الفصل 183: كيف انتهى بنا المطاف في غرفة النوم ؟
"همم " أجابت ولم تضف شيئاً.
رفعت ذقنها لتلتقي عيناه. حيث كان في عينيه ظلامٌ يتسع ببساطة ، يستدرج المرء إلى أعماقه طبقةً تلو الأخرى حتى ينسى أنه كان يوماً ما يقف على أرضٍ صلبة. و شعرت "سيشي " وكأنها تغرق فيهما.
لم يكن غرقاً عنيفاً ، حيث تحترق الرئتان وتتخبط الذراعان ويقاوم الجسد الماء بكل ما أوتي من قوة. بل كان غرقاً هادئاً ؛ ذلك النوع الذي يكون فيه الماء دافئاً ، والتيار بطيئاً ، وتكف فيه عن المقاومة لأن جزءاً منك قد قرر أنك تفضل الذهاب إلى حيث يأخذك هذا التيار ، بدلاً من السباحة عائداً إلى الشاطئ.
لكن تحت ذلك كله ، تحت الدفء ، والانجذاب ، وقرب وجهه الذي لا يطاق من وجهها ، تحرك شيء آخر في أعماقها.
الخوف!
لم يكن خوفاً من "كاسيان " الإنسان ، ولا خوفاً مما قد يفعله ، أو مما فعله سابقاً ، أو ما رأته يفعله بالآخرين دون أن يرف له جفن.
بل كان الخوف من حبه.
لم يأتِ هذا الإدراك مصحوباً بألعاب نارية ، أو ارتعاش في اليدين ، أو شهقة درامية. و لقد قضت الليلة مع "كاسيان كراون ".
في أشد تخيلاتها جموحاً كانت مخيلة "سيشي " تتسع إلى أقصى حدودها منذ اليوم الذي التقت به ، لكنها لم تتخيل قط أنها ستفعل ما فعلته للتو ؛ مع رجلٍ يغير شركاءه كما يغير الآخرون قمصانهم ، رجلٍ شهد سريره من النساء أكثر مما شهدت مائدته من الأطباق ، رجلٍ بلغت سمعته في التجرد من العواطف حداً جعل النساء اللواتي يغادرن شقته في صباح اليوم السابع يرحلن وهن يعلمن يقيناً أنهن لن يعدن أبداً.
ومع ذلك فهي الآن بين ذراعيه ، ولا تريده أن يرحل أو يبتعد عنها.
تأملت وجهه الآن بعناية ، تبحث فيه وتمسحه ، كما يمسح المرء عقداً بحثاً عن الثغرة التي قد تقضي عليه. حيث كانت تبحث عن إجابات لأسئلة كانت تخشى طرحها بصوتٍ عالٍ: هل يعني هذا شيئاً بالنسبة له ؟ هل تعني هي شيئاً له ؟ هل سيبقى معها للأبد ؟ أم سيتركها ؟
لم يقل أيٌّ منهما شيئاً للآخر. لم ينطق أيٌّ منهما بالكلمة التي كانت ستغير كل شيء ، ذلك الاعتراف المكون من ثلاث مقاطع الذي ينطق به العشاق في الأفلام بدموعٍ تنهمر قبل أن تعلو الموسيقى وتتلاشى الشاشة نحو السواد.
هو لم يقل إنه يحبها.
وهي لم تقل إنها تحبه.
هل يمكن وصف ما بينهما بالعلاقة العابرة ؟
لكنهما تقاسما الحميمية دون تخطيط. ولم تكن تشعر بالندم ، وهذا هو الجزء الذي أرعبها أكثر من أي شيء آخر.
كان يجدر بها أن تشعر بالندم ، أن تغرق في ذنبٍ وشكوك ، وفي الطعم المر واللاذع لقرار اتخذه جسدها بدلاً من عقلها.
لكنها لم تشعر بأيٍّ من ذلك بل شعرت بالسعادة وهي في أحضانه! حيث كان الأمر آمناً ودافئاً.
لقد كانت تريده ، ولا يمكنها إنكار ذلك. كل لمسة منحها إياها ، وكل نَفَسٍ أطلقته على بشرته ، وكل لحظةٍ جذبته فيها إليها بدلاً من دفعه بعيداً ؛ جسدها قد كتب اعترافاً رفض لسانها النطق به.
