احتدت المعركة في ساحة الوغى الممتدة عبر السهول ، وبلغت ذروة ضراوتها. أما خارج نطاق تلك الساحة ، فقد ساد صمت مطبق ومفاجئ ، سرعان ما تبعه انفجارٌ من صيحات الدهشة والذهول من الجميع.
لقد انصبّ اهتمام "نطاق الأحمر " برمته على "طائفة الورقة الحمراء " مترقبين تحركات "ييه ووبينغ ". فأين هو "ييه ووبينغ " ؟ وهل صار حقاً في مرتبة "نصف خطوة نحو السماء بلا قيود " ؟ كانت هذه الشكوك قد بُذرت في قلوب الناس بفعل ما نُشر في "يوميات الخالدين " وما تناقلته الألسن ، والآن ، انقشعت الغيوم التي كانت تغطي الحقيقة ، وأزاحها أهل "طائفة الخالدين " بأيديهم ؛ فبعد أن أثخنه "سيف الشيطان " بالجراح لم يفر "ييه ووبينغ " كما كانت تشير الشائعات التي زعمت أنه في مكان ما يتعافى ، أو أنه عاد إلى "طائفة الورقة الحمراء " ليتداوى.
"ما الذي سمعته للتو ؟ "
"اتضح أن ييه ووبينغ لم ينجُ قط من قبضة طائفة الخالدين ، ولم يبقَ فيه سوى رمق أخير. "
"ييه ووبينغ الذي كان يوماً قمة القوة والسطوة ، أضحى اليوم أسيراً في طائفة الخالدين... لقد تغير حال نطاق الأحمر بين عشية وضحاها. "
"نعم ، لقد تغير حقاً بين ليلة وضحاها. و في البداية ، ظننا أن طائفة الخالدين ستكون مجرد الحاكم الرابع ، أما الآن ، فيبدو أن لا مستقبل لطائفة الورقة الحمراء. فإذا كان زعيم الطائفة ييه ووبينغ أسيراً ، فكيف لغيره أن يصارع طائفة الخالدين ؟ "
وسط زفرات الناس وتنهيداتهم كان خبراء "الأرض بلا قيود " من "طائفة الورقة الحمراء " شاحبي الوجوه ، فقد تلاشى آخر ما تبقى من قوتهم وعزيمتهم ؛ إذ كانوا يمنّون أنفسهم بأن يخطو "ييه ووبينغ " نحو مرتبة "نصف خطوة نحو السماء بلا قيود " ليعاودوا الكرة ويشنوا هجوماً مضاداً على طائفة الخالدين. و لكن الواقع خالف ما ادعاه نواب زعيم الطائفة ؛ فكل ما قيل عن اعتكافه للشفاء ، أو قرب بلوغه تلك المرتبة لم يكن إلا كذباً في كذب!
"كنت أعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا المصير. لماذا تصرفت 'البرج اللانهائي ' بكل هذه الجسارة بعد معركة مدينة 'جيان شوي ' ؟ لقد اتضحت الإجابة اليوم. "
"نطاق الأحمر على وشك أن يتبدل حاله. "
"يبدو أن أوان تغيير الولاءات قد حان. "
وجهوا أنظارهم نحو "طائفة الورقة الحمراء " يتهامسون فيما بينهم ، وقد عقد كثيرون منهم العزم ؛ فبما أن انهيار الطائفة يبدو أمراً محتوماً ، فلا داعي للاستمرار في معاداة "طائفة الخالدين ". وشعر آخرون بالامتنان للنجاة ، فلحسن حظهم لم تنجح خطة "سيلينغ هارت " (ختم القلب) القاتلة ، وإلا لكانوا قد عادوا طائفة الخالدين حقاً. فإذا كان "ييه ووبينغ " ليس نداً لهم ، فكيف سيتسنى لهم مجابهة "محارب الشيطان " أو غيره من خبراء العالم العلوي التابعين لطائفة الخالدين ؟
في هذه الأثناء ، حينما شعر نواب زعيم "طائفة الورقة الحمراء " بأن العيون شاخصة نحوهم ، حاولوا إظهار شيء من الهدوء ؛ إذ لم يعد للكلام أي جدوى في هذه اللحظة ، فالمحاولة للتفنيد لن تزيد الأمر إلا تأكيداً ، ولم يكن أمامهم سوى التزام الصمت وإظهار الثقة لتهدئة الأوضاع المفاجئة.
قال أحد نواب زعيم الطائفة بابتسامة يائسة وهو يهز رأسه "ما زال ذلك الصبي 'سيلينغ هارت ' يفتقر إلى الرزانة ، فقد تأثر بمجرد كلمة واحدة ". ولم يدركوا أن تمثيلهم الضعيف قد انكشف أمام "يون شوي " في السماء و "شيخ الين واليانغ ". فإذا كان "يون لياو " يكذب ، فلماذا لم يظهر "ييه ووبينغ " ؟ أيتعافى ؟ لقد بات ذلك كذبة واضحة ، علاوة على أن موقف "سيلينغ هارت " قد فسر كل شيء. دفع هذا الثلاثة إلى عقد العزم على مصادقة "طائفة الخالدين " لكن حضور "جين بوسان " و "دي تشين " حال دون استمرارهم في مناقشة الأمر ، مكتفين بالإشارة العابرة إلى "سيلينغ هارت ".
