الفصل 270: السيد المعلم لطائفة الرغبات
على حين غرة!
تردد في الأرجاء أزيزُ سهامٍ تشق عباب الهواء ؛ إذ انطلقت سهامُ النبالِ المسمومةُ كأنها وابلٌ من المطر ، وما إن استقرت في الثلوج خارج الكهف حتى أخذت تُذيبها محولةً إياها إلى سوادٍ داكن.
ولأن كلاً منهما كان متلاصقاً بجدار الصخر ، فقد تلاشت معظم السهام من حولهما ، ولم يصب "جيانغ فان " إلا سهمٌ واحدٌ في خصره....
أدركت "يو مينغ تشو " أخيراً أن "جيانغ فان " قد أنقذ حياتها ، وبينما كانت تنظر إلى مساحة الثلج المتآكلة بالخارج تملّكها الرعب ، ثم التفتت إلى "جيانغ فان " الذي كان قريباً منها للغاية ، وقالت بأسفٍ عميق "لقد أسأتُ الظن بك منذ قليل... اعذرني ".
تأكد "جيانغ فان " من خلو المكان من أفخاخ أخرى ، ثم أطلق سراحها ، وسحب سهم النبل من خصره بقوة. وحين رفع رداءه ليتفقد الأمر ، وجد أن درعه الفضي قد ناله التآكل حتى صار فيه انبعاجٌ غائر ، وكاد السهم أن يخترقه ليصل إلى جلده.
عند رؤية ذلك تملّك "يو مينغ تشو " شعورٌ أكبر بالذنب حتى احمرّ وجهها خجلاً "شكراً لإنقاذي ".
نقر "جيانغ فان " على جبينها بحدة وقال بنبرةٍ توبيخية "ما الذي علّمك إياه أسلافك ؟ ليس لديك أدنى حسٍ باليقظة! "
غطت "يو مينغ تشو " جبينها وعيناها متسعتان من الذهول "أتجرؤ على نقري وتوبيخي ؟ أنا السيّدة المبجلة لـ... " ثم صمتت في الوقت المناسب ؛ فقد كادت تفصح عن هويتها.
"أما زلتِ غير مقتنعة ؟ " استشاط "جيانغ فان " غضباً ، وأبعد يدها لينقر جبينها مجدداً "لحسن حظك أنها كانت مجرد سهام ؛ فماذا لو كانت رمالاً متحركة ، أو غازاً ساماً ، أو تعاويذ يشم متفجرة ؟ لكنا قضينا نحبنا جميعاً هنا! "
أخذت "يو مينغ تشو " تتنفس بضيقٍ وعنف ؛ يا له من وقح! أيعاني من إدمانٍ على إلقاء المواعظ ؟
قالت بغضب "كيف لي أن أعرف أن الأفخاخ في كهفٍ قديم كهذا لا تزال فعّالة ؟ "
"أتجادلينني أيضاً ؟ " نقرها "جيانغ فان " مرة أخرى وقال "استخدمي عقلكِ قليلاً. مزارعو 'الروح الوليدة ' يمكنهم التحليق في الهواء ، فلماذا قد يحتاجون لتسلق الجبال بالسلاسل الحديدية ؟ "
أوه!
تجمدت "يو مينغ تشو " في مكانها ، فقد أخرسها هذا السؤال.
تابع "جيانغ فان " بحدة "ثم هل تظنين أن التحذير المنقوش على اللوح الحجري عند المدخل قد تركه مزارعٌ من 'الروح الوليدة ' ؟ بلمحةٍ من يده كان بوسعه استخدام آلاف الطرق لمنع الدخلاء ، فلماذا يحتاج لوضع لوحةٍ لتحذير الآخرين ؟ "
شعرت "يو مينغ تشو " بوخزٍ في ضميرها ؛ فقد ركزت فقط على كون هذا الكهف يعود لـ "الروح الوليدة " مما جعلها تتغافل عن هذه التفاصيل.
أي كيانٍ كان هؤلاء المزارعون ؟ في أعينهم لم يكن مزارعو 'تشكيل الجوهر ' سوى نملٍ صغير ، فهل يحتاج المرء لوضع لوحةٍ لتحذير النمل ؟ وبالنظر إلى السلاسل الحديدية ، فالأمر يبدو كأن شخصاً ما اكتشف هذا الكهف ، وعمل على احتكاره بوضع لوحةٍ تخيف الناس ، وأعدّ الأفخاخ بالداخل لمنع أيٍ كان من استكشافه.
بالتفكير في هذا ، شعرت "يو مينغ تشو " بالخجل ؛ فقد فشلت في رؤية ما رآه هذا الفتى الصغير.
سألها "جيانغ فان " بجمود "هل تعترفين بخطئك ؟ "
أجابت "يو مينغ تشو " بشيءٍ من الخجل "أعترف ".
احمرّ وجهها ؛ فقد أقسمت ألا تكشف عن هويتها حتى لو واجهت الموت ، فهي "سيّدة طائفة الرغبات " المبجلة التي يوبخها الآن فتى أصغر منها ، والأسوأ من ذلك أن توبيخه في محله تماماً! لو انتشر هذا الأمر ، لتعرضت لإذلالٍ لا يُغتفر!
