الفصل 460: الموقف الأخير لفيلور الموقف الأخير لفيلور
اختفى الفناء. لم يبقَ منه سوى فوهة بركانية ، جرح غائر ممزق في باطن الأرض. تصاعد الدخان من حافتها ببطء واضطراب ، ملتفاً نحو السماء كأنه أنين خافت لشيء ميت. حيث كان الليل هادئاً إلا من صوت حفيف الحجارة المتساقطة. وفوق كل ذلك كان القمر معلقاً منخفضاً وبعيداً ، ينسكب ضوءه الشاحب على الحطام ككفن.
تألقت الصخور المحطمة بضوء خافت في ضوء القمر الفضي ، متناثرة على أرض محفورة بالخراب. حيث طار الغبار في الهواء ، يتحرك ببطء في دوامات خفية ، عاكساً الضوء وكأنه هو الآخر يبكي على ما كان هنا - جدران دافعت ، أبراج امتدت نحو السماء ، ضحكات دوّت ، أرواح انطفأت في لحظة. أصبح العالم الآن خالياً ، مجرد شجيرات من رؤوس مسننة وسكون تام.
وسط الدمار لم يبقَ سوى اثنتين. إحداهما جاثمة بين الأنقاض ، كتفاها منحنيتان و كل نفسٍ وزفيرٍ منها صراع. والأخرى واقفة بلا حراك ، جسدها كظلٍّ في ضوءٍ خافتٍ شبحي ، حارسةٌ لما تبقى. لم تكن بينهما كلمات. فقط عبء الفقدان يثقل كاهلهما ، مشدودٌ كوتر قوسٍ على وشك الانقطاع.
كان الرجل الجاثم على ركبتيه هو عدن. درعه الذي كان يوماً ما فضياً لامعاً شامخاً ، منقوشاً عليه شعار فيلور ، أصبح الآن محطماً تذكيراً بما كان عليه. التوى المعدن ، واسودّت حوافه ، ولطخت خطوط الدم صدره ، ممتدة على طول النتوءات المنحوتة وصولاً إلى الأرض. و شعره الرمادي المائل للبياض الذي كان عادةً ما يربطه ، قد تساقط ، متدفقاً بخصلات رطبة على وجهه المتعرق. ارتجف صدره من سعال حاد ، قذف خصلة رقيقة من الدم على الحجر المحطم. لمعت عيناه بالتعب والذهول ، وبعبء ثقيل لرجل خاض معارك تلو الأخرى ليجد نفسه في النهاية أمام جدار عصي على التسلق.
وقف ليون قبالته ، وكان الفرق صارخاً ومقلقاً. حيث كان يحمل ندوب المعركة - معطفه ممزق ومحترق ، ملطخ بالسخام والدم ، وجروح محفورة على خده وذراعه - لكنه لم يضعف قط. وقف وكأن الخراب المحيط به لا سلطان له على عموده الفقري ، ولا سيطرة له على هيئته. عكست عيناه الذهبيتان ضوء القمر ، متوهجتين وجامحتين ، لكنهما مكبوتتان. حيث كان كل نفس يتنفسه متحكماً فيه ، محسوباً ، ذلك النوع من الإتقان الذي لا يتحقق إلا بعد سنوات من رفض الاستسلام ، ومن كبح جماح الجنون المحيط به دون أن ينكسر.
كان الصمت الذي خيّم بينهما خانقاً ، ليس هدوء السكينة ، بل الصمت الساحق الذي يلي صرخة الصراع. حيث كان صدر عدن يرتفع وينخفض ، وكل نفس يسحب الحزن والغضب إلى داخله ، بينما وقف ليون ثابتاً كتمثال منحوت من التسامح نفسه. بدا الظلام وكأنه يميل نحوهما ، يسحقهما ، يراقبهما ، ينتظر ، كما لو أن العالم نفسه ينتظر بفارغ الصبر ما سيحدث تالياً.
نظر إلى عدن – ليس بقسوة ، ولا بغرور ، بل بهدوء واتزان رجلٍ شهد مسبقاً كيف ستنتهي هذه المعركة. فلم يكن في هيئته أيّ استعجال ، ولا بريق نصر في عينيه ، بل فقط ثقة هادئة لرجلٍ اجتاز عواصف لا تُحصى ولم يتزعزع قط.
