكنياً. و اكتشف بدقة من يملك المبنى بأكمله ".
ودون انتظار رد ، قطع الاتصال ، وكتب العنوان ، ثم ضغط على زر الإرسال.