هل كان يشعر بأي شيء ؟
كان ينظر إليها بنظرةٍ لم تستطع فك شفرتها. لم تكن جوعاً ، فقد ولى ذلك. ولم تكن امتلاكاً ، فهذا الشعور موجود دائماً. حيث كان ينظر إليها برفق. وهذه الرقة التي تكمن خلف عينيه بدت كشعلة شمعة خلف زجاجٍ مصنفر ، مرئية لكنها لا تُلمس.
هل كان إعجاباً ؟
إذاً لماذا شعرت بهذا القدر من انعدام الأمان ؟
"ما الذي يقلقكِ ؟ " سأل "كاسيان ".
كان صوته رقيقاً ، ليس ذاك الصوت المنخفض الآمر الذي يستخدمه في الغرف المليئة بالناس ، ولا النبرة الخطيرة التي يستخدمها حين يتجاوز أحدهم حدوده. حيث كان هذا صوتاً خاصاً ، الصوت الذي يستخدمه حين يكونان بمفردهما وقد توقفت الجدران عن الاستماع.
انفرجت شفتا "سيشي " ثم انطبقتا. لم تستطع إخباره. هل يجب أن تبوح له بما يدور في خلدها ؟ قررت ألا تفعل.
لأنها لم تنسَ. فقد أخبرها أثناء صياغة العقد ، بوضوح ومباشرة ، وبصوتٍ لا يترك مجالاً للتأويل ، ألا تطلب منه الحب.
لقد رسم ذلك الخط على الرمال ، وهي أومأت وقبلت به ، لأنها في ذلك الوقت لم تكن تريده.
لكن الأمور تغيرت الآن ، وهي تغيرت. نمت مشاعرها تجاهه ، والآن باتت تريد الشيء الوحيد الذي حذرها من طلبه.
لقد أرادت بصدقٍ أن يحبها "كاسيان كراون ". ليس بسبب عقد ، ولا بسبب لعنة ، ولا لأن ملك الموت قد أصدر إنذاراً نهائياً. أرادت ذلك لأن صدرها يؤلمها حين لا يكون في الغرفة ويمتلئ سعادة حين يكون حاضراً ، وهذا هو أبسط وأقسى تعريف للحب صادفته في حياتها.
إذاً ، لماذا كانت خائفة ؟
ربما لأن "كاسيان " أخبرها ذات مرة أنها قد سحرته. والتعاويذ تنكسر في وقتٍ ما. كل قصة خيالية قرأتها كانت تنتهي بكسر المصفوفه ودق عقارب الساعة عند منتصف الليل ، وتلاشي السحر ، واستيقاظ الأمير ليدرك أن المرأة بجانبه ليست من ظنها.
ماذا لو كان ما يربط "كاسيان " بها ليس حباً بل سحراً ؟ ماذا لو استيقظ ذات صباح وانقشع الضباب ، ونظر إليها بتلك الطريقة التي ينظر بها إلى كل امرأة أخرى مرت في حياته ؛ ببرودٍ إكلينيكي كرجلٍ يغلق ملفاً لم يعد بحاجة إليه ؟
كان العقد لمدة عام. اثنا عشر شهراً. ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً.
كان يجدر بها أن تجعله مدى الحياة. حيث كان عليها أن تخط كلمة "للأبد " في الهامش وتوقع عليها قبل أن يتمكن من قراءة التفاصيل الدقيقة. حيث كان عليها أن...
كانت تفقد توازنها كانت تعلم أنها تغرق في دوامة ولا تستطيع التوقف.
"همم ؟ " رفع "كاسيان " ذقنها بإصبعه.
ملأ وجهه مجال رؤيتها ؛ كل زاوية و كل ظل ، خط فكّه ، الانحناءة الطفيفة لشفتيه التي لم تكن ابتسامة تماماً ولا أي شيء آخر ، والطريقة التي سقطت بها خصلات شعره على جبينه ، باستهانة وكمال في آنٍ واحد.
لماذا يبدو جذاباً بهذا القدر ؟
لم تكن تريد ملاحظة ذلك. لم تكن تريد تسارع نبضها ، أو الحرارة التي تتسلل إلى عنقها ، أو انقباض معدتها في كل مرة يميل فيها رأسه بتلك الزاوية. لم تكن تريد أياً من ذلك.
لكن قلبها لم يطلب إذنها قط. إنه ينبض حين يشاء ، ويتسارع حين يشاء ، ويتعلق بمن يشاء بثقةٍ متهورة ومدمرة للذات ، ككائنٍ لا يفهم العواقب.
كان خطأ قلبها ، لا خطأها. حيث كانت مجرد متفرجٍ بريء داخل صدرها.
هل كان "كاسيان " يشعر بالشيء نفسه ؟
استقر السؤال في جمجمتها كقنبلة بلا مؤقت. لم تكن تعرف متى ستنفجر ، ولم تكن تعرف ما الذي سيبقى منها حين يحدث ذلك.
هل سيرحل إن نامت ؟
برزت الفكرة دون سابق إنذار ، حادة وباردة. حيث كانت جفونها ثقيلة ، وكل عضلة في جسدها تتوق للراحة. و لكنها لم تستطع إغماض عينيها ، لأن جزءاً غير عقلاني ومرعوباً منها كان يؤمن أنه إذا نامت ، فستستيقظ وحيدة. وأن هذه النسخة من "كاسيان " -الذي ينظر إليها بشيءٍ رقيق خلف عينيه الذي ما زال إصبعه يرفع ذقنها الذي سأل ما يقلقها وكأن الإجابة تهمّه- ستتلاشى بمجرد تلاشي وعيها.
ستبقى مستيقظة. ستقاوم ذلك.
وإذا رحل رغم ذلك إذا خرج من هذه الغرفة وعاد ليصبح ذلك الرجل الذي لا يحب ولا يبقى ، فإنها ستجده. ستختطفه كما اختطفها ، وتجره إلى غرفة ، وتغلق الباب ، وتبقيه هناك حتى يعترف بأن ما حدث بينهما لم يكن سحراً أو عقداً أو لحظة ضعف ، بل شيئاً حقيقياً.
ستبني له سجناً من جدرانه الخاصة ، وستحبسه بقواعده التي وضعها.
توصلت "سيشي " إلى هذا الاستنتاج بهدوءٍ وثقة مختلة لامرأة قضت وقتاً طويلاً محاطة بالجنون وقررت أخيراً أن تشارك فيه.
"أفكر في عينيك " أجابت أخيراً. حيث كان نصف حقيقة. "ظننت أنني رأتهما تغيران لونهما. "
تأملها "كاسيان " ولم يتحرك إصبعه من تحت ذقنها.
"أنتِ من يجعل ذلك يحدث " أجاب.
كان صوته منخفضاً ومبحوحاً. اهتزت الكلمات داخل صدره وانتقلت إلى الهواء بينهما ، حاملةً دفئاً لا علاقة له بدرجة الحرارة ، بل بكل ما له علاقة بالطريقة التي ينظر بها إليها ؛ وكأنها الشيء الوحيد في الغرفة الذي يستحق النظر ، والشيء الوحيد في العالم الذي يستحق الحديث إليه ، والشيء الوحيد الذي جعل "كاسيان كراون " المنيع يعترف -ولو تلميحاً- بأن شيئاً في أعماقه يتغير بحضورها.
انحنى للأمام.
ضغطت شفتاه على جبينها. برقة ، وبلا تعجل. ذلك النوع من القبلات الذي ليس مقدمة لأي شيء ، بل هو نهاية في حد ذاته ؛ كقطعةٍ توضع في نهاية جملةٍ لا يستطيع النطق بها بصوتٍ عالٍ.
أغمضت "سيشي " عينيها.
ليس لأنها اختارت ذلك بل لأن جسدها قد تغلب أخيراً على خوفها. دفء فمه على بشرتها ، وثقل يده على فكها ، والإيقاع المنتظم لأنفاسه ؛ كل ذلك فكك كل أجهزة الإنذار التي بنتها ، واحدة تلو الأخرى حتى لم يبقَ سوى الإنهاك وذلك الإيمان الهش والمستحيل بأنه سيكون هناك عندما تفتح عينيها.
تباطأ تنفسها.