الفصل 770: اقرؤوا!!!
"اقرؤوا!!! "
لم يكن في نبرته أي لين ، ولا شائبة تردد ؛ بل كان أمراً محضاً وقضاءً مبرماً.
ساد الصمت المكان من جديد ، لكنه لم يعد صمتاً فارغاً ، بل أضحى مشحوناً بالترقب والضغط الثقيل. وخلفهم ، وقفت حتى الخادمات -في ، ورُوي ، ولينا ، ومونا ، وميرا ، وليلين- متصلبات الأبدان ، وقد انكسر وقارهن المعتاد بما يكفي لإظهار القلق. لم تنطق أي منهن ، لكن نظراتهن كانت تشي بالكثير ؛ فقد أدركن ما يعنيه "عقد الدم " وأدركن ما يمكن أن يسلبه منهن.
أحكمت ميرا قبضتها على كم ثوبها بضيق ، بينما رمت لينا بنظرة نحو رُوي ، فأجابتها الأخيرة بهزة طفيفة من رأسها ، إشارةً ألا تتحدث الآن. أما كلوي ، فقد تحركت بحذر ، وهي ترمق رونان بنظرات خاطفة ، إذ شعرت بأن ثمة خطباً ما ، وأن الأمور ليست على ما يرام.
لاحظ رونان ذلك بطبيعة الحال فقد تلاشت ملامح الارتياح عن وجهه تماماً ، واستقام في وقفته ، ليس بدافع العادة ، بل بدافع الغريزة ؛ فالموقف غدا غاية في الجدية. وحذا بلاك وجوني حذوه دون تفكير ؛ أكتاف مشدودة ، وظهور مستقيمة ، وأعين ترنو إلى الأمام ، فقد خبروا مثل هذه اللحظات ، ودركوا أن هذا ليس لقاءً عابراً ، بل هو قرار مصيري.
كان ليون يراقبهم جميعاً ، دون أن يقاطع أو يدافع عن موقفه ، بل كان يكتفي بالمشاهدة. جالت نظراته ببطء ؛ من رياس إلى آريا ، ثم سينثيا ، وتوقفت لبرهة أطول عند سيرا ونوفا ، قبل أن تنتقل بهدوء ورقة إلى كايرا ، ثم تجاوزتهم جميعاً نحو أولئك الذين لزموا الصمت.
ترك حبال الصمت تمتد وتشتد ، لتغرس ثقلها في الأرواح ، وتركهم يتجرعون مرارة هذا التوتر. وحين بلغت القلوب الحناجر وكاد الصبر أن ينفد ، رفع يده بحركة هادئة رصينة وقال بصوت رخيم مسيطر "على رسلكن... رويداً رويداً ".
هدأت الغرفة مرة أخرى ، ليس اقتناعاً بكلامه ، بل لعلمهم أنه على وشك الإدلاء بحديث هام.
اتكأ ليون بظهره على العرش باسترخاء يشوبه الكسل ، لكن عينيه كانتا تشيان بخلاف ذلك. ترك الصمت يمتد لفترة أطول قليلاً ، يتفرس فيهم ويقيس ردات فعلهم ، تاركاً التوتر يتسلل إلى أعماقهم حتى أضحى لصوت أنفاسهم دويٌ لا يطاق.
ثم قال بتمهل "هذا العقد الدموي... يضمن ألا تعصي أي منكن أوامري ".
وقعت الكلمات كالصاعقة ، وكان رد الفعل فورياً.
"ماذا ؟ "
قرعت كعوب رياس الأرض وهي تتقدم للأمام ، وقد فارقتها تلك اللمعة المرحة التي كانت تضيء عينيها الحمراوين ، وحل مكانها توتر بادٍ. "ماذا قلت للتو ؟ "
ساد الوجوم تفكير سيرا وهي تفتح فاها قليلاً ، وتسارعت أنفاسها بحدة وذهول ، كأنها صوت جليد يتشقق تحت الأقدام. و اتسعت عيناها بنبضات بطيئة ، وهي تلتقط الضوء كمياه تترقرق بعد إلقاء حجر فيها.
"أنت تمزح بالتأكيد... " قالتها بصوت خلع رداء المرح ، وهي تبحث في وجهه عن أي ثغرة أو زلة لسان تنفي ما قاله. تيبس جسدها ، لكن عينيها غدتا أكثر حدة ، مثبتتين عليه كأن قوة خفية تجذبها.
"لا... إنه لا يمزح ". جاء الهمس حازماً ، ووقع وقعه المختلف ؛ كان ثقيلاً كصخرة أُلقيت في مياه راكدة لم يكن صوتاً عالياً ، بل كان غائراً في العمق.
تقدمت نوفا بسرعة أكبر ، وارتطم حذاؤها بالأرض الصخرية حين توقفت قرب العرش على بُعد خطوات قليلة ، وظلت أكتافها مشدودة بضيق. "ما هذا الهراء ؟ "
انطلقت كلماتها فجأة لتقطع هواء الغرفة بحدة يشوبها الحنق ، لكن تحت هذا التوتر الظاهر ، كمن شعور بالاضطراب وعدم الاستقرار.
ظل ليون ساكناً ، فلم تعنِ له تلك النبرة شيئاً ، ولا ذلك التهديد المبطن.
