الفصل المائة وسبعة وسبعون: ترحيب الجد الحار
أقسم بالاله ، إنّ جوهر الحياة كامنٌ في الطعام برمته. وكل من يزعم غير ذلك فإما أن يكون كاذباً أو يسعى لبيعك سراباً لا يُجدي نفعاً.
لا ينبغي لك أبداً أن تهدر طعاماً. بل يجب عليك أن تحترمه ، وأن تقدسه ، والأهم من ذلك كله ، أن تتناوله في سكينة مطلقة.
استمر حفل استقبال الطلاب الجدد في الرتابة بعد إلقائي لخطابي. توالت الرتب تضيء الشاشة المجسدة. أسماء لا تُعنى لي ، وأرقام لا تحمل لي أي معنى. جلست في الخلف ، ومعدتي تتضور جوعاً ، أراقب موائد الطعام المغلقة بعينٍ كعين الصقر.
نالت جوليا موس المركز الثامن عشر بحوالي 3,200 نقطة ؛ وهو إنجازٌ قوي لساحرة دعم. أما ليساريا روح-فاليس فقد حصدت المركز الخامس عشر بـ 4,100 نقطة ؛ ليس سيئاً بالنسبة لمعالجة.
لكن ما صعقني أكثر من أي شيء آخر كان ماريغوس فالمونت.
المركز العشرون.
درجة ممتازة لشخص كان جاثياً في الوحل قبل بضعة أيام فقط. فكنت أعلم مسبقاً أنه مقاتلٌ من النخبة رفيعة الرتبة ، لكن رؤية ذلك على أرض الواقع هزّتني على نحوٍ غريب.
كيف لم يظهر رجل بهذه القوة الهائلة في قصة اللعبة الأصلية قط ؟ تساءلتُ وعيناي تضيقان. بدرجة كهذه كان من المفترض أن يكون شخصية محورية. هل قُتل في حدث مستقبلي قبل أن تبدأ المسارات الرئيسية على الإطلاق ؟
ثم أخيراً ، انتهى الحفل. و سقط الحاجز المتلألئ فوق موائد الطعام. فاندفع الطلاب نحو البوفيه كالحيوانات المتضورّة جوعاً.
لهذا السبب تحديداً كنت قد حجزت مقعداً بالقرب من موائد الطعام. وما أن انتهى الحفل حتى هرعت مسرعاً. حيث كانت خطتي محكمة. حيث كان البوفيه يعجّ بأصناف الطعام الشهية — لحوم مشوية ، ولحم خنزير مدهون بالصلصة اللامعة ، ومشروبات خاصة للمساعدة في شفاء الأجساد المتعبة.
جلستُ وفي صحني كومةٌ من الطعام ، أختبر أخيراً السعادة الحقيقية بعد كابوس الوادى المختوم. التقطتُ ساق لحمٍ مشوية ببراعة ، مستعداً تماماً للانهماك في تناولها....أو هكذا ظننتُ.
وقبل أن أتمكن من تذوق لقمة واحدة ، قبضت يدٌ ثقيلة على ياقة ثوبي من الخلف. وبسحبةٍ قوية ، ارتفعت قدماي عن الأرض ، وابتعد صحني المليء بالطعام بسرعةٍ أكبر فأكبر.
"هاه ؟! " شهقتُ ، ملوّحاً بذراعيَّ في الهواء.
وجهتُ نظرةً حانقة إلى الشخص الذي يسير أمامي مباشرة ، والذي كان يجرني بلا مبالاة وكأنني كيس من الخيش. و لقد كرهتُ حقاً ، حقاً ، أن أُفصل عن طعامي. أن أتخيل أنني حصلت أخيراً على فرصة لتناول الطعام ، وقد دُمّرت تماماً بسبب هذا الرجل العجوز.
جدي ، زفير فون السماوي.
"توقف عن تلك النظرات ، أيها الصغير " ضحك زفير دون أن يلتفت برأسه حتى ، وعباءته الطويلة داكنة الزرقة تتأرجح برشاقةٍ سهلةٍ ومخيفة. "السيّد لا يجوب العالم بأسره ليشاهد حفيده يبدو كالسنجاب الجائع. "
بينما كنتُ أُجرّ للخارج دون إرادتي ، شعرتُ بالضيق الشديد حقاً. رغبتُ في العودة ، ولكن مهلاً ، ليس بوسعي أن أقاتل ذلك الوحش العجوز ، أليس كذلك ؟ كان بإمكانه أن يقتلني بنقرةٍ من إصبعه.
