الفصل 628: عندما نسيت الرغبة آدابها
كان الجزء العلوي من جسد الرجل مكشوفاً تماماً، مبرزاً عضلاته المفتولة وبنيته القوية التي كانت لا تزال تشع بدفء الحمام. كانت قطرات الماء تنحدر بانسيابية على كتفيه، وعلى طول ظهره، متتبعةً بدقة منحنى عموده الفقري. تلتصق القطرات بجلده للحظة قبل أن تسقط لتلامس الأرض، مخلفةً وراءها بقعاً داكنة. كان شعره المبلل يلتصق بمؤخرة عنقه، بينما بدأت خصلاته تتجعد قليلاً وهي تجف بفعل حرارة جسده التي لم تخمد بعد. لف منشفة حول خصره في مستوى منخفض كشف عن تقاسيم وركيه، ووضع أخرى فوق كتفيه ليجفف شعره بحركات بطيئة عفوية، وكأنه يؤدي طقساً اعتاد عليه دون تفكير. كانت المنشفة تتحرك بين يديه بليونة، غافلاً عما يحيط به، غارقاً في سكونه الخاص.
ساد الهدوء أرجاء الغرفة... حتى—
طرقات. طرقات.
تسمر ليون في مكانه تماماً.
سكنت قطعة القماش في يده، وانقطع نفسه فجأة وكأن صدى الطرقات قد اخترق صدره مباشرة. أدار رأسه ببطء، وازدادت نظراته حدة وتركيزاً.
بعد برهة، عاد الطرق مجدداً؛ وهذه المرة كانت نقرات مزدوجة يسكنها التردد، وكأن الطارق بالخارج يصارع قراراً بالاستمرار أو التراجع. كان ملمس مفاصل الأصابع على الخشب يوحي بالحيرة، وكأن الشخص يغير رأيه في كل ثانية، مما جعل الطرقات تبدو واجفة وغير واثقة من مقصدها.
تحرك ليون، فأحكم لف المنشفة حول خصره، ثم تقدم بخطوات ثابتة على الأرض. لم يكن مجرد صوت الطرق هو ما استوقفه، بل ذلك الشعور الغريب الذي انبعث منه؛ إحساس بأن ثمة خطب ما. كان التوتر الكامن خلف الباب هو ما دفع ليون للاعتقاد بأن خلف هذه الطرقات ما هو أكثر من مجرد استئذان عادي.
مد يده نحو المقبض، وما إن لامست أصابعه برودة المعدن حتى سرت قشعريرة طفيفة في أطرافه وهو يشد قبضته عليه.
كان على وشك فتح الباب، ولكن قبل أن يفعل، صدرت عن الباب طقطقة خفيفة وانزلق ببطء نحو الداخل، فقد كان ثمة من يدفعه من الجانب الآخر بوجل.
انبعث من خلف الشق صوت شهقة خافتة ناتجة عن الفزع، تسللت إلى مسامعه بوضوح.
"كنت أتساءل عما إذا كنت قد استلمت رسالتي يا سيدي.. لم أتلقَّ رداً منك، لذا فكرت في الاطمئنان عليك. أنا آسفة حقاً يا سيدي، لا أريد إزعاجك."
كانت نبرتها مشحونة بالتوتر، فالكلمات تخرج منها مضطربة وصوتها يرتجف. كانت تعتذر بإسراف وهي تقف هناك، تائهة تحاول صياغة جملة مفيدة تشرح سبب اقتحامها، لكن أفكارها كانت مشوشة تماماً. وعندما وقعت عيناها عليه، تضاعف ارتباكها، فأخذت نفساً عميقاً في محاولة يائسة للتحدث بوضوح، معيدةً الاعتذار مرة أخرى وهي تحاول جاهدة إيصال ما جاءت لأجله.
فتح ليون الباب على مصراعيه، وتراجع خطوة إلى الوراء ليتيح لها الدخول، مراقباً الموقف بصمت.
توقفت الخادمة عن الحركة فجأة، ووقفت مكانها كتمثال رخامي لا يحرك ساكناً، وقد لجمتها الدهشة.
كان شعرها الأسود يحيط بوجهها الذي يشبه القلب، مع تجعدات ناعمة عند أطرافه. رفعت عينيها السوداوين الواسعتين، وفجأة اتسع بؤبؤاها وهي تحدق فيما أمامها؛ ارتجفت شفتاها وحبست أنفاسها، وكأنها فقدت القدرة على استنشاق الهواء. ظلت عيناها مسمرتين عليه، ولم تعد تدرك حتى خصلات شعرها التي تداعب وجهها، فقد استهلكها المشهد تماماً.
كانت ترتدي زي خادمات القصر، لكنه بدا عليها مختلفاً كلياً؛ فالفستان الأسود كان قصيراً بعض الشيء مبرزاً قوامها، بينما جعل المشد الضيق خصرها يبدو أكثر نحافة وجاذبية. كما كانت ترتدي جوارب طويلة تصل إلى أعلى ساقيها، مما أبرز منحنيات جسدها بشكل لافت. جعلها الزي تبدو مذهلة، حيث كان صدرها يضغط على القماش، ووركها عريضان، وقوامها ممتلئاً بفتنة. لم يعد الزي يبدو كمجرد ملابس رسمية للخدمة، بل صار كأنه صُمم خصيصاً ليبرز مفاتنها ويغوي الناظرين، فالطريقة التي ملأ بها جسدها القماش جعلت مظهرها مغرياً للغاية.
دفعت عربة الطعام نحو الداخل، فدارت عجلاتها على الأرض بصوت خافت، لكن فكرها كان في وادٍ آخر. لم تستطع إزاحة نظراتها عنه، ولم تكن العربة تعني لها شيئاً في تلك اللحظة، فكل اهتمامها كان منصباً عليه هو.
لم تكن عيناها تنظران فحسب، بل كانت تغوصان في تفاصيله؛ تتأملان جسده شبه العاري، والمنشفة التي تستقر على وركيه، وقطرات الماء التي تنساب ببطء فوق عضلات بطنه. تتبعت عيناها كل قطرة، ومع كل ثانية يزداد تنفسها اضطراباً وتسارعاً. شعرت بضعف في ركبتيها وكأنها على وشك فقدان توازنها، وازداد لون عينيها قتامة، فكان من الواضح أنها تقاوم رغبة فطرية قوية تحاول جاهدة كبح جماحها، فمنظر جسده كان يفوق قدرتها على الاحتمال.
رصد ليون نظراتها المتفحصة.
ارتفع حاجب الرجل ببطء وتشكّل على وجهه طيف ابتسامة ساخرة، وكأنه أدرك ما يدور في خلدها، فارتسمت على شفتيه بسمة ذات مغزى.
سألها بصوت دافئ ونبرة متهكمة يمازحها بها: "هل عليّ أن أبقى ساكناً هكذا من أجلكِ؟ أم أنكِ نظرتِ إليّ بما فيه الكفاية؟"
انتفضت عيناها بسرعة وقد امتزج فيها الخوف بالرغبة الجامحة، في صراع داخلي عنيف حدث في نبضة قلب واحدة.
"لا أعرف ماذا أقول.. أعني أنني أحاول إخبارك بشيء يا سيدي.. الكلمات تائهة مني، لا أستطيع التعبير. أشعر بإحراج شديد." قالت ذلك بينما اصطبغ وجهها ووجنتاها بحمرة قانية.
"هل أنتِ متأكدة؟"
خطا ليون خطوة واحدة نحوها، كانت كافية لإلغاء كل المسافات بينهما. انحبست أنفاسها وتشبثت أصابعها بمقبض العربة بقوة، وكأنه طوق نجاة يمنعها من الانهيار والسقوط.
