الفصل 552: الاستجداء من أجل الرحمة
اجتاحت الأرضَ موجةٌ من الرعبِ الذي يزلزلُ الأركان!
ارتجفَ الوادى بعنفٍ ، وتلاشتْ سُحبُ السماء ، وانفجرت طبقاتُ الجليدِ العتيقةُ دفعةً واحدةً وسط فيضٍ من القوةِ السماويةِ التي لا تُضاهى.
انتصبَ خيالُ سيفٍ قديمٍ بارتفاعِ ألفِ قدمٍ ، متدثراً بنورٍ روحانيٍّ شقَّ عنانَ السماء ، وبدا كما لو كان عازماً على اختراقِ الغلافِ الجويِّ وطمسِ الشمسِ والقمرِ والنجوم. وبينما لوّح "جيانغ فان " بذراعِهِ إلى الأسفلِ بنيةٍ جامحةٍ ، هوى خيالُ السيفِ العملاقِ على السماوات!
كانت تلك الضربةُ وميضاً بارداً أضاءَ ألفَ ميلٍ ، وهزَّت "قوةُ السيفِ " أركانَ الولاياتِ التسعِ ؛ فأضاءَ الوادى المظلمُ للحظاتٍ كما لو كان في كبدِ النهار. و نظر "فانغ تايجي " إلى الأعلى ، وقد اعتلاهُ شحوبُ الرعب ، وصرخَ بذعرٍ "لا ، لا ، لا تفعل هذا! "
"لقد تصرفتُ بتهورٍ فقط ، يا جيانغ فان ، اسحب هجومَكَ الآن. و أنا "الشيخُ الأعظمُ " لطائفةِ التسعة ؛ أنا واحدٌ منكم! "
زأر "جيانغ فان " بغضبٍ لا يمكنُ كبحُ جماحِهِ "إلى الجحيمِ معك!!! "
دويٌّ هائلٌ تلا دويّاً.. سقطَ الخيالُ العملاقُ للسيفِ بقوةٍ رعديةٍ مباشرةً على "فانغ تايجي ". تجمّدَ تعبيرُ وجهِهِ من اليأس ، واستلَّ درعاً من اليشمِ معروفاً بقدراتِهِ الدفاعيةِ المذهلةِ ، القادرةِ على صدِّ ضربةٍ من "المستوى التاسعِ لتشكيلِ الجوهر " بكاملِ قوتِهِ ، وهو الدرعُ الذي أنقذَهُ من أزماتٍ لا تُحصى.
لكن ، أمامَ خيالِ السيفِ الهابط ، تفتتَ درعُ اليشمِ كالصلصال ، وتحطّمَ إلى شظايا في الحالِ دون أدنى مقاومة. وعقبَ ذلك مباشرةً ، ابتلعَ الهجومُ "فانغ تايجي " بلا رحمة.
"لا~ " صرخَ "فانغ تايجي " بيأسٍ مؤلمٍ ، مستجمعاً كلَّ ذرةِ قوةٍ في جسدِهِ ، محاولاً يائساً إيقافَ خيالِ السيف ، لكن الأمرَ كان سدى.
دويٌّ هائلٌ تلا دويّاً.. اصطدمَ السيفُ العملاقُ بالأرضِ ، مسوياً "فانغ تايجي " مع ألفِ قدمٍ من الجليدِ بالأرض ، تاركاً صدعاً لا نهايةَ له حتى ذابت طبقاتُ الجليدِ من شدةِ الارتطامِ مطلقةً سحباً كثيفةً من البخار.
ومع ذلك لم يلقَ "فانغ تايجي " حتفَهُ! فقد ومضَ بريقٌ ذهبيٌّ خافتٌ داخلَ جسدِهِ ، مشيراً إلى أنَهُ قد لامسَ عتبةَ "الجسدِ الذهبي " وهو ما أبقاهُ على قيدِ الحياة ، لكن بـ "خيطٍ رفيعٍ من الروح ". كان جسدُهُ مُدمّى ومُهشمّاً ، ولم يسلمْ شبرٌ من جلدِهِ ؛ فقد تمزقت عضلاتُ صدرِهِ وبطنِهِ وذراعيهِ وفخذيه ، لتنكشفَ بقايا عظامِهِ في مشهدٍ مروع. قُطعت ساقُهُ اليمنى واختفى كلُّ ما تحت الركبة ، واقتُطعت قطعةٌ من فروةِ رأسِهِ ، فسالَ الدمُ بغزارةٍ ليغطي وجهَهُ ، وبات تنفسُهُ ضعيفاً إلى أبعدِ الحدود.