آه... إني أكرهه حقاً.
راقبتُ ظهر الرجل العجوز وهو يواصل سيره ، وأفكاري تتوه وتنجرف.
كم مضى من الزمن منذ آخر مرة رأيته فيها ؟ لم أستطع حتى التذكر بدقة. ففي ذاكرتي كان وجهه مجرد طيفٍ بعيد — ملامح حادة ، شعر داكن ، وعينان زرقاوان كالمحيط تخترقان الروح.
ربما عشر سنوات ؟ ربما أكثر. حيث كان قد اختفى عندما كنتُ لا أزال طفلاً ، متوارياً في إحدى المناطق المحظورة دون كلمة. لا وداع. لا تفسير. و مجرد غياب.
ظننتُ أنه سيحضر سيلفيا على الأقل لهذا الأمر برمته. و لكن عندما سألتُه ، اكتفى بالضحك حيث إنها مشغولة بواجباتها ولم يرغب في إزعاجها.
حسناً ، هذا منطقي. حيث كان عليها أيضاً أن تُنظف الفوضى التي أحدثتُها خلال الحفل. و شعرتُ ببعض الأسف لأجلها. قليلاً وحسب.
أي نوع من الشخصيات كان هو ، حقاً ؟
سيد. أسطورة. الوحش الذي قاتل أميراً شيطانياً وخرج سالماً. الجد الذي هجر عائلته لأكثر من عقد. رجل يستطيع سحق الجبال بيديه العاريتين ، ومع ذلك يجر حفيده المتضور جوعاً عبر قاعة الطعام ككيسٍ من الخيش.
كان من المستحيل فهمه والتنبؤ بأفعاله ، وبطريقة ما كان من المستحيل كرهه تماماً.
هززتُ رأسي ، مصفّياً ذهني من الأفكار.
"أحم " نقّيتُ حلقي ، مجبراً أفكاري على العودة إلى الحاضر بينما ترك الرجل العجوز ياقة ثوبي أخيراً. عدّلتُ سترة زيّي بسرعة. "إذاً... إلى أين نذهب بالضبط... يا جدي ؟ "
توقف زفير فجأة في مساره. "لقد وصلنا. "
توقفتُ بجانبه ونظرتُ إلى الأعلى.
كنا نقف أمام مبنى ضخم ، منفصل ، ومعزز بشدة ، يقع في عمق الجناح الشمالي المحظور من الأكاديمية. حيث كانت الهندسة المعمارية عتيقة ، مبنية من بزاقه داكنة ماصة للصدمات ، ومعززة بطبقات من مصفوفات الختم المتوهجة من الدرجة السادسة.
"هذا هو مكان التدريب والمبارزة الشخصي لمدير الأكاديمية فيجا " قال زفير ، وقد ارتسمت ابتسامةٌ خطيرة على ملامحه الحادة. "... وشخصياً ، أرى أن الكلام رخيص. فما هي أفضل طريقة لتجديد الروابط العائلية من السيف ؟ "
رمقتُه بنظرةٍ جامدة تماماً.
ما مدى جنون هذا العجوز ، يا تُرى ؟ فكرتُ. لقد نجوتُ للتو من امتحان قبولٍ قاسٍ ، وأهنتُ دفعة السنة الأولى بأكملها ، وهددتُ مسؤولي اتحاد أسترا ، فهل نسخته من 'الوقت العائلي النوعي ' تعني مبارزةً عنيفة ؟
أطلقتُ تنهيدةً طويلةً ومرهقة. "... حسناً. "
_
دخلنا القاعة.
كان الداخل فسيحاً ، حلبةً فارغة تماماً بجدران مبطنة بنقوش رونية مصممة لامتصاص الصدمات الكفيلة بتحطيم العوالم. أُغلقت الأبواب المعدنية الثقيلة خلفنا بضجةٍ مكتومة ، قاطعةً كل صوت خارجي.