قال بنبرة عادية وهو يراقب غيظها وارتباكها المتصاعد: "لأنكِ إن لم تكتفي بعد، فيمكنني البقاء هكذا لفترة أطول قليلاً،" وكأن الأمر لا يسبب له أدنى حرج.
ثم انحنى نحوها، واقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه، وانخفض صوته ليصبح أكثر رقة وغواية.
"أو..." ساد صمت ثقيل في الأرجاء، وكأن الهواء قد تشبع بكهرباء الترقب، "يمكنكِ البقاء هنا معي بينما أغير ملابسي."
انفرج فمها من شدة الذهول، ولم تصدق ما سمعته أذناها. بقيت واجمة وفمها مفتوح على مصراعيه من هول الصدمة.
صدر عن حلقها صوت خافت، لم يكن كلمة بل كان أنيناً غير مقصود، أفلت منها قبل أن تتمكن من لجم حبالها الصوتية.
لم يتحرك ليون، بل اكتفى بمراقبة الخجل وهو يتصارع مع صدق المشاعر في عينيها. رأى محاولتها لدفن تلك الرغبة، لكنه علم أنها تطفو على السطح باستمرار، ساطعة ومن المستحيل إخفاؤها. كان قربه يمثل ضغطاً هائلاً عليها؛ فحرارته كانت حقيقية جداً ومربكة. انزلقت نظرتها إلى صدره العاري لجزء من الثانية قبل أن تتذكر وجوب التنفس.
قالت بصوت خافت يرتجف بشدة: "سيدي.. إذا كنت تريدني أن أفعل شيئاً، أو إذا كنت تريدني أن أرى شيئاً.." كانت تجاهد لتنطق بالكلمات، لكنها لم تدرك فداحة ما تقول.
توقف ليون عن الحركة تماماً.
لم يتوقع الرجل أن يخرج منها مثل هذا التصريح في هذا الوضع، لقد باغته رد فعلها تماماً.
انفتحت عيناها فجأة عندما استوعبت المعنى الضمني لكلماتها، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها قبل أن يتلاشى الدم منهما تاركاً وجهها شاحباً كالكفن، وخفق قلبها بذعر شديد. ترددت أصداء كلماتها في عقلها، وأدركت كيف أخطأ لسانها التعبير، مما جعلها تغرق في دوامة من الخجل.
"لم أقصد ذلك!" صاحت وهي تنحني للأمام بسرعة حتى كاد رأسها يصطدم بالعربة. لوحت يداها في الهواء باضطراب قبل أن تمسك بحافة العربة في اللحظة الأخيرة، مما أدى إلى اهتزاز الأطباق وإصدار رنين. "أنا آسفة.. من فضلك انسَ ما قلته، سأغادر الآن، أريد الذهاب فحسب."
أمسكت بالعربة مجدداً وانحنت بشدة حتى انسدل شعرها مخفياً وجهها، وكأنها تحاول الاختباء من العالم بأسره. لم يظهر منها سوى العربة، فقد تلاشت خلفها من شدة الخزي، وبدا وكأنها والعربة صارا كياناً واحداً من فرط ارتباكها.
"تفضل بتناول طعامك.. سأعود لأخذ الصينية لاحقاً.. أعدك أنني سأعود.. معذرة على ما حدث."
ثم—
انطلقت فجأة وهي تركض.
لم يكن انسحاباً مهذباً ولا تحركاً محرجاً، بل كان هروباً صريحاً. ركضت وبالكاد تلامس قدماها الأرض، وقلبها يخفق بشدة تكاد تسبق جسدها. خرجت من الغرفة كغزالٍ بريٍ أبصر أسداً يتربص به، فاستسلمت لغريزة الفرار من شيء أرعبها وأغواها في آن واحد.
