"هزيزُ الرياح القواصِم! "
تعالت أصوات ريحٍ ثاقبة مع اندفاع جيش "موتى الصخر العمالقة " بعويلٍ يبعث الرعب في الأرواح ، ليعترضوا طريق "تشين تشين ".
لقد كان أولئك الموتى عمالقةً بحق ، اصطفوا سداً منيعاً أمام "تشين تشين " فحالوا بينه وبين ملاحقة الإمبراطور "تشو " بسهولة ؛ إذ لم تكن قوة هؤلاء الصخريين بالأمر الذي يُستهان به.
سلّ "تشين تشين " نصله "نصل الشيطان المتعطش للدماء " وأخذ يضربهم بضراوةٍ بالغة ، لكن خيال الإمبراطور "تشو " كان يبتعدُ أكثر فأكثر حتى غاب عن الأنظار تماماً.
"سأهبُك حياتك مؤقتاً. "
رمق "تشين تشين " المدى الذي اختفى فيه الإمبراطور ، وبريقُ البرودة يشع من عينيه ؛ فقد عقد العزم على قتله ، وإن فاته اليوم ، فلن يفرَّ من قدره المحتوم غداً.
ثم التفت ببصره نحو جيش موتى الصخر الذين سدوا عليه الطريق. و لقد كانت هذه القوة كارثةً محققة ، والقضاء عليهم يعدُّ نصراً مؤزراً يستحق العناء.
وبغياب أوامر الإمبراطور ، دبت الفوضى في صفوفهم ، فصاروا أمام "تشين تشين " كحصاد السنابل بين يدي زارعٍ حذق ، يقطعهم ويذروهم دون عناء.
وما هي إلا ربع ساعة حتى أعلن جيش الموتى فناءه التام ، وتناثرت بقايا الحجارة المحطمة في كل حدبٍ وصوب. غدا القصر الإمبراطوري أطلالاً دارسة ، وخرباً لم تعد تصلح للسكنى بعد أن عاث فيها الدمار.
ومع فرار الإمبراطور "تشو " لم يتوانَ بقية أفراد العائلة المالكة في الهروب تِباعاً ، مستغلين انشغال "تشين تشين " بمجزرة موتى الصخر.
في تلك اللحظة ، ومع غمد "تشين تشين " لنصله ، خيّم على القصر صمتٌ جنائزي مريب ، ولم يبقَ في أرجائه سواه.
لكنَّ جلبة المعركة الهائلة كانت قد لفتت أنظار القوى المجاورة ، وراقبته عيونٌ لا تُحصى من مخابئها ، واجفةً لا تجرؤ على النبس ببنت شفة. و لقد دُمِّر القصر ، وفَرَّ الإمبراطور ، وسُوي الصرح بالأرض مخلفاً قتلى وجرحى لا حصر لهم ، وكلُّ ذلك كان بصنع يد "تشين تشين " وحده!
أيُّ قوةٍ باطشةٍ هذه التي يملكها ؟ لقد شقَّ طريقه وحيداً وسط القصر ، وأجبر الإمبراطور على نبذ عرشه والفرار بجلده!
نظر "تشين تشين " نحو الأفق ، حيث "طائفة أصل القديس العظيم " وقال بصوتٍ هادر "انتظرني أيها الإمبراطور الوضيع ، سأفصل رأسك عن جسدك بيدي هاتين! "
كان يدرك أن "تشو " قد احتمى بتلك الطائفة التي تحشد الآن أقوى رجالات سلالة "أصل العظيم " ولم يكن من الحكمة الاندفاع نحوهم بتهور ؛ ليس خوفاً ، بل لأنه بات يدرك أن كل خطوة يخطوها تؤثر فيمن حوله ، فكان لزاماً عليه مراعاة المصالح الكبرى وحماية من يعتمدون عليه. ثم ولى ظهره ورحل.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى تقاطر الناس نحو القصر الإمبراطوري ، ووقفوا مبهوتين أمام أطلالٍ تشبه ساحات الحروب الطاحنة ، وقد عقدت الصدمة ألسنتهم....
وفي "طائفة أصل القديس العظيم ".
كان ثلة من الحراس يغالبون النعاس والملل في مراكزهم ؛ فقد كانت مهامهم صوريةً بحتة ، إذ لا يجرؤ أحدٌ على المساس بهيبة الطائفة ، مما جعل عملهم رتيباً.
وفجأة ، اقترب خيالٌ يسبقه أزيز الريح ، مما أفزع الحراس وأيقظهم من غفلتهم.
"من القادم ؟ توقف مكانك ، هذه طائفة أصل القديس العظيم! " صرخ أحد الحراس محذراً.