بعد أن أذعنت ، تجرأ "جيانغ فان " على دخول الكهف برفقتها ؛ فمن يدري ما قد يحدث لو استمرت في عنادها وأطلقت فخاً آخر ؟
قال "جيانغ فان " بنبرةٍ أكثر ليونة "لا تلمسي شيئاً بالداخل دون إذني ".
ضحكت "يو مينغ تشو " بمرارة "فهمت ذلك ".
دخلا الكهف الذي ظل مغلقاً لدهورٍ لا يعلمها إلا الاله ، وفور دخولهما ، لاحظ "جيانغ فان " قاعدة نبالٍ متقنة الصنع ؛ وهي التي أُطلقت منها خمسون سهماً مسموماً. وما أثار دهشة "جيانغ فان " هو وجود جثةٍ هامدة في الطرف الآخر من القاعدة ، تبدو وكأنها فارقت الحياة قبل عشرين أو ثلاثين عاماً.
فكر "جيانغ فان " "لابد أن هذا هو من احتل الكهف ، لقد مات وهو يحرس القاعدة ، رافضاً دخول أي غريب ، يا له من تملكٍ شديد ".
فجأةً ، لاحظ "جيانغ فان " لفافة خيزران في كف الجثة اليمنى ، وقد ظهر في زاويتها عبارة "تقنية من المستوى الأرضي ".
لاحظت "يو مينغ تشو " ذلك أيضاً ، واتسعت حدقتا عينيها ، لكنها لم تتسرع.
التفت "جيانغ فان " وقال بمفاجأة "أوه ؟ لستِ غبية إذن ".
ارتجف فم "يو مينغ تشو " ؛ فما حدث عند البوابة كان مجرد غفلة ، لا يعني أنها تفتقر للخبرة ، هل يظنها فتاةً ساذجة ؟ قالت بمرارة "إنه فخٌ بلا شك. تقنيةٌ من المستوى الأرضي بتلك الأهمية ، كيف تكون ملقاةً في يد الجثة هكذا ؟ أليس هذا استدراجاً لشخصٍ ما ؟ "
أومأ "جيانغ فان " معبراً عن رضاه "لقد تقدمتِ كثيراً ".
قلبت "يو مينغ تشو " عينيها "شكراً لإطرائك ".
اقتربت من الجثة بحذر ، وجثت على ركبتيها ، مثبتةً بصرها على اللفافة ، وسرعان ما لمحت خيطاً فولاذياً دقيقاً يصل اللفافة بقدم الجثة.
نظرت من خلال الفجوة تحت القدم وقالت بسخرية "كما توقعت ، إنها تعويذة متفجرة. و من يحاول أخذ اللفافة سيسحب الخيط ، مما يؤدي لانهيار الكهف بأكمله ، ليُدفن الدخيل معه! يا له من عقلٍ خبيث! "
ظهرت لمحةٌ من الإعجاب في عيني "جيانغ فان " ؛ فلقد امتلكت هذه الفتاة قدرةً فائقة على الملاحظة ، وكأنها كانت تخفي براعتها. والأكثر إثارة كان احترافيتها في التعامل مع الأفخاخ ، فقد أمسكت بالخيط بيدٍ لمنع التفجير ، وبيدها الأخرى أطاحت بالجثة التي اصطدمت بالجدار وتفتتت ، لتظهر التعويذة خلفها.
"إنها تعويذة يشم متفجرة تعادل ضربة من الطبقة التاسعة لـ 'تشكيل الجوهر '! " قالت "يو مينغ تشو " بحماس ، ثم سارعت لقطع الخيط وإبطال التعويذة ، ووجهها يتهلل فرحاً ؛ فهذه التعويذة كفيلة بأن يعجز أي سيد طائفة عن التصدي لها في الممالك التسع.
قالت وهي تتأمل الكنز "جيانغ فان ، دعني آخذ هذه ، ولك الحق في اختيار القطعتين التاليتين ، ما رأيك ؟ " كانت تشعر بالحرج لخرقها وعدها له بالاختيار الأول.
أجابها "جيانغ فان " بمرونة "لا بأس ".
فقد كان يملك تعويذة من "الروح الوليدة " تفوق هذه بمراحل ، لذا كان تبادلها بقطعتين أخريين صفقة رابحة.
فجأةً ، لمح "جيانغ فان " ضوءاً أخضر باهتاً ، وحين التفت ، وجد الضوء ينبعث من بقايا الجثة المحطمة ، تحديداً من بطنها الذي كان يتوهج من خلف الجلد الجاف.
تجاوزت دقات قلبه المعتاد ، فكر في أن صاحب هذا الكهف الذي اعتبر الكنوز حياته ، لن يسمح لأحد بامتلاكها حتى بعد مماته ، فأين كان سيخفي كنزَه الحقيقي إذن ؟
وبينما كان يحدق في ذلك الضوء داخل الأحشاء ، أخذ قلبه يخفق بشدة!