سار زفير إلى مركز الحلبة ، ثم استدار ليواجهني. وقفنا وجهاً لوجه ، وانخفض الضغط في الغرفة على الفور بينما تثبتت عيناه الزرقاوان كالمحيط في عينيّ.
"قبل أن نبدأ هذه المبارزة الصغيرة " بدأ زفير ، وصوته يتردد بسلاسة. "سمعتُ من نوح أنك ابتكرتَ فن سيفك الشخصي. هل هذا صحيح ؟ "
رمشتُ ، متفاجئاً حقاً. هل قابل والدي مؤخراً ؟ دفعتُ الفكرة جانباً وأومأتُ برأسي ، وقد غدت تعابير وجهي جادة. "... نعم. و لقد ابتكرتُ فن سيفي الخاص. "
اتسعت ابتسامة زفير ، ولمحة رضا حقيقي تعبر وجهه. "مثير للإعجاب. أن تصوغ فن سيف شخصياً في مثل سنّك هذا... إنه كالسير على دربك الخاص قبل أن يتمكن العالم من فرض دربه عليك. يتطلب ذلك قدراً هائلاً من الفهم والاستيعاب. "
ضحك بخفة ، واضعاً يده على خصره. "... أتعلم ، لقد ابتكرتُ أسلوبي الخاص أيضاً. و لقد تخلّيتُ عن أساليب عائلتنا التقليديه منذ قرون مضت. "
"فعلتَ ماذا... ؟ " تمتمتُ ، وشفتاي ترتعشان. أن يتخلى فرد من العائلة الرئيسية عن تقنيات السماوي الأساسية كان هرطقة بحد ذاتها ، ولكن مهلاً ، هو سيّد. فمن ذا الذي سيوقفه ؟
"لا تبدو مصدوماً هكذا ، أيها الطفل " قال زفير.
"أدركتُ أن ابتكار فنك الخاص أفضل من وراثة فنٍ آخر ، ولكن بالطبع تحتاج إلى موهبة لذلك موهبة حقيقية. نوح أيضاً كان يتمتع بالموهبة ، لكنه آثر التواري ولم يسلك ذلك الدرب. أما عمك فهو يسير في طريق ابتكار فن سيفه الخاص. "
اتسعت عيناي. هل يمتلك عمي حقاً هذا النوع من الموهبة ؟ لا ، كنتُ أعلم أنه مدهش ، ولكن مع ذلك...
بدت عيناه الزرقاوان كالمحيط وكأنهما تخترقان صدري مباشرة ، ونظراته تثبتت على روحي.
"أنت... أنت تبني بالفعل سيادة روحك ، أليس كذلك ؟ فضاء روحك صغير جداً ، وينكسر بسهولة ، وبالكاد هو مجرد بقعة صغيرة في الوقت الراهن ، لكنني أستطيع أن أشعر بالأساس يتشكل في العمق. "
قفز قلبي. هل يستطيع أن يشعر بذلك ؟
سيادة الروح هي فضاء خاص تكون فيه مسيطراً بالكامل. لا يستطيع المقاتلون العاديون حتى محاولة إنشاء واحدة منها حتى يصلوا إلى رتبة أعلى بكثير. أما بالنسبة لشخص في مستواي أن يعمل على ذلك فهو أمر غير مسبوق.
"من أخبرك أنه بإمكانك فعل ذلك ؟ " سأل زفير ، وصوته منخفض وفضولي. "لا ينبغي لك حتى أن تعلم أن مثل هذا الشيء موجود بعد. "
"... تعلمتُ ذلك من السيد في الاختبار " أجابتُ ، محافِظاً على وجهي خالياً من التعابير.
"لقد أخبرني أن أبدأ ببناء الأساس منذ البداية. وقال ألا أنخدع بالتفكير أنني لا أستطيع التعامل مع نطاق روحي مبكراً ، وأن تقوية الفضاء من البداية يمنعه من الانهيار لاحقاً. "
حدق زفير فيّ لثانية قبل أن يُطلق ضحكة مدوية. "سيادتك يبدو وكأنه شخصٌ متهورٌ ومذهلٌ للغاية. يعممل للغاية! "
واصل حديثه.
