الفصل 2283: كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها أحد "أبناء الضوء " يجفل.. لقد كان مشهداً… يسر الناظرين.
"ما بالكم أيها الجمع في عالمي ؟ "
تساءل "أوخارجين " والبسمة تداعب محياه ، وفي اللحظة التي وقعت فيها أبصار "أبناء الضوء " عليه—
اتسعت أحداقهم بذعر محض.
"سـ.. سـ.. سيدي أوخارجين. "
هتف بها ذلك الذي كان يتحدث إلى "السيد الضوء " قبل مجيئه إلى هنا ، وهو يتلعثم دون انقطاع.
أما ذلك الضياء الذهبي الذي أطلقه هو ورفاقه من "أبناء الضوء "—الضياء الذي أعلن قدومهم—فقد تلاشى كأن لم يكن.
بالنسبة لـ "أوريل " كان رؤية هؤلاء الكائنات متجمدين من الرعب بهذا الشكل مشهداً يثلج الصدر.
وكيف لا يشعر بذلك ؟
فمنذ لقائه الأول بـ "أبناء الضوء " وبغض النظر عمن قابله—سواء كان الشخص الذي دفعه للانضمام إلى فصيل الضوء ، أو الآخرين الذين كانوا يأتون لجمع القرابين السنوية—كانوا جميعاً على شاكلة واحدة.
متغطرسون حتى النخاع.
حتى أولئك الذين لم يكونوا من "الخالدين " وكانوا بوضوح أضعف منه لم يشكلوا استثناءً ؛ إذ تملكتهم الغطرسة ذاتها. ففي نهاية المطاف كانوا يوقنون تمام اليقين أنه لا يوجد كائن في الكون بأسره يملك الجرأة على المساس بهم حتى وإن كانوا هم الأضعف.
إن قانون الغاب الذي يقضي بأن "القوي يأكل الضعيف " لم يكن يسري عليهم ، ببساطة لأنهم ينتمون إلى قوة تفوق معظم القوى بمراحل.
أما "أبناء الضوء " الأقوياء فعلاً ، فقد ذهبوا بغطرستهم إلى أبعد من ذلك ؛ إذ لم يكن الآخرون يمثلون شيئاً في نظرهم. فما بالك بـعالم من المستوى العالي فُتح حديثاً على الكون ، ولا يملك سوى "خالد " واحد—وهو ضعيف مقارنة بالأغلبية—عالم يفتقر للموارد النادرة أو العلاقات الوازنة ؛ بل حتى لو كان عالماً آخر من المستوى العالي يحظى بتقدير ومكانة مرموقة في أرجاء الكون—
لم يكن "أبناء الضوء " هؤلاء يلقون لكل ذلك بالاً.
كانوا يأتون فحسب ، ويبسطون ضياءهم في خيلاء ، وكأن لسان حالهم يقول إن على الجميع أن يغتبطوا لمجرد نيلهم شرف رؤيته ، ثم يرحلون.
لكن اليوم—
اليوم كان مختلفاً.
اليوم ، تلاشت تلك الغطرسة ولم يعد لها أثر.
اليوم ، حلت مكانها… ملامح الخوف.
بل إن "أوريل " لن يتفاجأ لو خر هؤلاء جميعاً سُجداً في هذه اللحظة. و في الحقيقة كان يتمنى حدوث ذلك ولكن—
فجأة ، استشعر طاقة غريبة تحيط بـ "أبناء الضوء ". حدث كل شيء بسرعة خاطفة ، لدرجة أنه بحلول الوقت الذي استعاد فيه وعيه وفهم ماذا يجري—
كان "أبناء الضوء " قد اختفوا.
—أو على الأقل حاولوا ذلك ولكن…
لم يتحقق مرادهم.
لأنه في اللحظة التي بدأت فيها تلك الطاقة الغريبة تحيط بهم تم قفلها وإحكام الوثاق عليها. تجمد "أبناء الضوء " في أماكنهم ، وظلت عيونهم شاخصة نحو الرجل المسؤول عن هذا.
لقد كان "لانهاية الأزل ".
"تأتون إلى عالمي دون ترتيب مسبق ، وتنشرون ضياءكم ، وتوقظون شعبي ، وتعكرون صفو راحتهم ، ثم تحاولون الرحيل هكذا ببساطة ؟ "
تحدث "أوخارجين " بصوت منخفض وهادئ إلا أن وقع كلماته كان عظيماً. جفل "أبناء الضوء " بل إن بعضهم غص بريقه من الرعب.
