Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

لوردات الشياطين 596

90 على الطريق_2


"إذًا، يا صاحب المعالي، أأنت...؟"

"لا يسعني أن أسمح لـ (تيان ووجينغ) بالمسير إلى السهول الثلجية لمقارعة البرابرة وهو مثخن بجراحه؛ فإن في ذلك ما يأباه الكرم وتجافيه المروءة."

"يا صاحب المعالي، إنك لتعلم حقًا مواطن الأولويات وتدرك جليل الأمور."

"كفّ عن مداهنتي؛ فقد قضى أخي الأصغر سحقًا تحت سنابك جيش (جينغنان)، غير أنها في نهاية المطاف حربُ دولٍ، ومصرع القائد في ساحة الوغى قدرٌ محتوم، وإنّ حقّي كأخٍ أكبر يملي عليّ أن أنتزع ثأره."

"بيد أنه طالما يقود (تيان ووجينغ) جحافله لصدّ غزو الهمج، فما لي إلا أن أتربص به ريثما تضع الحرب أوزارها، وأترقب قفوله، وحينها فقط نلتقي في نزالٍ فاصل."

"صدقت، صدقت."

"من ذا الذي كان يظن أن مآل انتظاري سيؤول إلى هذا؟"

ألقى (قديس السيف) نظرةً عابرةً صوب هودج العربة، متسائلًا: "أتراه يكون هذا الطفل...؟"

"ألم يخامر الظن فؤادك منذ أمد؟ وإلا فما علّة اقتفائك أثري؟"

أومأ الضرير برأسه إيماءةً خفيفة، وقال: "إنّ (تيان ووجينغ) رجلٌ ممسوس أباد عشيرته، أما زوجته... فيا لصلابة بأسها! كانت رائحة الدماء تنبعث منها وهي تحمل وليدها، وما إن أبصرتني حتى عهدت إليّ بالطفل دون تردد."

وفيما هو مسترسلٌ في حديثه، استشعر الضرير بوضوحٍ هالةً حادةً كحد السيف تنبعث من (قديس السيف)، وهي أمارةٌ بيّنة على أن مشاعره بدأت تنفلت من عقالها.

"أتيتُ لأبارز زوجها ثانيةً، ولعلّي أردي (ماركيز يان الجنوبي) قتيلًا في لقائنا المرتقب! ويدا بعلها مخضبتان بدم شقيقي! ومع ذلك، فإن هذه المرأة... قد سلمتني صبيّها هكذا! كيف تجرأت؟ ومن أين استمدت تلك الجسارة؟!"

تمثل الضريرُ المشهدَ في ردهة النزل جليًا: (قديس السيف) يواجه حليلة عدوه، والارتباك يعلو محياه كقناعٍ يرتعد من يأسٍ دفين، وهي تجود عليه بفلذة كبد زوجها وثمرة فؤاده.

"يا صاحب المعالي، إن نبل سجاياكم ليبعث في النفس الإعجاب." كانت هذه كلمات الضرير الصادقة التي نطق بها قلبه قبل لسانه.

"بيني وبين والد هذا الصبي المزعج ثاراتٌ وشحناء، غير أن الخصومة، مهما بلغت ذروتها، لا ينبغي لها أن تطال وليدًا لم يقترف ذنبًا."

"لعل الماركيزة قد أيقنت أن وليدها سيكون في كنفٍ آمنٍ ما دام بين يديك."

لم يكن الضرير على إحاطةٍ كاملة بما وقع في مدينة (لي تيان)، فقد قضى الأيام المنصرمة في ارتحالٍ حثيث برفقة (قديس السيف) وصحبِه، لكنه استشفّ أن ريح المدينة كانت تذرو أنباءً غريبة؛ فقد اختارت (دوجوان) حاميًا لطفلها، وفي ظل غياب (تيان ووجينغ) وتذبذب آمال عودته، ائتمنت... عدوّ عشيرتها على ولدها.

فبوجود باطشٍ كـ (قديس السيف) إلى جوار الطفل، من ذا الذي يجرؤ في هذا العالم العريض على انتزاعه منه، ما لم يحشدوا لذلك جيشًا لجبًا؟

لقد أصابت (دوجوان) في سبر أغوار (قديس السيف)؛ فقد كان الرجل سيفًا، وسيفًا في غاية النقاء.

"إن هذا الصبي المزعج قد لوث ثيابي ببلله مرارًا خلال مسيرنا."

"يا صاحب المعالي، إلامَ وجهتنا...؟"

وفي الواقع، ومنذ بداية ارتحالهم قبل أيام، نضجت في نفس الضرير ظنونٌ كان يغلب على يقينه صدقها.