تمتم "يون شوي " في السماء بنبرة خافتة "تلميذٌ لـ 'سيد النطاق ' يقع في حب معلمته السابقة ، يا له من أمر مثير للاهتمام... "...
في ساحة معركة السهول كان "سيلينغ هارت " قد أصم أذنيه عما يدور في العالم الخارجي ، مستغرقاً في غضبه ، لا ينفك يوجه ضربات سيفه ، متمسكاً بسيفه "الشفره السماويه الأزرق " الذي أقسم أن يقتل به أهل الخالدين.
أما الأخوة "أنا المبجل الوحيد " فعلى الرغم من ذهولهم من هذه الأوضاع لم يجدوا حتى متسعاً من الوقت للدهشة ؛ إذ كانوا مشغولين بإطلاق تقنيات "العروق " لمجابهة "يون لياو " واضعين هدفاً أولياً نصب أعينهم: قتله ثأراً لـ "أنغر ريتيرن ويند ". كان الأخوة يتمتعون بقوة العالم العلوي لمرتبة "قمع الجبل " معززين بمهارات "عروق " عالية الجودة ، بالإضافة إلى امتلاكهم "خريطة الدوامة " وأسلحة صاغها "حرفي الدوامة الإلهي ". كانت قوتهم تضاهي "نصف خطوة نحو الأرض بلا قيود " بل تتفوق عليها أحياناً. ورغم أن "مصفوفة سيوف الريح " كانت تضاهيهم إلا أنها استنزفت الكثير من طاقتهم ، ولولا قدرة "ترنيمة الغابة " على الاستشفاء لما استطاع "يون لياو " الصمود طويلاً.
حاول أخوة "أنا المبجل الوحيد " إيجاد ثغرة لتعطيل سحر "يون لياو " فلن يسمحوا له بالاستمرار في الاستشفاء ؛ إذ إن كسر هذا السحر يعني حسم النصر. حيث كانت الفكرة رائعة وصائبة ، لكن تنفيذها ليس باليسير ؛ فالمصفوفة تغطي ساحة المعركة بأكملها ، والوصول إلى "يون لياو " يتطلب كسرها أولاً ، وهو أمر يتجاوز طاقتهم.
أما "سيلينغ هارت " فقد غدا كالمجنون ، لا يكترث بضرب المصفوفة ، ولا يبالي بالضرر الجسيم الذي يلحق بـ "جسده الروحي ". لقد أعماه الغضب عن كل شيء سوى قتل "يون لياو ". ورغم أن قوته في "طريق سيف عديم القلب " قاربت مرتبة "نصف خطوة نحو الأرض بلا قيود " إلا أن "يون لياو " كان يراوغ باستمرار مستخدماً "حاجز بحيرة المرآة ".
"سيلينغ هارت تمالك أعصابك! "
"أيها الأخ الأصغر ، اهدأ! إذا استمريت في هذا الجنون ، فلن نتمكن من الثأر لـ 'أنغر ريتيرن ويند ' فحسب ، بل قد نهلك أنفسنا من الإرهاق. "
لكن محاولاتهم لثنيه لم تجدِ نفعاً. أيهدأ ؟ ومعشوقته قد جُرحت حتى لم يبقَ فيها سوى رمق ؟ وما شأنه بدم "أنغر ريتيرن ويند " ؟ بصراحة لم يكن الأمر يعنيه ، فمن يفتقر للقوة يستحق الهلاك ، وكانوا يعتمدون عليه فخيب ظنهم وقدم حياته لـ "يون لياو ". أما الهلاك من الإرهاق ؟ فقد كان مستعداً للموت معهم.
ولما رأى الأخوة أن الإقناع لا يجدي تملكهم القلق.
"أيها الأخ الأصغر توقف! "
"لقد جُننت يا أخي ، إذا أكملت على هذا النحو ، فلن نواصل القتال معك. "
حاول الأخوة تهديده بالانسحاب لإفاقته ، لكنهم لم يتوقعوا رده الجليدي:
"من يخشى الموت ، فليغرب عن وجهي! "
وما إن أتم كلماته حتى عاود الهجوم على "يون لياو ". تجمد وجه "أنا المبجل " وقال "لقد جُنّ ، لقد فقد عقله حقاً! "
كما تغير تعبير "دو المبجل " وانقبض "ماذا نفعل الآن ؟ لا نستطيع اختراق المصفوفة ، ولا الهجوم ، وتفعيل مهارات العروق يستنزف طاقتنا الروحية. لن نصمد طويلاً. "
"كلا ، يجب أن نوقظ الأخ 'سيلينغ هارت '. " اتخذ "دو " قراراً فورياً واندفع نحوه. فبما أن الصراخ لم يجدِ ، فليكن الإيقاظ بصفعة تعيد إليه رشده ، وإلا فإن الثأر سيستحيل سراباً ، وسيهلكون جميعاً.
لكن ، وما إن اقترب "أنا المبجل " من خلف "سيلينغ هارت " ليوجه له الصفعة حتى هوى سيف "سيلينغ هارت " نحوه.
"لقد كنتما متواطئين معه! "
زمجر "سيلينغ هارت " محدقاً بـ "أنا المبجل " وقد غمرته نية القتل فوراً.