الفصل 1503: إن نجحتَ فسأمنحكَ ما تبتغيه
جلس "ثيرتين " على الأريكة ، يربتُ برفقٍ على ظهر تلك الشابة التي استكانت إليه وارتخت فوق صدره. حيث كانت "فيت " (القدر) قد ارتمت في حضنه ، تلف ذراعيها حول عنقه في عناقٍ مرسل ، بينما أراحت رأسها على كتفه.
كانا ما زالان ملتصقين ، يغمرهما وهجُ ما بعد الوصال وجذوة العاطفة التي لم تخمد بعد ؛ إذ لم يتخيل أي منهما قط أن يؤول بهما الحال إلى هذا المآل. فقبل أيام قلائل كانا كفرسي رهان في العداء ، يسعى كل منهما لإزهاق روح الآخر والقبض على خناقه ، أما الآن ، فقد اتخذت الأمور منحىً مغايراً تماماً.
لطالما تمنى "ثيرتين " أن يغرس نصل سيفه في قلب "الإلهة " ورغم أنه أفلح في مراده إلا أنه لم يتوقع أبداً أن يكون ذلك... بسيفٍ من نوعٍ آخر. استمرت يداه في الربتِ بحنوٍ على ظهر الإلهة ، يساعدها على استعادة سكينتها ، وفجأة ، تراءت صفوف من الكلمات خلفها:
————
[لقد حققتَ إنجازاً فذاً غير مسبوق!]
[لقد نلتَ لقباً: قاهر القدر!]
————
أزاح "ثيرتين " الرسالة بيده بلا مبالاة ؛ فلم يكن هناك سوى "نظام " واحد في هذا الوجود يجرؤ على مراسلته بهذا الأسلوب ، ولم يكن سوى "تسعة وستون " الصديق المقرب الوحيد لـ "ثيرتين " من بين الأنظمة.
لم يدرك كيف استطاع صديقه معرفة ما جرى ، إذ كان من المفترض أن يستحيل على أي كائنٍ كان أن يرى ما يدور في غياهب "صندوق باندورا ". ومع ذلك امتلك "تسعة وستون " تلك القدرة العجيبة على استشعار هذه الأمور ، لا سيما حين يتعلق الأمر بالأشخاص أو الأنظمة المقربة منه. ولحسن الحظ ، يبدو أن صديقه الفريد قد فهم الرسالة ، فكفّ عن تعكير صفو راحته.
حين استعادت "فيت " هدوءها أخيراً ، تراجعت قليلاً لتنظر في عيني "ثيرتين " قائلة بنبرة هادئة "لقد انتصرتَ يا ثيرتين ، وأفلحتَ في هزيمتي. ولكن بأي ثمن ؟ إن الكون على شفا الدمار ".
فأجابها "ثيرتين " وهو يثبت نظراته في عينيها "لن يتدمر ، لن أسمح بحدوث ذلك أبداً ". ثم مد يده ليجذبها إليه أكثر ، وطبع قبلة على وجنتها ضاماً إياها بقوة. وكما قالت "الإلهة " فقد قهرها بالفعل ؛ إذ حبسها داخل "صندوق باندورا " وأرغمها على استخدام ألوهيتها لإحيائه. ولم يكن أمام "فيت " خيار آخر ، فلو بقي "ثيرتين " جثة هامدة ، لما استطاعت الهروب من سجنها ، ولآل الكون إلى زوال محتوم.
والآن ، بعد أن غزاها من الداخل والخارج على حد سواء لم تعد "فيت " ترغب في قتاله بعد الآن. و قالت وهي تريح رأسها على كتفه مرة أخرى "ليتني أملك مقدار ذرة من ثقتك ، فذلك الـ [ ؟ ؟ ؟ ؟] ليس تهديداً يسهل حتى على الآلهة صده ".
فأجابها "ثيرتين " "هذا لأن يديكِ مغلولتان ، وفي أوقات عصيبة كهذه ، يكون الفانون هم من يحملون العبء الأكبر ويقومون بالمهمات الجسام ".
نظر الشاب بعد ذلك إلى خارج "صندوق باندورا ". كانت المعركة بين الطرفين قد وضعت أوزارها مؤقتاً ، لظهور أفرادٍ معينين في ساحة القتال أجبروا "الجحيميين " و "الهائمين " على التراجع. حيث كانت هناك "هلامة " صغيرة ترتدي قبعة قراصنة ، تقبع فوق سارية سفينتها وتنظر إلى "الجحيميين " بشزرٍ كأنها تتحداهم أن يقتربوا خطوة واحدة. وإلى جوار سفينتها الطائرة ، استقام وحش عملاق يشبه "كاثولو " يتأهب للهجوم عند أول إشارة منها.
كما ظهر عجوز يجلس على صهوة حصان ذي ثمانية أرجل ، وبيده رمح فضي ؛ لم يكن سوى "جيمس " جد "ستيلا " الذي كان القائد الأعلى لـ "الجحيميين " يخشاه لسبب ما. وعندما ظهر "جيمس " و "إيكو " وأمرا الجميع بوقف القتال ، انضم إليهما "سون وكونغ " وأجبر الجميع على الهدنة حين ضرب الأرض بهراوته الضخمة ، محدثاً انفجاراً عصف بكلا الجانبين بعيداً عن الآخر.
لاحظ "جيمس " الصدع في الفراغ وأخبر القائد الأعلى لـ "الجحيميين " عنه ، وبعد التأكد من صحة قوله ، أدرك "أزورييل " أنهم يواجهون خطراً جسيماً في هذه اللحظة.
وبما أن الجميع قد كفوا عن القتال لم يشعر "ثيرتين " بأي عجلة وبقي داخل "صندوق باندورا " ؛ إذ كان ما زال هناك عشرون يوماً قبل أن يتسع الصدع بما يكفي لمرور أولئك القابعين في الطرف الآخر. والمفارقة العجيبة أن العشرين يوماً التي انقضت داخل الصندوق لم تكن سوى عشرين دقيقة في العالم الخارجي.
استسلمت "فيت " لقدرها بمرارة مشوبة بالرضا ، ولم تعد تبالي بما سيحدث بعد خروجهما. لسبب ما ، شعرت بالأمان والدفء والحماية بين ذراعي "ثيرتين ". لقد كانت عذراء حتى قبل أيام قلائل ، ولكن بعد تذوق "الثمرة المُحَرمة " وجدت جنتها الخاصة بجانب خصمها اللدود. حيث كان شعوراً غريباً بحق ، ومع ذلك... لم تشعر بأي ضيق في كنفِهِ.
تقبل "ثيرتين " أيضاً حقيقة أن "الإلهة " التي كانت يبغضها قد اندمجت مع جسد "ستيلا ". وبما أنه لا يمكنه إيذاء حبيبته لم يجد بداً من قبول فكرة أنهما ستتشاركان الجسد ذاته لخمس سنوات على الأقل. ورغم أن خمس سنوات قد تبدو برهة قصيرة في عمر الآلهة إلا أنها بالنسبة للفانين زمنٌ لا يستهان به.
همست "فيت " برقة في أذنه "أحقاً لدينا فرصة للصمود ؟ ".
فأجابها "ثيرتين " "ما رأيكِ في رهان ؟ إذا تمكنتُ من طردهم ، فستنجبين أنتِ وستيلا طفلي ".
احمرّ وجه الإلهة خجلاً لسماع كلماته ، ثم عضت عنقه عقاباً له على وقاحته التي لا تعرف حياءً. و لكنها بعد العض ، قبلت النموذج ذاته وامتصته قليلاً تاركة علامة واضحة. حيث كانت "ستيلا " تفعل أموراً مماثلة ، زاعمة أنها طريقتها في "وسم " ثيرتين كملكٍ لها. وبما أنهما تتقاسمان الجسد نفسه ، قررت "فيت " أن تسم خصمها هي الأخرى ، فذلك هو العدل ، خاصة وأنه قد وسمها بالفعل مرات عدة في النموذج الذي يُفترض أن تبدأ فيه الحياة.
الآن وقد عرض عليها "ثيرتين " الرهان ، شعرت أنها لا تمانع في إنجاب طفله إن هو أفلح حقاً في صد خطر الـ [ ؟ ؟ ؟ ؟]. وبما أنها لم تنطق برد ، عاد "ثيرتين " ليقبل وجنتها ثانيةً ويهمس في أذنها "إذاً ، هل اتفقنا ؟ ".
أجابت "فيت " "نعم ، إن نجحتَ ، فسأمنحكَ ما تبتغيه ".
ابتسم "ثيرتين " وقال "رائع. ما زال أمامنا عشرون يوماً ، لذا سأعمل بجد طوال تسعة عشر يوماً ".
صعقت "فيت " ولم تدرِ أتبكي أم تضحك ، وقالت "... أأنت جاد ؟ ". فحتى شخص مثله لا بد أن تكون له حدود! لكن "ثيرتين " بدا وكأنه قادر حقاً على الاستمرار لأيام طوال ، رغم ما بذله من جهد سابق.
حينها تذكرت أنها هي من أعادت تشكيل "نواة روحه " عملياً باستخدام السلاح الإلهيّ "ماحي الأرواح " وصقلت جسده باستخدام ألوهيتها ، مما يعني أن "ثيرتين " بات يمتلك جسداً قوياً للغاية يحتضن نواة روحه.
سألها "ثيرتين " "هل أنتِ نادمة ؟ ". لم يكن بحاجة لقدرة قراءة الأفكار ، فتعابير وجهها كانت تكفى للإجابة.
قالت "فيت " "لستُ نادمة ، لأنه إن لم أفعل شيئاً ، سينهار هذا العالم وينفرط عقده ".
"وهل ستعملين أنتِ أيضاً بجد طوال تسعة عشر يوماً ؟ "
"أمم... "
أومأت الإلهة برأسها في خجل ، مؤكدة أنها ستبذل قصارى جهدها هي الأخرى. وهكذا لم تعد "فيت " تتردد في تطويق وجه "ثيرتين " وتقبيله بعمق ؛ فما دام قد وعد بدحر الـ [ ؟ ؟ ؟ ؟] ، فستفي هي بجانبها من الاتفاق.
سألت "فيت " بشيء من التشكك "ولكن ، هل أنت متأكد ؟ علينا أن نسأل ستيلا إن كانت ترغب في ذلك أيضاً ".
فأجابها "لستُ في عجلة من أمري ، فأمامنا سنوات طوال ".
ابتسمت "فيت " ابتسامة واهنة وقالت "لسبب ما ، بدأت كلماتك تبدو مقنعة ومحل ثقة ". لم يكن أمامها خيار سوى تصديقه ؛ فقد خاض "ثيرتين " معارك ضد كائنات تفوقه قوةً رغم تفاوت المراتب ، وخرج منتصراً في كل مرة. وحتى عندما كانت الكفة تميل ضده بوضوح ، نجح في استدراجها وحبسها داخل "صندوق باندورا " مثبتاً أنه لا يتردد في المخاطرة بحياته لتحقيق مآربه.
بعد تبادل القبلات ، وكأنما يعوضان تلك الأوقات التي حاول فيها كل منهما قتل الآخر ، استسلم الاثنان لدفء بعضهما البعض للمرة الألف بعد المائة. وبما أن بضعة أيام كانت لا تزال تفصلهما عن العالم الخارجي ، قررا قضاء الوقت في توطيد أواصر هذه العلاقة الناشئة.
كانا عدوين في الأمس ، وأصبحا عاشقين اليوم. وإن لم يكن هذا ما تطلق عليه "سخرية القدر " وتقلباته ، فلا شيء بعد ذلك سيثير دهشة أحد. حيث كان "ثيرتين " يتطلع بشوق لرد فعل والده حين يكتشف أنه و "فيت " قد ارتبطا. بل إنه كان يغالب رغبته في إخبار "نظام الإله " العاطل عن العمل بأنه سيحظى بحفيد قريباً ، وأن عليه إعداد هدية تليق بالمقام إن أراد دعوةً لحفل زفافه من "ستيلا " و "فيت ".
الآن ، وقد أصبحت "فيت " في صفه لم يعد "ثيرتين " يخشى شيئاً. فبما أنه صار يمسك بزمام المصير بيديه ، فلا خيار أمام الـ [ ؟ ؟ ؟ ؟] سوى العودة من حيث أتوا ، أو المخاطرة بمواجهة "نظام الحشو " (النظام لـ علف المدفعس) الذي وجد للتو سبباً إضافياً لطرد الزوار غير المرغوب فيهم الذين قد يعترضون طريق سعادته.