قال ليون بصوت عميق أجشّ من شدة التعب "لقد حذرتك. يا سيد أدين ، إن قاتلتني... ستخسر. والآن— " اشتدت نظراته ، كالفولاذ الذي يخترق الضباب المتلألئ كضوء القمر "—ستخسر فعلاً. "
ارتجفت أكتاف عدن ، ارتجافاً طفيفاً لكنه لا لبس فيه. اشتدت قبضته على مقبض سيفه حتى ابيضت مفاصله ، وارتجف الشفرة كما لو كان يستشعر إيقاع انحسار هالته. رفع رأسه ببطء وألم ، وكل حركة منه زادت من حدة الألم على وجهه المتورم. 𝚏𝕣𝐞𝗲𝐰𝕖𝐛𝐧𝕠𝕧𝚎𝚕.𝐜𝚘𝗺
"ليس بعد. " قالها بنبرة حادة و كل كلمة منها مثقلة بالجهد والتحدي العنيد. "لن يتم ذلك حتى أقرر بنفسي أنه قد تم. "
أطلق ليون زفيراً بطيئاً من أنفه كان أشبه بتنهيدة منه بنَفَس. "أنت لا تستسلم أبداً ، أليس كذلك ؟ "
ارتسمت ابتسامة باهتة متقطعة على شفتي عدن المتورمتين ، لكنها لم تكن سوى تخفي الألم والإرهاق اللذين ينهشان جسده. و قال بصوت أجش ، لكنه لم ينكسر "هذه... هي لعنة الرجال أمثالي. لا نستسلم إلا عندما يستسلم العالم بأسره. "
غرز يده في الأرض المتصدعة ، ونهض بصعوبة من الأرض مصحوباً بأنين مكتوم هزّ عظام صدره. نبضت عروق رقبته كحبال مشدودة ، وانزلقت الحصى الصغيرة تحت حذائه وهو ينهض بصعوبة. كل جزء منه كان ينطق بالتعب ، وكل حركة منه تشهد على سنوات من الحرب التي صقلته وجعلته أسطورة حية.
استرخى وجه ليون ، وارتسمت على وجهه مزيج رقيق من الاحترام والشفقة. حيث كان بإمكانه أن يستشعر ذلك – الإرادة الصلبة الراسخة التي حفرت اسم عدن في سجلات أشهر فرسان فيلور. حتى في الضربة الأخيرة – تلك اللكمة القاضية الأخيرة بقوة روح ليون الجديدة غير المخففة – لم يستسلم عدن تماماً.
"ما زلتَ واقفاً " همس ليون ، وكأنه يُحدث نفسه. حمل صوته نبرة إعجاب مترددة. "أنت أقوى من معظم الرجال الذين قابلتهم ".
أطلق عدن ضحكة قصيرة حادة سرعان ما تحولت إلى سعال جاف أجش. حيث اخترق الصوت الصمت كقطع الفولاذ الممزق. اتكأ بشدة على سيفه ، وصدره يلهث أنفاساً متقطعة غير منتظمة. "وأنت... " كافح ليقولها ، متوقفاً للحظة ليهدئ صوته "أنت لست الفتى الذي ظننتك. " كانت كل كلمة متوترة ، ممزوجة بالدهشة وطعم مر من الاحترام.
أمال ليون رأسه جانباً ، وعيناه الذهبيتان ثابتتان ، هادئتان ، وغامضتان. تلك الشرارة الجامحة التي كانت تشتعل فيه لم تعد موجودة. ما حلّ محلها شيءٌ أقوى ، شيءٌ انتصر - هدوءٌ خفيّ لا يأتي إلا من اجتياز الصعاب وعدم الاستسلام أبداً.
تابع عدن بصوت أجشّ لكنه هادئ نوعاً ما "عندما بدأت هذه المعركة ، رأيتُ طفلاً - ثملاً بقوته ، غير مسؤول ، متغطرساً ". أخذ نفساً عميقاً ، رافعاً عينيه إلى عيني ليون. "لكن الآن... " توقف ، وعيناه تفحصانه ، وصوته مثقل بالتعب وشيء من الكبرياء. "الآن أرى الصلابة الكامنة وراء هذا الغرور. و لقد استحققتها. "
ارتجفت شفتا ليون قليلاً - لم تكن ابتسامة حقيقية ، بل مجرد ظل ابتسامة. حيث كان ذلك مزيجاً من الإقرار والتحدي. همس قائلاً "من الجيد بسماع ذلك من الرجل الذي يُطلق عليه اسم جدار فيلور الأول ".