Switch Mode
تم اطلاق التطبيق على متجر بلاي للاختبار 14 يوم لمن يرغب في الانضمام الى الاختبار ليتمكن من تحميل التطبيق إرسال الايميل الخاص به الى الادمن

نظام الزوجة الأعلى 650

بعد سبعة أيام [الجزء الثاني]


الفصل 650: بعد سبعة أيام [الجزء الثاني]

كان اليوم الرابع بمثابة يوم اليقظة.

لم يصدح منادٍ في الأرجاء، ولم تُرفع الرايات أو تُقرع الأجراس إيذاناً بحدثٍ جلل. لم يتردد صدى الخطابات الرنانة في الساحات العامة.

كانت التطوراتُ أكثر هدوءاً وعمقاً.

فتحت المتاجرُ أبوابها، وانفتحت الأكشاكُ ببطء وحذر. رُفعت الستائرُ تباعاً، كما لو أن المدينة نفسها كانت تطلُّ برأسها من تحت غطاءٍ من الخوف الجاثم.

أُعيد فتحُ الأسواق. وعند البوابات، وقف الحراسُ بظهورٍ مستقيمة وهاماتٍ مرفوعة. لم يمد أحدٌ يده إلى الأمام طمعاً، ولم تُسمع تلك المطالبُ الهامسة. تلاشت تلك "السعلةُ المعهودة" التي كانت تلميحاً للدفع أو العودة من حيث أتوا.

لم يعد الحراسُ يطلبون رشاوى عند البوابات.

أما في الأزقة الضيقة حيث كانت الظلالُ هي الحاكمُ الفعلي، فقد ساد شعورٌ غريب... شعورٌ "بأمرٍ خاطئ".

كانت مكشوفةً أكثر مما ينبغي، واضحةً للعيان بشكلٍ مقلق، وخطيرةً جداً.

كفَّ اللصوصُ عن ممارسة نشاطهم في وضح النهار. وعندما حاولت فرقةٌ من الجنود السكارى جرَّ بائع فاكهةٍ من عربته قبل الظهر، لم يفلحوا في إتمام محاولتهم.

اشتبكت النصالُ بالدروع، وصدرت الأوامرُ بلهجةٍ حازمة، فارتطمت الجثثُ بالحجارة الصماء.

كان يتم إعدامُ الجنود السكارى ميدانياً وفوراً إذا ما تجرأوا على مضايقة المدنيين.

لا وجود للمحاكمات، ولا مجال للتفاوض، ولا عفو يُطبخ بالهمس خلف الأبواب المغلقة.

انتشر الخبرُ كالنار في الهشيم، أسرع من أي إعلانٍ رسمي. لم يكن ذلك عن طريق المنادين في أرجاء المدينة، ولا من خلال الإشعارات الرسمية المعلّقة، بل عبر همهماتٍ ملؤها الرعب في الحانات، ومن خلال التجار شاحبي الوجوه وهم يتهامسون فوق موازينهم، وعبر الخدم الذين يتساررون في المطابخ المضاءة بالشموع.

لم يكن الملكُ الجديد يتسامح مع الفوضى، كائناً من كان مصدرها.

لا النبلاءُ استُثنوا، ولا الجنودُ، ولا المدنيون، ولا حتى قادته المقربون.

أثار ذلك رعباً في نفوس الناس؛ فكرة أن أحداً ليس في مأمنٍ من العقاب، وأن القوة لم تعد تمنحُ صاحبها حصانةً مضمونة. حتى أولئك القابعون في ظلال العرش قد يسقطون في أي لحظة.

لكن الغريب في الأمر... أن هذا كان مصدر راحةٍ لهم أيضاً.

لأن الخوف الذي يتشاطره الجميع يختلفُ تماماً عن الخوف الذي ينهشُ الضعفاء وحدهم. ولأن الفوضى التي تحكمها قواعدٌ صارمة كانت أهون من الفوضى التي لا تعرف حدوداً.

ولأول مرة منذ سنوات، بدا الإرهاب... سيفاً مسلطاً على الجميع بالتساوي.

-------------------

كان اليوم الخامس غريباً.

لم تُقم احتفالات، ولم تندلع احتجاجات. لا ركوع جماعي ولا تمرد جماعي.

كانت هناك مجردُ حركة؛ حركةٍ هادئة وعنيدة.

عاد الناسُ إلى روتينهم المعتاد، ليس لأنهم وضعوا ثقتهم في "ليون"، ولا لأنهم أحبوه، بل لأن الجوع لا ينتظر، ولأن الأطفال ما زالوا بحاجة إلى الطعام، والصغار لا يزالون بحاجة إلى الرعاية.