"إن إنشاء أو بناء الأساس والسير في طريق بناء سيادة روحك سيساعدك. و إذا كنتَ تبني الأساس منذ البداية ، فهذا أمر جيد. و في عالمي ، لا تزداد قوة بمجرد التأرجح بقطعة معدنية كل يوم. و أنا أُقاتل هنا ، في فضائي الذهني و كل ثانية. إرادتك ، فضاؤك الذهني ، ونيتك النقية هي التي تملي قوه الجوهر. وهذا يقودني إلى نقطتي التالية... "
توقف ضحكه على الفور ليحل محله موجةٌ ثقيلةٌ وساحقة من القوة الهاسكىرّت لها الأبدان على ذراعي. "الآن... استعدّ. هاجمني بكل ما أوتيتَ من قوة. وأيها الطفل الصغير ، إياك أن تتراجع لمجرد أنني جدك. أعلم أنك لستَ من النوع العاطفي. "
صررتُ على أسناني ، وأنا أصارع لألتقط أنفاسي بينما انقضّ عليّ ثقل حضوره الطاغي. حيث كان النظر في عينيه كالتحديق بجبلٍ شامخٍ لا يمكن تسلقه ، يصل عنان السماء.
"...بالطبع لن أتراجع " تمتمتُ ، وقشعريرة باردة تسري في عروقي.
خلعتُ شارة بريموس البلاتينية وألقيتُها على مقعدٍ بجانب الجدار.
ثم عباءتي السوداء الطويلة ، فسترة زيّي الرسمي ، تاركاً إياي بقميص أسود وسراويل فقط. شمرتُ عن ساعديّ ببطء وأمسكتُ بسيفي الكاتانا بمرونة. حيث أطلقتُ نفساً طويلاً واتخذتُ وقفةً هادئةً غامضة.
جالت عيناي نحو يديه العاريتين. "أنت لا تحمل سيفاً حتى. "
لم يتكلم زفير. و بدلاً من ذلك أرجح يده اليمنى في الهواء الخالي بنقرةٍ عابرة.
وِزرّ—
تموّج الفضاء حول يده. وانطلق سيف خشبي من حامل الأسلحة على الجدار وهبط بإتقان في كفّه. فلم يكن شيئاً مميزاً — مجرد سيف تدريب بسيط. قطعة خشب.
لم يتخذ وقفة قتالية. بل وقف هناك وحسب ، ممسكاً بالعصا الخشبية بمرونة في يده اليمنى ، وكأنها لا شيء يُذكر أمام نصلٍ حقيقي.
"...تعالَ " قال بنبرة خافتة.
_
[من منظور زفير فون السماوي]
لم يتردد الفتى.
ما أن غادرت كلماتي شفتي حتى تغيرت عينا ليو. غدت تلك العينان الزرقاوان كالمحيط مركّزتين تماماً. لم تكن نظرة طالب يخوض مبارزة ودية مع جده. بل كانت تحديقة الصياد الباردة الثابتة الذي عثر على فريسته.
جيد ، فكرتُ ، وشعورٌ بالفخر الدافئ يتضخم في صدري. فالأطفال المدللون من العائلة الرئيسية ينظرون إليّ بخوف أو احترام زائف. أما هذا الفتى ، فينظر إليّ وكأنه يسعى لاكتشاف كيفية تمزيقي إرباً.
طقطقة!
فجأة ، اندفعت أقواسٌ سميكة وعنيفة من الكهرباء السوداء من جلده ، متفرقعةً على الأرض وتاركةً علامات حروق سوداء.
صاعقة سوداء ؟ رفعتُ حاجبيّ. مثير للاهتمام. مثير للاهتمام للغاية. لم يذكر نوح هذا قط.
تحرك ليو.
لم يكتفِ بالركض. بل انطلق كالصاعقة ، والصاعقة السوداء تتبع أثره كعباءة ممزقة. و في جزء من الثانية ، عبر الحلبة بأكملها ، وسيف الكاتانا يغادر غمده بفحيحٍ حادٍ ومُدوٍ.
جاء الشفرة من زاوية منخفضة شرسة ، موجهاً بدقة إلى خصري. حيث كانت الضربة سريعة ، صامتة ، وخاطفة.
