الفصل ٢٣١٣:…أأنتما… من يفعل هذا ؟
في أقصى أطراف «أومبراسول» ، بعيداً عن صخب الشوارع وضجيج الحياة اليومية كانت هناك مساحة شاسعة من الأرض الفضاء. مكان يرتاده الناس أحياناً للتنزه ، أو للجلوس ، أو ببساطة للاستمتاع بالهدوء بعيداً عن مراكز المدينة.
كان ثمة ممر حجري منخفض يلتوي برفق عبر الحقول ، تحفّه رقع صغيرة من العشب وأشجار يافعة لم تترسخ جذورها إلا مؤخراً. وبجوار طرف الحقل كان هناك بناءٌ لم يكتمل بعد.
لقد استمر العمل فيه لأيام.
أو هكذا… كان يُفترض به.
"هذا… غريب. "
وقف عاملٌ أمامه وهو يحك رأسه.
"ما الأمر ؟ "
تجهّم رجلٌ آخر كان يقف بجانبه.
"ذلك الجدار. حيث كان به شرخٌ بالأمس. و لقد رأيته بعيني. "
أشار العامل الأول بإصبعه ، فنظر الرجل الثاني نحو الجدار.
كان… مستقيماً.
مستقيماً تماماً.
"…ربما توهمت ذلك. "
هزّ العامل الأول رأسه نافياً "لم أتوهم. حيث كان هناك تماماً ، في المنتصف. و لقد أشار إليه رئيس العمل بوضوح شديد ، وكان من المفترض أن نعيد بناء ذلك الجزء اليوم. "
خطا الرجل الثاني خطوة للأمام ، ووضع يده على الحجر.
كان… أملس.
لم يكن يبدو كشيءٍ جرى إصلاحه أو ترميمه حديثاً.
"هل أنت… متأكد ؟ "
سأل وهو يعقد حاجبيه.
عادةً ما لا تُعد شقوق الجدران بالأمر الجلل ؛ فكثير من الكائنات قادرة على سدّ تلك الشقوق بقدراتها. فهناك في هذا العالم كائنات قادرة على خلق المادة من العدم ، وأخرى تصنع "جولمات " حية باستخدام السحر ، أو حتى مسامير معدنية يمكنها اختراق الأحشاء.
بوجود قدرات كهذه ، لا ينبغي أن يكون إصلاح جدار مشروخ أمراً يستحق الذكر.
أو على الأقل ، هذا ما يمليه المنطق السائد ، ولكن…
إذا طبقنا ذلك المنطق ، فما الحاجة إذاً لعمال البناء ؟ هناك كائنات قادرة على تشييد أي مبنى تريده بمجرد التخيل وبلمح البصر ، فأي جدوى من عمالٍ يستغرقون أياماً ، بل وأشهراً ، لإنجاز مشاريعهم ؟
لكن…
في الواقع ، هناك أسباب لا حصر لها تستدعي وجود هؤلاء العمال.
نعم ، يمكن ابتكار هيكل ما عبر السحر ، ولكن… لا يمكن إنشاء تلك الهياكل إلا من مادة يستطيع ذلك الكائن التحكم فيها أو خلقها ، وقد لا تكون تلك المادة هي الأمثل للبناء.
وحتى إن تطابقت المادة في بعض الحالات ، فبدون تدعيم ومعالجة سليمة لتلك المواد ، لن يصمد البناء طويلاً. إذ ستنهار تلك المباني عند أدنى ارتطام.
ففي عالمٍ تكون فيه كائنات قادرة على دكّ الجبال بنقرة إصبع ، لن تصمد مثل تلك الهياكل ، ولو قليلاً. فكل بناء يحتاج إلى تدعيم ، وهو تدعيم لا يقدر عليه إلا أولئك العمال.
وهذا تحديداً هو سبب دهشة العاملين ؛ فلو كان الجدار مشروخاً ، ولو استخدم أحدهم "قدرته " لسدّ ذلك الشرخ -حتى وإن امتلك القدرة على التحكم في مادة الجدار نفسها- فإن سدّه دون تدعيم سليم ، أو حتى بوجوده ، وبمثل هذه الدقة التي تجعل الأثر غير مرئي تماماً حتى لأولئك الذين تعاملوا مع هذه المادة… كان أمراً أشبه بالمستحيل.