ورغم ذلك أبدى رغبةً جامحةً في النجاة ، فزحفَ محاولاً الخروجَ من الهوة ، متمايلاً نحو أعماقِ الوادى ، وهو يصرخُ بصوتٍ أجش "أيتها المحظيةُ يونشيا~ أنقذيني~ "
كانت نظراتُ "جيانغ فان " الجليديةُ تشتعلُ ببرودةِ الصقيع! ما زالُ حياً! قفزَ في الهواءِ مستخدماً تقنيتَهُ الحركيةَ ، متزلجاً على الجدارِ الجليديِّ بدقةٍ ورشاقة ، ثم مدَّ كفَّهُ وأمر ، فظهرَ "جبلُ اليوانِ المغناطيسيِّ الخماسيّ " في قبضتِهِ ، وقذفَهُ بقوةٍ ليتحولَ إلى جبلٍ رعديٍّ يسحقُ "فانغ تايجي ".
بذل "فانغ تايجي " كلَّ قوتِهِ لرفعِ ذراعيهِ في مقاومةٍ يائسة ؛ ولو كان في ذروتِهِ لصدَّهُ بلكمةٍ واحدة ، لكن الآن ، سحقتْ قوةُ الجبلِ ذراعيهِ فوراً ، وثبّتت نصفَ جسدِهِ تحت وزنِهِ الهائل. مهما حاولَ لم يستطع التحررَ أو تحريكَ الجبلِ قيدَ أنملة حتى ترددَ صوتٌ مرعبٌ في الأرجاء.
ظهر "جيانغ فان " أمامَهُ فجأة ، فتقلصت حدقتا "فانغ تايجي " بذعر ، وتوسل "جيانغ فان ، امنحني فرصةً لأكفّرَ عن ذنوبي. بقدرتي ، ما زالُ بإمكاني تقديمُ مساهماتٍ كبيرةٍ لعشيرةِ البشر. "
ظلَّ تعبيرُ "جيانغ فان " بارداً كالصقيع ، وقال بصوتٍ يقطرُ برودةً "ما الذي أرادَ الشيخُ "تشاو ووجي " أن تُخبرني به قبلَ أن يموت ؟ "
تردد "فانغ تايجي " ودارت عيناهُ بمكرٍ ، ولم يجرؤ على الرد. وفجأةً ، رفع "جيانغ فان " قدمَهُ وسحقَ يدَ "فانغ تايجي " اليمنى تحتها ، ثم زأر بوجهٍ اللحم المقددٍ غضباً كأنَهُ وحشٌ كاسر "تكلّم!! "
تمتم "فانغ تايجي " مُكرهاً "قال... "قمةُ العيشِ الرغيد " في طائفةِ الغيومِ الخضراءِ لا تضمُّ جبناء. "عدمُ الذهابِ هو خسارتُكَ ". "
تجمّد "جيانغ فان " في مكانِهِ ؛ تذكرَ ذلك اليومَ الذي انضمَّ فيه إلى "جناحِ الآليةِ السماوية ". في ذلك الحين ، نبذَهُ شيوخُ القممِ الأخرى تماماً ، ولم يتمسكْ به سوى الشيخ "تشاو ووجي " و "وين هونغياو " اللذين دافعا عنه بشراسةٍ ليضمّاه ، وأعادا الكرامةَ لصبيٍّ فقيرٍ لا يملكُ نفوذاً. حيث كان يظنُّ أن الأمرَ قد انتهى منذ زمن ، ولم يتوقعْ قط أن يظلَّ رفضُهُ لأن يكونَ تلميذَ "تشاو ووجي " حسرةً في قلبِ الشيخِ حتى وفاتِهِ.