كان القادم هو الإمبراطور "تشو " بنفسه ، وقد استشاط غضباً من قوله ، فصاح بنبرةٍ حانقة "ألم تعد تعرفني ؟! "
ومع كلماته ، انبعثت منه هالة إمبراطورية مهيبة زلزلت المكان. بُهت الحراس في أماكنهم ، ولم يدركوا هويته إلا بعد أن أطلق تلك القوة ؛ ولم يكن اللوم يقع عليهم ، إذ لا يشبه هذا الرجل الواقف أمامهم ذلك الإمبراطور الشامخ الذي لا يُقهر. حيث كانت ثيابه الإمبراطورية ممزقة ، وجسده مغطى بالجراح والأدران ، كأنه صعلوكٌ من صعاليك الطرقات.
"نعتذر يا صاحب الجلالة! " سجد الحراس هلعاً ، وعلامات الدهشة ترتسم في مخيلتهم: من ذا الذي أذاق الإمبراطور هذا الهوان وأوصله إلى هذه الشرط ؟
اندفع الإمبراطور "تشو " نحو الداخل حتى وجد "يو تيانتشي " و "زاي تيانهاو " اللذين كانا يتبادلان المشورة بشأن القضاء على "طائفة زهرة الفراشة الإلهية ".
صُدما من هيئته الرثة ، وسأل "زاي تيانهاو " بذهول "ما الذي حلَّ بك ؟ لم نركَ يوماً في مثل هذا الوضع! "
لم يكن الإمبراطور في حالٍ تسمح له بتهذيب هندامه ، بل كان جلَّ اهتمامه منصباً على الانتقام ، فأجاب فوراً "لقد هاجم تشين تشين القصر الإمبراطوري. "
"ماذا تعني ؟ أتقصد أن تشين تشين هو من ألحق بك هذا الخزي ؟ " قطب "يو تيانتشي " حاجبيه بوجوم.
وعلى الرغم من شعور الإمبراطور بالخزي إلا أنه اضطر للاعتراف "هو بعينه. والأدهى من ذلك أن جيش موتى الصخر العمالقة قد أبيد تماماً. " قالها وهو يجز على أسنانه ، وقلبه يتقطر دماً على ضياع تلك الورقة الرابحة.
"ماذا ؟! "
أظلمت وجوه "زاي تيانهاو " و "يو تيانتشي " على الفور ؛ فجيش الموتى لم يكن ملكاً للإمبراطور ، بل كان منحةً منهما ، وسبق أن وبخاه لاستخدامهم في معركة مدينة "تشو " الإمبراطورية قبل الأوان ، وها هو الآن يفقدهم بالكلية.
"ماذا فعلت أيها الأخمق! " صاح "زاي تيانهاو " في وجه الإمبراطور. ففي نظره لم يكن الإمبراطور سوى بيدقٍ على رقعة شطرنج ، وضياع جيش الموتى أثار حنقه الشديد.
رد الإمبراطور بوجهٍ واجم "لم يكن خطئي حقاً ، لقد ازداد ذلك الفتى قوةً بشكلٍ مرعب! لقد نجا من ضربة الجيش المجمعة دون أن يلقى حتفه أو يصاب بجروح بالغة ؛ ولولا تضحية جيش الموتى ، لكنت الآن في عداد الهالكين. "
"أزداد قوةً مرة أخرى ؟ "
سقط هذا الخبر كالصاعقة على "يو تيانتشي " و "زاي تيانهاو " ؛ فهذا آخر ما يودان سماعه. إن سرعة نموه تفوق الخيال! فمن معركة مدينة "تشو " إلى "طائفة نصل السماء المقدسة " وصولاً إلى القصر الإمبراطوري ؛ كان تشين تشين يزداد قوةً مع كل مواجهة ، وكل ذلك حدث في غضون نصف شهرٍ فقط!
إن نصف شهرٍ لا يكفي لمقاتلين مثلهم إلا لصقلٍ يسير ، فكيف يتطور هذا الوحش بهذه السرعة ؟
أظلمت سحنة القادة حتى كادت تقطر سواداً ، وقال "زاي تيانهاو " بحزم "اذهب واستدعِ 'شيانغ شواني ' ، و 'مو شينتيان ' ، ورؤساء عشائر 'هوو ' و 'مينغ ' و 'الأصلية ' و 'ترويض الوحوش '. علينا التسريع في تصفية طائفة زهرة الفراشة الإلهية. "
لقد تم دمج عشيرة ترويض الوحوش في الطائفة بالأمس ، ولم يتبقَّ خارج سيطرتهم في السلالة سوى "طائفة زهرة الفراشة الإلهية " و "طائفة نصل السماء المقدسة ". ورغم أن "زاي " كان يخطط بتؤدة لضمان عدم تكرار ما حدث مع طائفة الشفرة إلا أن تسارع الأحداث جعله يدرك أن الانتظار لم يعد خياراً متاحاً.