اعتلى وجه سينثيا ظل من القلق ، وهي التي لم تعرف الخوف يوماً.
"...زوجي ".
ملأ الهدوء الفضاء الذي كان من المفترض أن يملأه الصراخ ؛ فلا حاجة لرفع الصوت هنا. ثم تنفست الصعداء قبل أن تنطق كلمة "زوجي " وكأنها تختبر صلابة الأرض تحت قدميها. جاءت الكلمة بطيئة ، مختارة بعناية فائقة. ارتعشت يداها عند وركيها لمرة واحدة ؛ وهو شرخ بسيط في تماسكها المعهود.
وبتردد طفيف ، راقبت ليون وهو يبتعد ، وظلت نظراتها مثبتة عليه ، ليس بحثاً عن وضوح ترتجيه ، بل طلباً لدليل يثبت أن الأمور ليست بالسوء الذي تبدو عليه.
ومن خلفهم ، تحرك فك رونان بحركة حادة وصغيرة لم تكن جفلة ، بل بدت وكأن جسده قد أعلن الرفض قبل أن يستوعب عقله الأمر. واشتد توتر فك بلاك ، وصدر عن أسنانه صرير خافت كسر حدة السكون. أما جوني ، فقد زفر زفرة ثقيلة وهو يمرر أصابعه على وجهه ، قبل أن يسدل ذراعه بضعف إلى جانبه.
"مليكي... "
كانت كل نبأة ينطق بها رونان موزونة ، وكأن الدقة والتحري أهم عنده من السرعة ، وقد غلف نبرته هدوء مفتعل يغلي تحته توتر مكتوم. "...هذا الأمر لا لزوم له ".
ودون إبطاء ، تحدث بلاك ، فكانت الحدة في صوته تجعل لكل كلمة وقعاً أمضى "...بل وهو خطر أيضاً ".
تنهد جوني وهو يميل برأسه قليلاً ، وجالت عيناه بحيرة تمسح الوجوه حتى استقرت ثانية على ليون. "...خطرٌ على الثقة ".
تلاشى الصوت سريعاً دون أن يترك أثراً ، واستحكم صمت مطبق ؛ صمت حقيقي لا مفر منه. وكان آخر ما يتوقعه الجميع هو ذلك الصمت الصادر من ليون ؛ سكون تام لم ينطق بكلمة ، ولم يرمقهم بنظرة حادة أو زجر بارد ، بل ظل واقفاً كطود شامخ لا يتزحزح ، هادئاً في مكانه.
ثم...
رفع إصبعاً واحدة في الهواء. إصبعاً واحدة فحسب.
واستحالت الصفحات القديمة إلى أخرى جديدة ، وساد وجوم سبقه تغير في كيمياء الهواء ؛ إذ بدأ شيء عتيق ينبعث ، ليس بتهور ، بل بحركة ذات غاية ووقار. استشعر اللفافة ذلك فالتفت في حلقات لطيفة ، هادئة غير هائجة... رصينة ومحكمة.
ضاقت نظرات سينثيا قليلاً ، وهمست بالكلمات بصوت منخفض كادت تبتلعه أفكارها ، فبقت العبارة معلقة في الهواء كسرٍ لا ينبغي أن يسمعه سواها.
ومن رحم الصمت ، بدأت الكلمات تتجسد ؛ لم تكن مخبوشة ، بل كانت محفورة بدقة. أضاءت الكتابة السطح ، علامة تلو الأخرى ، بتمهل وثبات ، نابضة بطاقة هادئة. حملها السكون للأمام ، كأنها أنفاس بالكاد تُدرك.
كان كل عقد مختلفاً عن الآخر ، ومع ذلك كانت جميعها تتحد في الغاية.
تقدم رونان خطوة للأمام قبل أن يشعر بنفسه ، وجالت نظراته بين الأسطر وهي تستقر أخيراً ، واتخذت الحروف أشكالاً ثابتة. أما بلاك ، فقد ظل عاقداً ذراعيه فوق صدره ، لكن ميله الطفيف للأمام جعله يقترب من الكلمات.
وصدرت عن جوني صفارة خافتة لكنها واضحة.
"...أنت جاد فيما تفعل... "
أخيراً ، كسر صوت ليون حاجز الصمت:
"اقرؤوا ".
كانت هذه كل كلماته. بلا شرح ، وبلا مبررات. كلمة واحدة فقط ، ولكنها حملت بطريقة ما وزناً يفوق أي خطبة عصماء.
وبدأوا بالقراءة ، واحداً تلو الآخر.
كان رونان أول من تحرك ، وتفحص النص بعناية ودقة ومنهجية. و في بادئ الأمر لم يتغير شيء ، ثم تقطب جبينه ، وتكونت ثنية خفيفة بين عينيه.
تمتم خافتاً "انتظر... لحظة... ".
ثم تناول بلاك رقه الخاص ، وشرع يمسحه بعينيه بسرعة وعدوانية أكبر. تقسّمت ملامحه بصرامة مع كل سطر يقرأه ، وازداد توتر فكه بشدة.
وكان جوني آخر من قرأ ، لكنه لم يتسرع ؛ فقد فارقه استهتاره المعتاد وحلت محله جدية نادرة. وفي منتصف النص توقف... ثم عاد ليقرأ مقطعاً معيناً مرة أخرى.
همس بذهول "...لا... لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً... ".