اقتربت "تشيو شينغنان " وهي تعرجُ ممسكةً بجرحِها ، وقالت بصوتٍ مكلوم "جيانغ فان... الشيخ "تشاو " لم يكن يخشى الموتَ يوماً ، لكنه كان يخشى أن تموتَ أنت ، ويخشى أن تخسرَكَ طائفةُ الغيومِ الخضراء. "
شعر "جيانغ فان " بصدرِهِ وكأنَهُ يغصُّ بمياهِ البحر ؛ ملوحةٌ وثقلٌ لا يُطاقان. قست نظراتُ "تشيو شينغنان " وهي تقعُ على وجهِ "فانغ تايجي " العجوزِ المُهشم ، وفاضت منها كراهيةٌ عارمة "هذا الوغدُ هو المسؤول! لقد خانَ مكانَ وجودِك لينقذَ نفسَهُ ، ولم يكن أمامَ الشيخِ "تشاو " خيارٌ سوى التضحيةِ بنفسِهِ. لقد فعلَ ذلك ليشتري لنا وقتاً ثميناً ويحذّرَك بالهروب. "
انفجرت الكراهيةُ في عيني "جيانغ فان " كفيضانٍ ، وسحقَ صدرَ "فانغ تايجي " بقدمِهِ بقسوة "فانغ تايجي! هل أنتَ جديرٌ بأن تكونَ شيخاً أعظمَ لطائفةِ التسعة ؟ هل أنتَ جديرٌ حتى بأن تكونَ بشراً ؟ "
سعل "فانغ تايجي " وبصقَ كتلةً من اللحمِ المدمّى ، وأدرك أن نجاتَهُ مستحيلة. مسحَ الدمَ عن زاويةِ فمِهِ ونظرَ إليه بنظراتٍ خبيثة "أردتُ فقط أن أعيش! هل هذه جريمة ؟ "
ارتطم رأسُ "فانغ تايجي " بالأرضِ الجليديةِ تحت وطأةِ قدمِ "جيانغ فان " الذي ضغطَ بنصفِ وجهِهِ على السطحِ البارد ، وزأر "وماذا عن الشيوخِ الذين قتلتَهم ، أيُّ ذنبٍ اقترفوه ؟ "
ضحك "فانغ تايجي " بجنونٍ هستيري ، ورغمَ أن فمَهُ كان مضغوطاً بالأرض إلا أنه سخرَ بتحدٍ "ذنبُهم الوحيدُ أنهم كانوا ضعفاء! فالضعفُ هو الخطيئةُ الكبرى! أما عمُّك "تشاو ووجي " ؟ فقد سحقتُهُ كالنملة ، وقتلتُهُ بسهولة. وتخيل كانت أمنيتُهُ الأخيرةُ أن يؤخرَني للحظةٍ أخرى! يا له من أحمقَ مثيرٍ للشفقة! "
تأججَ غضبُ "جيانغ فان " بلا حدود ، واجتاحت صورُ مصرعِ "تشاو ووجي " المروعِ مخيلتَهُ ، واستحوذتِ الكراهيةُ على وعيِهِ. ولحسنِ الحظ ، تدخلت "تشيو شينغنان " محذرةً "جيانغ فان ، لا تقع في فخاخِهِ. إنه يستفزُّكَ عمداً ليحبسَكَ في دوامةٍ من العذابِ والندم ، ويفسدَ قلبَ طريقِكَ القتاليّ. حتى في موتِهِ ، يظلُّ هذا الوغدُ دنيئاً ومكاراً! "
أشارت إلى عنقِهِ لتقطعَهُ وتنهيَ حياتَهُ ، لكن "جيانغ فان " منعَها وقال ببرود "موتهُ بهذه الطريقةِ سيكون رحمةً كبرى له! "
سخر "فانغ تايجي " "أتظنُّ أنك تستطيعُ تعذيبي ؟ إن أردتُ الموت ، يمكنني قطعُ مساراتِ طاقتي وتفجيرُ نفسِي في أيِّ وقت! "
لم يزد "جيانغ فان " بكلمة ، ولم يلجأ إلى التعذيب ، بل استلَّ ببطءٍ "السيفَ الأرجوانيَّ ". رفعهُ أمامَ "فانغ تايجي " وقال بصوتٍ جليدي "أتعرفُ هذا السيف ؟ "
حدّقَ "فانغ تايجي " بالسيف ، واتسعت عيناهُ العجوزتانِ من الصدمة "السيفُ الأرجواني ؟ "
تعمقت ابتسامةُ "جيانغ فان " الباردة "هذا صحيح. إنه السيفُ الأرجواني. وهو السيفُ ذاتُه الذي تبحثُ عنه طائفتُك العملاقةُ بجنون ، السيفُ الذي قتلَ "تي بوباي ". "
"أنت! " صرخ "فانغ تايجي " برعب.