وتابع "أوخارجين "—
"أرأيتكم تستصغرون شأني ؟ "
سألهم مباشرة ، وقد اكتست نبرته برداء من الجليد.
"كـ.. كلا ، يا سيدي أوخارجين. "
أجاب زعيم "أبناء الضوء " بسرعة ، وهو يهز رأسه بيأس.
"كـ.. كنا نبحث فقط عن السيدة "سيرافييل ". لقد استشعر "السيد الضوء " وجودها هنا ، فأرسلنا. ولكن بما أننا أدركنا أنها ليست هنا ، فقد قررنا ألا نزعجكم أكثر مما فعلنا. "
أجاب بكل ما أوتي من احترام ، بل وطأطأ رأسه أمام واحد من أقوى أربعة كائنات في الكون.
وبالطبع ، دار في أذهانهم تساؤل حول كيف أصبح العالم الذي كان جزءاً من "فصيل الضوء " ملكاً له ، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على النطق بذلك جهاراً.
فـ "أبناء الضوء " كانوا يتساقطون كالهشيم هذه الأيام ؛ ولم تكن لديهم أدنى رغبة في اللحاق بهم.
والأسوأ من ذلك ؟
أن صلتهم بـ "السيد الضوء " قد انقطعت فجأة ، فلم يعد بإمكانهم حتى التحدث إليه لفهم ماذا يجري.
لذا لم يكن أمامهم سوى الاعتذار عن أي شيء فعلوه ، بغض النظر عما إذا كان صواباً أم خطأ.
نظر "أوخارجين " إليهم وقال:
"إذن ، تتجولون في أراضي غيركم ثم "تقررون " من تلقاء أنفسكم متى يحين وقت الرحيل دون استئذان صاحب الأرض ؟ يبدو أن أبناء الضوء قد فقدوا كل موازين الاحترام. "
زاد كلامه من تيبس أجسادهم. وفي رؤوسهم كانوا يحاولون باستمرار الاتصال بـ "السيد الضوء " للتبليغ عن الموقف وشرح ما يواجهونه ، لكن الاتصال كان قد قُطع بالفعل.
وكان من الجلي أن "لانهاية الأزل " هو من يقف وراء ذلك.
ولن يعود الاتصال ما لم يشأ هو.
"نـ.. نحن نعتذر بشدة عن تصرفاتنا ، يا سيدي أوخارجين. ندرك كيف بدا الأمر وقحاً ومتعجرفاً ، لكنني أؤكد لكم أننا لم نكن نضمر ذلك السوء. فنحن لا نحمل لكم ولأراضيكم سوى أعمق آيات التقدير. ما كنا لنفعل ما فعلناه اليوم لولا أننا فقدنا صوابنا ؛ ففي السنوات القليلة الماضية ، ضاقت الأرض بما رحبت على "الضوء ". لقد استهدف العدو عوالمنا ، وفقدان الأرواح العزيزة جعل السيدة "سيرافييل " في حالة من الوهن والهشاشة. وعندما اختفت ، تركنا قلقنا عليها يعمي بصيرتنا ويغلب منطقنا. نكرر اعتذارنا ، ونرجو من سيدي "أوخارجين " أن يتسع قلبه للصفح عنا. "
طأطأ زعيم "أبناء الضوء " رأسه ، وهذه المرة لم يقل "أوخارجين " شيئاً.
وماذا عساه أن يقول ؟
لم يملك إلا أن يشيح بنظره تعجباً من مقدار الدجل الذي يمكن للضوء وأهله ممارسته ؛ فقد كان ذلك يسري في عروقهم. إن عصوراً من خداع الكون بأسره والحفاظ على تلك الصورة الزائفة جعلت جلودهم أثخن من المعتاد.
كان من المثير للحنق حقاً رؤية مثل هذه الكائنات وهي تكذب كما تتنفس.
في الواقع ، أراد "أوخارجين " قتلهم ، الآن أكثر من أي وقت مضى ، لكن ذلك كان سيعطي "سيرافييل " "الذريعة " للقيام بشيء… غير مستساغ لاحقاً.
وهي فرصة لم يكن يرغب في منحها إياها ، ليس وهي محاصرة بتلك الطريقة.
كان يفضل مراقبة الأمور وهي تتكشف من تلقاء نفسها ، ورؤية قطع الشطرنج وهي تتحرك ، دون أن يضطر للتدخل بنفسه.