رفضت الحياةُ أن تتوقف.

قامت امرأةٌ بعجن العجين بِيَدين واجفتين، ثم ما لبثت أن تمالكت جأشها وثبتتهما. وكان الجزارُ يشحذ سكينه وهو يختلس النظر إلى الشارع بين الحين والآخر. وأبٌ يَعُدُّ نقوده مرتين قبل أن يشتري الحبوب.

فتح الخبازون أفرانهم، فانتشرت رائحةُ الخبز بحذرٍ في الشوارع التي ما زالت تختزنُ في ذاكرتها رائحة الدخان. أشعل الحدادون كِيرَهم، فتراقص الشررُ عالياً، صغيراً ومتحدياً.

قام التجارُ بترتيب أكشاكهم بعناية فائقة ونظامٍ دقيق، تاركين فجواتٍ أوسع مما سبق، كما لو أنهم يتوقعون مرور الجنود في أي لحظة.

ظلت الأصواتُ خفيضة، والعيونُ متيقظة. لم يجرؤ أحدٌ على الحديث عن الملك علانية، لكنه كان حاضراً في فكر الجميع.

بدأت العاصمةُ تتنفس من جديد؛ ليس بعمق، ولا بحرية، لكنه نفسٌ يكفي للبقاء على قيد الحياة. تنفست بحذر، كوحشٍ جريح يختبرُ قدرة ساقيه على حمله.

----------------------

كان اليوم السادس يوم القبول.

ليس ولاءً، ولا إخلاصاً، بل محضُ قبولٍ بالأمر الواقع.

لأن الواقع أصبح حقيقةً لا يمكن إنكارها. كانت معدلات الجريمة تتراجع بشكلٍ ملموس، لم يكن ذلك مجرد شائعاتٍ أو همساتٍ متفائلة، بل أرقاماً رآها الناسُ عياناً بيان. الشوارعُ التي كانت تضج بالصراخ ليلاً، باتت الآن يتردد فيها صدى وقع الأقدام الرصينة ودوريات الحراسة المنتظمة. والأسواقُ التي كانت ساحات معارك على الفتات، أصبحت أكثر هدوءاً، يملؤها صوتُ المساومة بدلاً من عويل اليأس.

بدأت أسعارُ المواد الغذائية بالاستقرار. لم تصبح رخيصة، ولم تتوفر بكثرة، لكنها استقرت. ولأول مرة منذ سنوات، صار سعرُ رغيف الخبز في الغدوّ هو نفسه عند الرواح.

كانت عملياتُ الإعدام العلنية في تناقص. ومنصاتُ السقالات التي كانت يوماً ما مصدر رعبٍ دائم، بدأت تُفككُ قطعةً قطعة. ومع أن بعضها ظل قائماً وبعضها الآخر لا يزال يُستخدم، إلا أنها لم تعد مجرد مشاهد تهدف إلى ترويع الجماهير وإذلالها، بل أصبحت حالاتٍ نادرة، ومستهدفة، وخاضعة للرقابة.

ولم يجرؤ أيُّ نبيلٍ على الشكوى؛ لا في المجالس، ولا في الصالونات، ولا حتى في الرسائل الخاصة. فأولئك الذين حاولوا، لم يعد لهم وجودٌ ليشرحوا وجهة نظرهم.

لاحظ الناسُ شيئاً آخر أيضاً؛ شيئاً دقيقاً ومستحيلاً في آنٍ واحد.

كانت جدرانُ الحي تُهدم. لم يكن ذلك بمراسم احتفالية ولا بخطاباتٍ أو لافتات، بل مجرد فرق عمل، ومطارق، وغبار، وعرق.

انهارت الحواجزُ الحجرية التي ظلت قائمةً لقرون -تلك الرموز التي جسدت النسب والثروة والقيمة الموروثة- وتحولت إلى ركام. مُحيت الخطوطُ الوهمية التي كانت تفصل بين "حي الأثرياء" و"حي الفقراء".

لا مزيد من الأقواس المحروسة، ولا بوابات تُوصد بالسلاسل عند الغسق، ولن تكون هناك تحذيراتٌ هامسة بعد الآن بشأن عبور الشارع الخطأ.

أُعيد تنظيمُ أحياءٍ بأكملها. سار المساحون من بابٍ إلى باب، وحمل الموظفون ذوو الأصابع الملطخة بالحبر قوائمهم، ورافقهم الجنودُ - ليس كمصدر تهديد، بل كضماناتٍ للنظام.

إعادة توزيع المساكن بدأت فعلياً. تأثرت العائلات؛ فاحتجَّ البعض، وتوسل البعض، وبكى البعض الآخر. لكن عمليات النقل استمرت دون توقف.