لم أحرك قدمي. لم أغير مركز ثقلي. بل اكتفيت بإنزال السيف الخشبي ، لألتقط حافة نصله الفولاذي بالجانب المسطح من الخشب.
صلصلة!
دوى الارتطام في أرجاء القاعة. لم يحاول ليو أن يشتبك نصل سيفه بنصلي. ففي اللحظة التي شعر فيها بصدّتي ، غيّر اتجاهه بسلاسة. لوى معصمه ، سحب الكاتانا إلى الخلف قليلاً جداً ، ثم دفعه للأمام نحو حلقي.
طقطقة!
أملتُ السيف الخشبي نحو الأعلى ، مُبعداً نقطته عن عنقي.
لكن ليو كان قد اختفى بالفعل من مجال رؤيتي.
دار إلى نقطتي العمياء ، ونصله يتلوى في الهواء كأفعى خاطفة. فضربة نحو الضلوع تمويه نحو الركبة ، ثم ضربة مفاجئة لأسفل على كتفي — ظل يغير زواياه بإيقاع جامح ، لا يمكن التنبؤ به ، وفوضوي.
في كل مرة كنتُ أحضر فيها السيف الخشبي للصدّ كان يلوّي ضربته في منتصف الهواء ، متخلياً عن المسار المحجوب ليجد فتحة جديدة.
صلصلة! صلصلة! صلصلة!
التقت العصا الخشبية في يدي بنصله الفولاذي أكثر من اثنتي عشرة مرة في نفسٍ واحد. ومع ذلك ظلت قدميّ ثابتتين في نفس البقعة على الأرض التي بدأتُ منها. لم أتحرك خطوة واحدة.
بينما أدرتُ معصمي بلا مبالاة لصدّ ضربة أخرى خاطفة ، بدأ عقلي في دراسة حركاته.
إن أساس سيفه لساحر ، أدركتُ ذلك وأنا أراقب الانسيابية في حركة كتفيه. إنه خشن في حوافه ، ويفتقر إلى الأشكال المصقولة لفنون السيف النبيلة التقليديه ، لكنه يحمل غاية مرعبة. و لقد بُني من أجل السرعة. بُني ليكون خاطفاً ، خفيفاً ، وصامتاً تماماً.
أكثر من ذلك لقد بُني ليقتل. لم تكن هناك حركات استعراضية. كل تأرجح صُمّم لتجاوز الدروع ، للتسلل بين الأضلاع ، لتدمير جوهر الخصم وتفكيكه بالكامل. حيث كان سيفه متعطشاً....وحينها ، شعرتُ به.
ممتزجاً بالصاعقة السوداء الجامحة التي تغطي نصله كانت هناك نية قتل خافتة وثقيلة.
كانت مخبأة تحت وجهه الهادئ ، لكنها كانت موجودة و ربما لم يدرك الفتى حتى أنه كان يفعل ذلك لا شعورياً ، لكن هالته النقية وإرادته المظلمة كانتا تتسربان مباشرة إلى الفولاذ ، تشحذان حافة سلاحه بالحقد.
قاتلٌ بالفطرة ، فكرتُ ، وابتسامةٌ خطيرة تلامس شفتي. إنه لا يقاتل لإحراز النقاط. بل يقاتل من أجل البقاء حتى ضد من هم من دمه.
"هل هذا كل ما لديك ، أيها الفتى ؟ " ناديتُ ، مطلقاً انفجاراً مفاجئاً من القوة يندلع من السيف الخشبي.
دوي!
ضربت موجة الصدمة ليو في صدره ، حطمت هجومه ودفعته إلى الخلف عبر الأرضية. احتكت قدماه بالمعدن ، تاركةً آثار دخان حتى توقف أخيراً على بُعد حوالي عشرين خطوة.
_
[من منظور ليو]
مسحتُ خطاً رفيعاً من الدم من زاوية فمي بظهر يدي ، وصدري يلهث بينما أحدق في الرجل العجوز. فلم يكن قد تحرك قيد أنملة من مكانه الذي بدأ منه. حتى عباءته الزرقاء الداكنة لم تكن متجعدة.
"...بالطبع لا " تفوّهتُ ، وصوتي يتحول إلى زمجرة خافتة.
إذا كانت المبارزة بالسيف العادية والصاعقة السوداء لا تستطيعان حتى جعله يتخذ خطوة واحدة ، فقد حان وقت الجد.
أخذتُ نفساً عميقاً ، دافعاً المانا خاصتي إلى أقصى حدودها. شدت الصاعقة السوداء حول جسدي نفسها لتصبح قشرة مهتزة. و بدأ الفضاء حول حذائي يتموج ويلتوي كبركة ماءٍ مضطربة.
اتسعت عينا زفير الزرقاوان كالمحيط. انكسرت وقفته الهادئة لأول مرة وهو يحدق في العاصفة الدوارة من العناصر حولي.
"صاعقة سوداء... وفضاء. أيها الوحش الصغير... " تمتم.
لم أمنحه وقتاً للتفكير.
دوي!
استخدمتُ الشكل الأول: كسوف متصدع.
انطوى الفضاء تحتي كالورق. و في لحظة واحدة ، ظهرت سبع نسخ مني في دائرة مثالية حول زفير. تحركت كل نسخة في نفس الوقت ، تضرب من كل نقطة عمياء — من يساره ، من يمينه ، من الأعلى ، ومن الخلف. تفرقعت الصاعقة السوداء على طول كل نصل.
"هاهاها! رائع! " زأر زفير ، وصدمته تتحول إلى حماس جامح.
أصبح جسده ضباباً. تحول السيف الخشبي في يده إلى درع من القوة النقية الساحقة. لم يعد يكتفي بالمراوغة بعد الآن.
ردّ بضربة.
ضرب الخشب ضرباتي القاطعة للفضاء ، وقوة حركاته أعادت الفضاء إلى طبيعته ، مما جعل نسخائي تختفي واحدة تلو الأخرى حتى لم يتبقَ سوى أنا الحقيقي ، عالقاً في صراعٍ عنيفٍ للقوة ضد عصاه الخشبية.
تسلقت الصاعقة السوداء سيفه التدريبي ، محاولةً تدمير الخشب ، لكن طبقةً غير مرئية وغير قابلة للكسر من إرادته منعت النار من لمسه.
بلفة وحشية من جسده ، أبعد زفير نصل سيفي للأسفل ، ووجهه على بُعد بضع بوصات من وجهي ، وعيناه تبرقان بضوء مرعب.
"دعنا ننهي هذه المهزلة الآن ، ليو " همس ، وصوته يشق طريقه عبر صوت لووماي الهادر.
"لقد أريتني ما هو سيفك. و لقد أظهرت لي موهبتك الفذة. و لكنك لم ترني شكلك الثاني. سمعتُ من نوح أنك عالق في الشكل الثالث. هل أنا على صواب ؟ ولم أرَ بعد لهيبك الأسود. و لقد كنتَ تكبح نفسك. لا تفعل ، إذا أردت أن تنمو عليك أن تريني كل شيء. "
صررتُ على أسناني بشدة.
قفز زفير فجأة إلى الوراء ، خالقاً فجوة هائلة بيننا.
رفع السيف الخشبي ، ممسكاً إياه عمودياً أمام وجهه. اختفى سلوكه العادي والمرح تماماً. انخفض الضغط في القاعة إلى لا شيء ، مما جعلني أشعر وكأن كل الهواء قد امتص من الغرفة.
"...سأمنحك خياراً واحداً هنا ، أيها الطفل " أعلن زفير ، وابتسامةٌ جنونية ترتسم على ملامحه الحادة. "ابتلعْ ضربتي التالية ، أو اصدّها ، أو متْ. "
انصبّ عرقٌ بارد على جبهتي. حيث كانت القوة المنبعثة من تلك القطعة الخشبية البسيطة تتغير ، متحولةً إلى جدارٍ ضخمٍ غير مرئي من الدمار الخالص.
"إذا تمكنتَ من صدّها ، فقد تجد المسار المفقود لشكلك التالي " زأر زفير ، وصوته يتردد كصاعقة داخل جمجمتي. "لكن إذا فشلتَ... فسوف تموت حقاً. لا تُخيّب أملي ، أيها الفتى! "
رفع السيف عالياً فوق رأسه ، وساد العالم صمتٌ مطبق.