وبناءً عليه—
"سأعفو عنكم اليوم. "
قالها ، فتنفس "أبناء الضوء " الصعداء ، ولكن قبل أن يتمكنوا من التعبير عن امتنانهم ، ابتسم "أوخارجين " وأردف:
"بالنظر إلى أن "فصيل الضوء " يمر بأوقات عصيبة في التعامل مع "الشذوذ ". "
أراد زعيم "أبناء الضوء " قول شيء ما ، أراد إخباره بأنهم لا يمرون بـ "أوقات عصيبة " وأن مجرد "شذوذ " لا يمكن أن يذيقهم الويلات ، ولكن—
"شعبكم مجهد ، وعوالمكم تتساقط الواحد تلو الآخر ، ويبدو أنكم لا تملكون سبيلاً لحمايتها. حتى الإيمان الذي كان يكنّه الكون للضوء بدأ يتهاوى ؛ لقد تمرغت سمعتكم في الوحل. وأصبح يشار إليكم كهدف لقمة سائغة. "
استمر "لانهاية الأزل " في حديثه ، وكلما زاد في قوله ، زاد "أبناء الضوء " من طأطأة رؤوسهم وهم يجزون على أسنانهم ، كابحين جماح… غضبهم بوضوح.
لو كان أي شخص آخر—أي شخص عدا "لانهاية "—هو من تلفظ بتلك الكلمات ، لكانوا قد مزقوه إرباً.
فبعد كل شيء لم يكن هذا الكلام نابعاً من حرص أو اهتمام.
كانوا يدركون ذلك تماماً—
كان "أوخارجين " يسخر منهم جهاراً.
لكن لم يكن باليد حيلة. لم يملكوا إلا تجرع مرارة كبريائهم المهان والبقاء برؤوس منكسة.
تبسم "أوخارجين " لتلك الردة ، وأومأ لنفسه برضا.
ثم قال—
"لابد أن كل ذلك يصعب تجرعه ، خاصة لشخصية مثل "سيرافييل " التي تهتم بصورتها إلى هذا الحد. أستطيع أن أفهم لماذا قد يقلقكم الأمر. و لكن هذا لا يعني أن تنسوا أقداركم. و أنا بطبعي أميل للغفران ، لذا سأطلق سراحكم ، ولكن لو كان غيري في مكاني—
لما استطاع جمعكم هذا رؤية بتشينغ النجم القادم ، ولن تلوموا حينها إلا أنفسكم. "
تحدث "أوخارجين " مذلاً "أبناء الضوء " ولم يملك هؤلاء إلا أن يقولوا—
"نـ.. نعم ، يا سيدي أوخارجين ، نحن نفهم ذلك. "
لم يملكوا سوى الإيماء برؤوسهم.
"حسنٌ. "
أومأ "أوخارجين " هو الآخر ، شاعراً بالرضا.
"يمكنكم الرحيل الآن. "
أمرهم بذلك وفي اللحظة التي لوح فيها بيده ، عادت صلة "أبناء الضوء " بـ "السيد الضوء " وقبل أن يتمكنوا من النطق بكلمة واحدة لـ "السيد الضوء " أو التبليغ عن الموقف—
اختفوا.
لقد استدعاهم "السيد الضوء " على الفور.
تفرس "أوريل " في اللقاء بأكمله والابتسامة العريضة تعلو وجهه—ابتسامة حاول إخفاءها تماماً—ولكن—
"تبدو سعيداً. "
لم يكن شيئاً يمكنه إخفاؤه عن أكثر الكائنات علماً في الكون.
"أعتذر منك ، يا سيدي أوخارجين. "
خفض "أوريل " رأسه.
"ولِمَ تعتذر ؟ أنا لا أمنعك من الشعور بالسرور. "
سأله "أوخارجين " وهنا…
ابتسم "أوريل " بوضوح ، دون أن يخفي شيئاً.
"كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها أحد "أبناء الضوء " يجفل.. لقد كان مشهداً… يسر الناظرين. "
أجاب.
"أهكذا إذن… "
اكتفى "أوخارجين " بالابتسام ، دون أن يعلق على شيء.
بيد أن عقله بدأ يتدبر أموراً أخرى. و إذا كان كائن كان يدين بالولاء للضوء قبل بضع ساعات فقط يتصرف هكذا عندما يتعرض الضوء للإهانة…
فإن نتيجة أفعال "الشذوذ " كانت واضحة تماماً.
هذه المعركة بين "الضوء " و "الشذوذ "…
بات من الجلي أن الضوء قد تكبد من الخسائر أكثر مما أدركوا.
إن الأمور… لا تبشر بخير بالنسبة لهم—
خاصة بالنظر إلى ما هم بصدد القيام به بعد ذلك. فلن يؤدي ذلك إلا إلى دفعهم دفعاً نحو هلاكهم المحتوم.