"نعم! أنا متأكد! أتحسب حقاً أنني سأكون مخطئاً بشأن… "
كاد العامل الأول أن يجيب ، ولكن في تلك اللحظة…
«طَق»
سمعا صوتاً ، فالتفت الاثنان ليقع بصرهما على سلم خشبي كان يستند الآن إلى البناء ، بينما بدأ صبي صغير بتسلقه بحذر حاملاً قطعة قماش في يديه.
"يا هذا " نادى أحد العاملين "كن حذراً… "
وما إن قالها… حتى تعثر الصبي.
زلت قدمه عن الدرجة ، ومال جسده جانباً…
ثم… لم يسقط.
للحظة خاطفة ، ظل جسده معلقاً في الهواء.
وكأن… شيئاً ما قد صحح الخطأ قبل وقوعه.
ثم برفق ، وجدت قدمه الدرجة مرة أخرى.
وواصل التسلق ، كأن شيئاً لم يكن.
حدق العاملان في المشهد ، و…
"…هل رأيت ذلك ؟ " سأل الأول ، ولم يرد الثاني. فقد كان عاجزاً عن الكلام.
ليس ببعيد عن ذلك المكان كانت امرأة تقف قرب حوض مياه تملأ وعاءً فخارياً. حيث كان الماء يتدفق بثبات من فوهة حجرية منحوتة ، لكن الغريب هو أن… الماء لم يفض.
حتى والوعاء ممتلئ تماماً.
ارتفع السطح قليلاً فوق الحافة ، مشكلاً منحنى مثالياً ، ومتماسكاً دون أن ينسكب.
رمشت المرأة بعينيها ، ثم أمالت الوعاء ببطء ، وكأنها تختبر الأمر. حينها تحرك الماء وكأنه لم يعد قادراً على التماسك ، وفاض بشكل طبيعي.
"…ما الذي حدث ؟ " تمتمت المرأة في حيرة وهي تنظر فى الجوار ، تحاول معرفة السبب وراء ذلك.
تكررت مثل هذه الحوادث في كل مكان ، حوادث لا منطق لها ؛ أوراق الأشجار تتحرك بانسجام تام ، وكأنها جسد واحد ، دون أي تباين طبيعي.
كان الهواء يبدو… مستقراً. فلم يكن هناك ضجيج ، بدا كل شيء… نقياً. نقياً بشكل غير طبيعي.
ومع تنقل الناس في الأرجاء ، زاد ذلك الشعور حدة.
لا شيء ينكسر.
لا شيء يزلّ.
لا شيء يسير على غير ما يرام.
ومع ذلك…
جعل ذلك كل شيء يبدو مريباً.
أما عن السبب وراء كل هذا ؟
فكان صبي صغير يجلس قرب منتصف الحقل ، بجوار تكوين صخري منخفض انحنى بشكل طبيعي ليصبح مقعداً ، كأنه صُمم خصيصاً له.
كان الصبي في التاسعة من عمره ، بشعر أبيض قصير وناعم يتخلله بريق خافت من الأزرق الشاحب والفضي. حيث كان وجهه… وسيماً ، ليس بجمالٍ صارخ أو يخطف الأبصار ، بل بجمال هادئ ووديع يجذب الانتباه دون أن يطلبه.
كانت عيناه فاتحتين ، شاحبين ، وشبه شفافتين ، تعكسان ظلالاً ناعمة من الأزرق والفضي. وحين ينظر إلى شيء لم تكن نظرته حادة أو مكثفة ، بل كانت… لطيفة.
كان يرتدي ملابس بسيطة ذات ألوان فاتحة ، قماش نقي وناعم يتحرك بخفة ، يتماشى مع حضوره الهادئ. فلم يكن فيه ما يبرز بضجيج ، ومع ذلك كان كل ما فيه يبدو… مصقولاً.
إنه "أورايليوس ليندر " ابن "فيلبيرتا ليندر ". كائن "الشيخيث " بدائي ، كائن من… الخلق ذاته.
لكن خلقه لم يكن كخلق والدته ؛ كلا ، لقد كان في مرتبة أعلى منها. فبينما تمتلك أمه القدرة على خلق أي شيء ، أي مادة ترغب فيها…
هو…
كان يمتلك القدرة على خلق… الوجود.