"قالت تلك المرأة إنه بالإمكان تسليم الصغير إلى عرّابه."

"أأنت جاد؟" قال الضرير.

"عرّابه يقطن في مدينة (شينغلي)."

«»

"إن مدينة (شينغلي) لبقعةٌ تسرّ الناظرين حقًا."

فوق متن العربة المسطحة، تنهد (ياو زيزان) وهو يقبض على إبريق نبيذه بيسراه، بينما تعبث يمناه بحفنةٍ من حبات الشمّر. وفي الأثر، كانت معالم مدينة (شينغلي) تتوارى رويدًا رويدًا خلف الأفق.

وإذ سمع السيد (تشين) قوله -وهو ينوء بجر العربة- انطلقت ضحكةٌ من صدره متسائلًا: "أيعزّ عليك فراقها؟"

"أجل، واللَّه إنه ليعزّ عليّ. سأفتقد أولئك الصبية الذين خطوا أولى خطواتهم في طلب العلم. لم يسبق لي قط طوال حياتي أن كنت معلمًا خصوصيًا لمثل هؤلاء الغلمان."

"وعندما أُعمل فكري في الأمر، أذكر أولئك النوابغ الواعدين في أكاديمية (هانلين) وهم يلتمسون مشورتي في شؤون الأدب؛ فمقارنتهم بهؤلاء الصبية... هه! شتان بين التجربتين!"

استمر السيد (تشين) في جرّ العربة صامتًا دون أن ينبس ببنت شفة، ففي ناظريه كان أولئك السادة في أكاديمية (هانلين) هم العلماء الحق، أما هو فلم يكن يحسن سوى لغة النصال ولم ينهل من بحور الكتب إلا النزر اليسير.

"ماذا عنك أنت؟ أتقوى على هذا الرحيل؟ لقد لمستُ فيك إعجابًا جمًا بتلك الصبية التي تتقلد السيف."

"إنها فطرية الموهبة، كأنها خُلقت من جوهر السيف، ومعدن ذكائها يفوق ما أوتيتُ."

"تـبًا! ما بال (شينغ فان) هذا، ولماذا أولع بجمع هؤلاء الصغار؟ حتى أن ثمة فتىً من برابرة الصحراء في مدرستي، كثيرًا ما تبهرني ملكته في نظم القريض وفن الخط."

"هاهاها!" قهقه السيد (تشين).

التفت (ياو زيزان) صوب الآنسة (سو) التي كانت تسير بجانب العربة؛ فقد استحال طبعها بعد الخطوب الأخيرة إلى السكينة، وانقشعت عنها سحب السذاجة والتعالي. وزيادةً على ذلك، غدا بريق عينيها يشي بأمرٍ مختلف كلما وقع بصرها على السيد (تشين) وهو يجرّ العربة.

ضحك (ياو زيزان) قائلًا: "يا آنسة (سو)، ما إن نؤوب إلى ديارنا حتى أفاتح المدعو (لو) في أمركِ، ولنُرتبنّ خطبتكِ لهذا البطل المغوار هنا."

أشاحت الآنسة (سو) بوجهها متجاهلةً ثرثرة الشيخ العجوز.

"ولكن، لنكن صادقين، بطلنا هذا رجلٌ نقي السريرة، أما أنتِ، وبصفتكِ من الحرس الفضي المدرّع، فلستِ في نهاية المطاف الزوجة الملائمة."

جزّت الآنسة (سو) على أنيابها وقالت بحدة: "أيها العجوز المخرف، مَن تزدري بقولك هذا؟"

"إنما أنظر إلى تقلبات هذا القدر المشؤوم! فمنذ أيامٍ قلائل، انقشع جيش (جينغنان) فجأة، فهل تدرون ما السبب؟"

"تواترت الأنباء بأنّ سيدة (جينغنان) قد أصابها مكروه، ويبدو... أنها قد فارقت الحياة."

"وهل تعلمين من تكون سيدة (جينغنان) تلك؟"

"إنها (دوجوان)، التي تولت سابقًا رئاسة مكتب التجسس في مقاطعة (ينلانغ)، فكيف لي ألا أعرفها؟"

"ههه." تجرع (ياو زيزان) رشفةً من نبيذه وعيناه تلمعان بغموض، وسأل: "أتدرين إذًا أنها كانت تخفي هويةً أخرى؟"

"هوية أخرى؟" سخرت الآنسة (سو): "لا يعقل أن تكون من رعايا (تشيان)!"

"بلى، لقد كانت في الواقع من صلب شعب (تشيان)."

"كيف يكون ذلك مستطاعًا؟!"