تُحوّلت العقاراتُ النبيلة المهجورة إلى مناطق سكنية مشتركة. وقاعاتُ الرقص الفارهة غدت مساكن للطلاب. وقاعاتُ الطعام الفسيحة أصبحت مطابخ عامة. والحدائقُ الخاصة تحولت إلى ساحاتٍ مشتركة. كما حُوّلت المستودعاتُ إلى مخازن حبوبٍ عامة.

حيث كان النبلاءُ يختالون وحدهم فيما مضى، أصبح عامةُ الناس يسيرون الآن بحرية. وقعُ الأحذية الخشنة على الرخام المصقول، وأيدٍ كدّاحة تلمسُ درابزيناً مذهباً، وأطفالٌ يحدقون بدهشةٍ في ثرياتٍ لم يسمعوا عنها إلا في الأساطير.

وحيث كان المتسولون يفترشون الأزقة، باتوا الآن ينامون تحت أسقفٍ تحميهم. لم تكن قصوراً، ولا ترفاً، لكنها كانت جدرانًا صلبة، وأرضيات جافة، وأبوابًا تُغلق عليهم.

لأول مرة في التاريخ، كان الأغنياءُ والفقراءُ يعيشون في نفس الأحياء. ليس بمساواة تامة، ولكن معاً.

كان بإمكانك ملاحظةُ ذلك في تفاصيل صغيرة؛ تاجرٌ يرتدي رداءً من حريرٍ ينتظر دوره خلف عاملٍ بسيط عند مضخة المياه. طفلٌ من سلالة النبلاء سابقاً يجلس على مقعدٍ واحد مع ابن حداد.

نظراتٌ محرجة، صمتٌ متوتر، فضولٌ مشوبٌ بالحذر، استياءٌ مكتوم، وارتباكٌ سيد الموقف. لكن كان هناك أيضاً شيءٌ غير مألوف: التأقلم.

وأيُّ شخصٍ مارس التمييز أو الترفع علناً... كان يختفي.

يختفي بهدوء، وبشكلٍ لا رجعة فيه، ودون ضجيج.

لا محاكمات، ولا إعلانات، ولا ملصقات توضح السبب.

في يومٍ يكونون فيه صاخبين بتبجحهم، وفي اليوم التالي يتلاشى أثرهم. أحياناً يُجد البابُ مغلقاً، وأحياناً يكون المتجرُ مهجوراً، وأحياناً ترفض العائلةُ مجرد ذكر اسم الغائب.

لم يختفِ الخوفُ تماماً، لكنه غير جِلده وشكله. كفَّ عن الإشارة إلى الأعلى نحو السلطة، وتوقف عن الإشارة إلى الخارج نحو العدو، وبدأ يشيرُ إلى الداخل، نحو الذات.

لقد تعلم الناسُ الدرس بسرعةٍ مذهلة.

------------------------

أما اليوم السابع، فقد كان مختلفاً تماماً.

ساد فيه الأمل.. ليس ذلك الأمل الصاخب الذي يدفع للغناء في الشوارع، بل كان أملاً ضئيلاً، خاصاً، وخطيراً في آنٍ واحد.

كان الشرفاءُ خائفين حقاً من الاعتراف بهذا الأمل لأنفسهم؛ لم يرغبوا في الإقرار بهذا الشعور حتى وهم خلوٌ مع أفكارهم حول مآل الناس.

----------------------

أشرقت شمسُ الصباح على أسطح منازل "ناغاريث"، فصَبغت القرميد والحجارة بلونٍ ذهبي زاهٍ. بدت المدينةُ بأكملها في غاية الجمال تحت خيوط الشمس الذهبية. حقاً، تجلت "ناغاريث" في أبهى حُللها في ذلك الضوء.

لامس الضياءُ المداخن المتصدعة والأفاريز الملتوية، وانزلق على الجدران المرقعة، وتخلل النوافذ المحطمة التي لم تُستبدل بعد. لم تعد تلك النوافذ تبدو كفجواتٍ واسعة تشبه الجروح المفتوحة، ورغم أن الضوء كان يُبرز ندوب المدينة، إلا أنه لم يمحُ أثرها.

كان الدخانُ يتصاعدُ من أصقاعٍ بعيدة حيث لا يزال رجالُ "ليون" يواصلون عملهم؛ هناك حيث يكتشفون المخابئ ويطهرونها، ويهدمون الأنفاق المظلمة، ويكشفون عن الشر الكامن في الجحور. كان الدخانُ يرتفعُ ببطءٍ في السماء، وكل ذلك في سبيل تحسين الأوضاع.

لكن، رغم كل شيء، كان الجو العام قد اختلف تماماً.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط