«ها ؟»
تساءل جيانغ فان في سرّه: «أثمة شيءٌ يختبئ تحت الأرض ؟»
سأل بلهجةٍ حازمة: «أما زلتم يا معشر الشياطين تجهلون الأمر حقاً ؟»
تغيرت ملامح «سي تشانغ» وبدا عليها بعضُ القتامة ، كما ظهرت على وجه «لينغ شو» -التي قلّما تُبدي استياءً- علاماتُ الضيق ؛ فمن الواضح أنَّ نعت تلميذي طائفة «الين العظيم» لهما بالهمج كان أمراً شديد الوقاحة.
أجابت «سي تشانغ»: «ليس الأمر كذلك فحين اكتُشف هذا المكان لأول مرة ، أيقن لوردات الشياطين السابقون وجود شيءٍ ما تحت هذا الختم ، لكننا لا نملك سجلاً تاريخياً يعود إلى العصور السحيقة ، ولم نستطع الجزم بطبيعة ما يُحجب في الأسفل ، لذا لم نجرؤ على التهور».
أما «لينغ شو» التي كانت تنهل من الكتب كثيراً ، فكانت أكثر إلماماً بالتفاصيل ، فقالت: «في الحقيقة ، لقد فكّر أحد أجيال لوردات الشياطين في استخدام مصفوفة قديمة قبل وفاته ، طامعاً في العثور على فرصةٍ لاختراق حدوده ورفع قوته لإطالة عمره ، لكنه عاد بعد محاولته الأولى مصاباً بجروحٍ بليغة ، وما هي إلا ثلاثة أيام قصيرة حتى وافته المنيّة ؛ فلم يظفر بزيادة في عمره ، بل عجّل برحيله».
ذهل «جيانغ فان» ، وتساءل في دهشة: «إمبراطور الشياطين عاد مصاباً ؟» ثم ركّز نظره وسأل: «ما الذي اكتشفه هناك في الأسفل ؟»
هزّت «لينغ شو» رأسها قائلة: «لا أعلم و كل ما أدريه أنَّ الإمبراطور عاد ووجهه يطفح بالذعر ، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، أصدر أمراً يمنع فيه أجيال الشياطين من استكشاف ما تحت الختم ، وإلا سيتحملون العواقب ، ومنذ ذلك الحين ، تخلى الشياطين تماماً عن أي رغبةٍ في التطلع لما يكمن في باطن الأرض».
*فحيح!*
شعر «جيانغ فان» بقشعريرةٍ تسري في جسده. يا تُرى ، أي شيءٍ مرعبٍ يقبع تحت هذا الختم ؟
*صرير...*
في تلك اللحظة بالذات ، وبفضل تلاعب ذلك الثنائي ، أُزيلت صخرة أرجوانية ضخمة كانت بمثابة عينٍ للمصفوفة ، فبدأت المصفوفة القديمة التي عملت لألف عام ، تتوقف عن الدوران ببطء. وفجأة ، بدا أرضية القاعة الكبرى وكأنها فقدت ما يسندها ؛ فبخلاف موضع عين المصفوفة ، اهتزت الأرض وهوت للأسفل ، وانبعث من باطنها ضوءٌ أحمر قاني غمر القاعة بأكملها ، وكأنها جحيمٌ أسطوري.
وبإلقاء نظرةٍ إلى الأسفل ، تبيّن أنَّ ما تحت القاعة ليس إلا بركة دماء!
وفي قلب تلك البركة كان ثمة تابوت برونزي مُعلق ، ومع انكسار الختم ، بدأت الدماء تمور وتتلاطم وتصطدم بالتابوت ، مُصدرةً أنيناً يشبه نحيب الأرواح الهائمة ، مما أضفى على المشهد طابعاً موحشاً تحت ذلك الضياء الأحمر.
«بركة دماء تحتضن تابوتاً برونزياً ، وشيطان أحمر يطوي الينابيع الصفراء!»
قالت المرأة بحماس: «لم تخطئنا كتب الشياطين القديمة ، هذا المكان هو ضريح حكيم عظيم سقط هنا في غابر الأزمان! وبما أنه ظلّ قوياً حتى بعد مماته ، فقد أُخضع للختم الأبدي منعاً لخرابه».
ردّ الرجل بحماسةٍ مماثلة: «لقد ذكرت الكتب أنَّ التحفة القوية التي كانت تخص هذا الحكيم مدفونة هنا أيضاً سنصبح من الأثرياء!»
ماذا ؟ ضريح حكيم عظيم ؟
صُدمت «سي تشانغ» و«لينغ شو» ولم تصدقا ما تسمعانه. حيث تمتمت «لينغ شو»: «أخي... هل سمعت ذلك ؟ ثمة ضريح حكيم عظيم في الأسفل!»
أما عينا «سي تشانغ» فقد لمعتا بحماسٍ جعلها تتلعثم: «هل ثمة فرصة للوصول إلى مرتبة الروح الوليدة هنا ؟»
بعد تفكيرٍ وجيز ، قال «جيانغ فان» بحزم: «لنرحل!»
ها ؟ الرحيل ؟ ترددت المرأتان ؛ فهذا ضريح حكيم ، وأقلّ قطعةٍ فيه تعدّ من كنوز القدر ، وقد قطعتا كل هذه المسافة واكتشفتا سراً عظيماً ، أترحلان الآن ؟
«هذه الكلمات قيلت عمداً لنسمعها ، لقد كشفوا وجودنا بالفعل».
وما إن أومأ «جيانغ فان» بذلك حتى استجابت المرأتان وأتبعتناه في تراجعٍ دون تردد. وبعد خطواتٍ معدودات ، انشقت الأرض التي كانتا تقفان عليها فجأة ، وانبثقت جثتان تنبعثان بطاقة «ين» كثيفة ، وشنّتا هجوماً عليهما.
وبدافع الغريزة ، رفعت «سي تشانغ» يدها ووجهت ضربتين بكفيها.
*دوي! دوي!*
بصوتٍ مكتوم ، أُطيح بالجثتين لتسقطا في بركة الدماء بالأسفل ، وما لبثتا أن خرجتا مجدداً ، لكنهما لم تهاجما ، بل وقفتا حارساً أمام تلميذي طائفة «الين العظيم».
نظرت «سي تشانغ» إلى قبضة يدها ، فوجدتها قد اصطبغت بالسواد ، حيث تغلغلت طاقة «ين» كثيفة في جسدها ، وشعرت بوخزٍ باردٍ جعلها تقطب حاجبيها. يا لها من طاقة «ين» قوية! لولا تحذير «جيانغ فان» في الوقت المناسب ، لكانتا وقعتا في فخ نصبته تلك الجثث ، ولم تكن العواقب لتقتصر على سواد القبضة فحسب ، بل ربما أصيبتا بجراحٍ بالغة.
ومع اشتداد الألم ، اقتربت بسرعة من «جيانغ فان» الذي وجّه قوساً من البرق إلى جسدها ، فتبخرت طاقة «الين» السوداء وتلاشت.
تنفست «لينغ شو» الصعداء بعد نجاتهما ، ونظرت إلى يد «سي تشانغ» المتفحمة ، مفكرةً أنها لو أصابتها لخرقت جسدها لا محالة.
سألت «لينغ شو»: «أخي ، كيف عرفت أنه اكتشف وجودنا ؟»
أجاب «جيانغ فان»: «الأمر بسيط ؛ لو كنتِ تعرفين مكان ضريح حكيم عظيم وتعرفين مكان تحفته السحرية ، أكنتِ ستأخذينها سراً ، أم كنتِ ستكتبين عنها في كتابٍ وتشاركين العالم أسرارك ؟»
آه... هل كان ثمة داعٍ للسؤال ؟ فمن ذا الذي لا يطمع في تحفة حكيم عظيم إلا إذا كان قديساً زاهداً ؟
من الواضح أنَّ التلميذ اختلق القصة في لحظتها ، وكانت مليئة بالثغرات. احمرّ وجه «لينغ شو» خجلاً ، وشعرت بحرجٍ شديد لأنها كادت تصدق تلك الأكاذيب. أما «سي تشانغ» فكانت أكثر حرجاً ، إذ قالت: «تدريبى قاصرة ، إذ سقطت في فخٍ بهذا السخف».
كان الأمر جلياً ، لقد لاحظ التلميذ وجودهم مسبقاً ، ولكي لا يثير ريبتهم ، تعمّد سرد قصة تحفة الحكيم ليغريهم بالاقتراب ، ولو استجابوا له ، لكانت الجثث الكامنة في الأسفل قد باغتتهم.
لكن تلميذي «الين العظيم» أساءا تقدير أمرين: أولهما فطنة «جيانغ فان» لكشف خطته ، وثانيهما مرافقة «جيانغ فان» لخبير من الطراز الأول بلغ كمال الطبقة التاسعة في تشكيل الجوهر.
وعليه ، تحوّل تلميذا طائفة «الين العظيم» فوراً إلى وضعية الدفاع.
كان التلميذ في العشرين من عمره ، وبدا شاحب البشرة كجثةٍ غُمرت في الماء لأيام ، وغارت عيناه في محجريهما ، مُطلقاً نظراتٍ خبيثة.
قال وهو يختبئ خلف إحدى الجثث: «أنا وانغ تشونغشياو من طائفة الين العظيم ، ومن أنتم ؟»
ظلّ يراقب المجموعة الغريبة ؛ رجل وامرأتان ، أمرٌ عادي ، لكن المرأتين كانتا تلتصقان بالرجل وكأنهما في نزهةٍ مع زوجتيه ، لا في عالمٍ سريٍ مليءٍ بالمخاطر! يا للسخافة!
ألقى «جيانغ فان» نظرةً عابرة عليهما ، بينما كانت عيناه تمسحان المكان بدقة ، ثم قال: «ما رأيك أن تستدعي كل جثثك قبل أن نتحدث ؟»
قطب «وانغ تشونغشياو» حاجبيه: «أتعرف أمر جثث الين ؟ يبدو أن هويتك ليست بسيطة أيضاً لكننا لا نملك سوى اثنتين...»
وقبل أن يكمل حديثه ، نقر «جيانغ فان» بطرف قدمه الأرض ، فتدفقت صاعقةٌ قوية وتفرعت في أرجاء المكان كشبكةٍ كهربائيةٍ غطت كل زاوية ، ومع انطلاق شرارات البرق من الجدران وتحت الأرض ، تصاعدت طاقة «ين» سوداء بكثافة.
تبدلت ملامح «وانغ تشونغشياو» وزميلته ، وصرخا مسترحمين: «أرجوك أيها السيد ، ارحمنا!»