نعم لم يكن مقيداً بالحظ ، بل كان يستطيع خلق ما لا ينبغي للمنطق أن يستوعبه. صبي كان يجب أن يسقط من السلم ولم يسقط ، ماء كان يجب أن يفيض ولم يفعل ؛ ذاك هو أورايليوس.
كائن يستطيع تغيير… ما كان يجب أن يحدث ، بمجرد وجوده.
تشكّل شرخ صغير في الصخر بجانبه.
ظهر لأقل من ثانية…
ثم تلاشى.
ولم يكن هذا إصلاحاً ، أو ترميماً ، أو معالجة… بل… لم يوجد قط ؛ تماماً كما اختفى ذلك الشرخ في الجدار.
في تلك اللحظة…
"أنت هنا. "
تحدث أورايليوس بابتسامة خفيفة ، دون أن يلتفت.
خلفه ، اقتربت خطوات ، وسارت نحوه فتاة في مثل عمره وتتشارك معه في ملامحه ، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة. حيث كانت خطواتها خفيفة ، وحضورها -تماماً كشقيقها- كان وديعاً ، وعيناها ناعمتان ، لكن كان هناك شيء ما تحت تلك النعومة…
شيء… أكثر نضجاً بكثير.
إنها "لايسيرا ليندر " ابنة فيلبيرتا ، كائنة «الشيخيث» بدائية ، وعلى عكس شقيقها الذي يستطيع خلق الوجود ذاته…
كانت هي… مختلفة.
"أنا هنا. "
تمتمت وهي تجلس بجانب شقيقها ، ثم نظرت إلى الأرض حيث نبتت رقعة صغيرة من عشب عادي ، ربما بسبب قدرات أورايليوس.
ابتسمت لايسيرا ، ثم انحنت ، ولامست أصابعها خصلات العشب برفق ، و… تغير العشب.
أصبح لونه الأخضر أكثر عمقاً ، وطالت أوراقه ، ثم… تغيرت.
صارت أطرافها أكثر حدة ، ونبتت بجانبها زهرة بيضاء صغيرة ، ثم تغير شكل بتلاتها ؛ إحداها انحنت للداخل ، وأخرى امتدت للخارج ، وازداد لون المركز عمقاً ، متحولاً من الأصفر الشاحب إلى ذهبي أغنى.
أمالت لايسيرا رأسها قليلاً ، تراقب كل شيء بتمعن.
زحفت حشرة صغيرة عبر الأرض ، وصلت إلى حافة العشب المُعدل توقفت ، ثم تابعت سيرها ؛ ومع تقدمها… تكيفت أرجلها.
كان الأمر دقيقاً ، شيئاً لن يلحظه معظم الناس ، لكن لايسيرا لاحظت ذلك ؛ لاحظت كيف تكيفت تلك الكائنات الصغيرة مع السطح الجديد تحتها ، مما رسم ابتسامة على وجهها.
"…أفضل. "
أومأت برأسها لنفسها. التفت إليها أورايليوس وقال:
"لقد غيرتِهِ مجدداً. "
نظرت إليه لايسيرا وأجابت بالابتسامة ذاتها:
"كان يحتاج للنمو. "
"كان جيداً بما يكفي. "
"كان ناقصاً. "
في النهاية ، استسلم أورايليوس للأمر.
تلك هي شقيقته.
كائنة ذات قدرة على… التطور.
نعم ، بينما امتلكت والدتهما القدرة على خلق المادة ، وامتلك هو القدرة على خلق الوجود كانت شقيقته تمتلك القدرة على… التطور.
أي شيء كان…
سواء كان حياً أو جماداً…
كانت لايسيرا قادرة على تطويره ، وكانت تفعل ذلك بحماس كبير لأنها تحب رؤية الأشياء وهي تنمو.
بينما كان الشقيقان يتحدثان ، اقترب رجل ببطء من مسافة بعيدة ؛ كان قد جاء ليتفقد البناء المجاور ، لكنه توقف في اللحظة التي لاحظهما فيها.
لأنهما بديا…
غير طبيعيين.
ليس من حيث المظهر بالطبع ، فالطفلان كانا جميلين ، بل ومثاليين.
"…أأنتما… من يفعل هذا ؟ "
سأل.