ابتلعها إطار الباب بالكامل، ولم يتبقَّ خلفها سوى صدى خطواتها السريعة ورنين الأطباق المهتزة. انتهى كل شيء عند هذا الحد، ولم يتبقَّ في الغرفة سوى ذكريات اضطرابها.
وقف ليون هناك، يحدق في المدخل الفارغ لوقت طويل، مأخوذاً بما حدث، وكأنه ينتظر عودتها. كان الجو في الغرفة لا يزال مشحوناً بغرابة، ومثقلاً بكل الكلمات التي لم تقلها.
رفع يده إلى وجهه، ولامست أصابعه خده وهو غير مصدق لما جرى. ظلت يده مستقرة هناك وكأنه يحاول التأكد من حقيقة المشهد الذي انتهى للتو.
همس لنفسه بصوت خافت: "ما الذي حدث للتو بحق الجحيم؟"
للحظة، تمنى لو أنها بقيت، لو أنه أمسكها من خصرها وجذبها إليه ليصطدما بالسرير قبل أن يستعيدا سيطرتهما. كانت نظرتها إليه مذهلة؛ لم تخفِ شيئاً، فكل ما رآه كان مزيجاً من الرغبة، والتردد، وقليلاً من الاستسلام. كانت نظرة مميزة للغاية، قرأ فيها حرارتها ورأى كيف كانت تقف على حافة الانهيار أمام مشاعرها، رغبةً فيه هو وحده.
ثم جاءت اللحظة التي أدركت فيها فقدانها للزمام، فكان لا بد من الرحيل. فرت وكأن غريزتها تأمرها بالنجاة، كقوة جارفة سحبتها بعيداً عن منطقة الخطر.
أطلق ليون زفيراً طويلاً وهو يهز رأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية.
بدا متسلياً ومفتوناً في آن واحد؛ فقد أثار هذا الموقف حبل أفكاره وجعل الفضول يغزو قلبه.
تمتم بأن ما حدث كان "لطيفاً".
مد يده نحو الباب وأغلقه، فصدرت عنه طقطقة أعلنت عودته إلى عزلته. كانت رائحة الطعام لا تزال تفوح في الأرجاء، عالقة في الهواء لتذكره بتلك المرأة التي غادرت على عجل، كأن الرائحة أثر ملموس لما حدث.
استدار وسار نحو خزانة الملابس، وعندما فتح أبوابها، وجد الملابس التي رتبتها له ألينا بعناية فائقة. لقد أحسنت صنعاً، فكل شيء كان يبدو أنيقاً ومنظماً؛ قمصان من أقمشة فاخرة ناعمة، سراويل فضفاضة مثالية للمساء، ورداء أبيض موشى بالذهب، وقميص بفتحة أمامية أنيقة. حتى ملابس النوم كانت مطوية بدقة في الدرج. كانت الملابس تتسم بالبساطة والرقي والعملية، وهو ما نال استحسانه.
مرر ليون أصابعه على الأقمشة باحثاً عن مراده في صمت، مستمتعاً بملمسها الناعم. فكر للحظة ثم اختار بنطالاً مريحاً وقميصاً أسود كان بارداً وناعماً على بشرته وكأنه صُنع خصيصاً له.
ألقى المنشفة جانباً لتقع على الأرض، وبدأ يرتدي ملابسه.
استقر القميص فوق كتفيه وصدره وكان قياسه مثالياً، بينما أحاط البنطال بوركيه وانسدل بانسيابية على ساقيه. ورغم بساطة هذه الملابس، إلا أنها بدت عليه في غاية الأناقة والجمال.
توقف أمام مرآة الخزانة، ورفع يده ليمررها على شعره الذي بدأ يجف تماماً. بدا الرجل الذي يحدق في المرآة وكأنه خارج من لوحة ملكية؛ هادئ، مهيب، وعصي على النيل، وليس ذلك الشخص الذي ترك خادمة قبل لحظات في حالة من الارتجاف والذهول.