"في ذلك الزمان، كنتُ ما أزال أنظم القريض في أكاديمية (هانلين)، ولم يكن المدعو (لو) قد ارتقى بعد لسدة القيادة في الحرس الفضي المدرّع، وكانت بيني وبينه مودةٌ وصلة."

عقب السيد (تشين) وهو يجهد في جر العربة: "يبدو أن حبال ودك موصولةٌ بالجميع."

قذف (ياو زيزان) حبة شمّرٍ أصابت قفا السيد (تشين)، وزجره قائلًا: "هراء! إن لم يكن لديك من القدرة ما يكفي، ولم تبادر إلى نسج الروابط مع ذوي البأس من الخامل ذكرهم، فمن أين ستحصل على لقمة عيشك مستقبلًا؟"

عند سماع هذا، أومأ السيد (تشين) برأسه متأملاً: "هذا قولٌ سديد."

لكن الآنسة (سو) استبد بها الفضول فقالت: "وماذا عن (دوجوان) إذن؟"

"في ذلك اليوم، جاءني (لو) ومعه طفلةٌ في ربيعها الرابع، وهي ابنة عرّابه، وسألني أن أوسمها باسمٍ يليق بها. ولما صدف أن أزهار (الرودودندرون) -التي نطلق عليها (دوجوان)- كانت تتفتح في ردهات أكاديمية (هانلين)، فقد أطلقتُ عليها اسم (دوجوان)."

جاهدت الآنسة (سو) لاستيعاب هذا الفيض من المعلومات، وهمست في ذهول: "إن أمرًا كهذا... كيف باحت به سريرتك بهذه البساطة؟"

"الآن وقد حلّت بها الفاجعة، فلا ضير من البوح. في الأصل، لم يكن لهذا السر أن يتجاوز أسوارًا ضيقة، ومع ترقي (دوجوان) في مراتب مكتب التجسس التابع لولاية (يان)، تضاءل عدد العارفين بحقيقتها. ولولا لقبي كـ(حكيم الأكاديمية)، لكان المدعو (لو) قد استدعاني لمساءلةٍ عسيرة منذ أمدٍ بعيد."

"هه، أعتقد أن (لو) نفسه لم يتوقع هذا المآل قط. فبالرغم من كثرة النوابغ في هذا العالم، إلا أن أولئك الذين يحالفهم الحظ بمسيرةٍ مهنيةٍ ممهدة في بلاط الدولة هم قلةٌ نادرة."

"لقد ولجت عالم التجسس، وتدرجت في مراتب السلطة حتى غدت رئيسة مكتب الاستخبارات في مقاطعة (ينلانغ)، ثم انتهى بها المطاف حليلةً لـ(لورد جينغنان)."

"لا ريب أن (لو) نفسه قد تملكه الذهول، هاهاها!"

سألت الآنسة (سو): "أيعني هذا أن جلالته هو من دبّر تلك الواقعة، مستغلًا رحيل الآنسة (دو) لبلوغ مآرب..."

قاطعها (ياو زيزان) قبل أن تتم القول، متسائلًا: "أي ضربٍ من الرجال تظنين (تيان ووجينغ) يكون؟"

"ماذا؟" تساءلت الآنسة (سو) بدهشة.

"إنه رجلٌ لم يتوانَ عن إبادة عشيرته قاطبةً فداءً لوطنه! فكم من عظيمٍ في هذا العالم يصبو لأن يكون له تابعٌ بمثل بأس (تيان ووجينغ)، لكنهم لا يظفرون بمثله أبدًا!"

"أجيبي، أيرضى رجلٌ بتلك الصفات أن يُرهب بالوعيد المسلط على زوجته ووليده، ليُجبر على الانشقاق عن وطنه؟"

أطرقت الآنسة (سو) مليًا، ثم أومأت قائلة: "لا أحسب ذلك ممكنًا."

"لو كنتِ مكان صانع القرار، أكنتِ ستلقين بمثل هذه الورقة الرابحة في أتون المغامرة بهذه الرعونة، لبلوغ غايةٍ واهية، لاسيما قبيل مخاض الولادة؟"

"كلا، لن أفعل. فهذه البيادق تزن ذهبًا... إنها بالغة الخطورة؛ فهي -أو حتى هو- قد تمثل كنزًا لا يُقدر بثمن للأجيال القادمة. إنها أوراقٌ نفيسة، نفيسةٌ بحق."

"يبدو أنكِ تملكين نصيبًا من الفطنة."

للحظة، لم تدرِ الآنسة (سو) كيف ترد على هذا الثناء، لكن كلمات (ياو زيزان) التالية تركتها في حيرةٍ مطبقة: "أتظنين إذن أن إمبراطورنا هو المغفل؟"



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط