هوى «آو يونشياو» عن منصة القتال ، وارتطم رأسه بالأرض الباردة ، فجرت دماء قانية على وجهه ، لكنه بدا وكأنه لا يشعر بشيء البتة ، مستلقياً في خمول ، وقد خبت تلك الحدة والكبرياء اللذان طالما تألقا في عينيه.
كانت تعابير وجه «ملك سيف السماء الزرقاء» في غاية القتامة ، فيما تعالت التنهيدات من كل صوب. هل كان «آو يونشياو» ضعيفاً جداً ؟ أم أن موهبته كانت قاصرة ؟ لا لم يكن ذلك كذلك ؛ بل كان الأمر أن ثمة شيطاناً أكثر رعباً كان يتربص به. ففي مثل هذه المنصة ، وتحت أنظار الجميع ، أن يُهزم المرء مرتين متتاليتين ؛ لهو أشد وطأة على نفسٍ تعتبر كل من سواها دونها لم تعتد إلا الشموخ.
وفي تلك اللحظة ، اتجهت الأنظار صوب «يان جينغ ياو». كانت تلك الفتاة الباردة ، قليلة الكلام ، فائقة الجمال والموهبة ، تبدو كأنها ابنة السماء المدللة التي حازت كل ما تحسدها عليه النساء. لم يظهر على محياها أي أثر لاضطراب ، فمشت بخطى وئيدة نحو «لوحة السماء» ، وخطت اسمها في المرتبة الثالثة.
بدأ العد التنازلي لثلاثين نَفَساً ، فتطلعت أعين الحاضرين نحو «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان». فبما أنهما لم يتحديا «جينغ كونغ» من قبل ، فهل سيتحديان «يان جينغ ياو» الآن ؟ وإن لم يفعلا ، فإن الخاسر بينهما سيجد نفسه قد تخلف كثيراً عن ركبها. غير أن «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان» ظلا كأنما سُمرا في مكانيهما ، لا يحركان ساكناً.
نودي: «صاحبة المرتبة الثالثة على لوحة السماء ، من طائفة زهرة الفراشة ، يان جينغ ياو!»
هبطت «يان جينغ ياو» من المنصة ، وكانت قنوعة بهذا التكريم الرفيع. وقبيل أن تطأ قدماها الأرض ، تجمّد جسدها فجأة ؛ فالتفتت برأسها لتنظر إلى «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان» فوق المنصة ، ثم استقرت عيناها للحظة على «تشين تشين» ، واضطربت عيناها الجميلتان قليلاً قبل أن تبتعد.
صعد «آو يونشياو» مجدداً إلى منصة القتال ، وألقى نظرة على «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان» ، فبدا على عينيه التردد والحيرة. أما «تشين تشين» ، فقد تجاهله تماماً.
كان الناس يتهامسون: «من المحال أن يطمح آو يونشياو للمركز الأول ، وما دام لم يفقد عقله ، فلن يسعى لاحتلال ذلك الموقع. إذن ، بين المركز الرابع والسابع والثامن ، كيف سيختار ؟». استطاع البعض قراءة ما يدور في خلده من نظراته المترددة. إن اختار «آو يونشياو» المركز الرابع ، فسيكون ذلك ضغطاً هائلاً على «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان».
في نهاية المطاف ، اتخذ قراره ؛ سار نحو «لوحة السماء» وخطّ اسمه في المركز الرابع! بدأ العد التنازلي مجدداً! حبس الناس أنفاسهم ، وتعلقت أبصارهم بـ«وو يو تشينغ» و«مينغ تيان». كانت هذه آخر فرصة لهما ، والفرصة الوحيدة! فإن لم يوقفا «آو يونشياو» الآن ، فمصير أحدهما سيكون المرتبة السابعة أو الثامنة ، وهو أمر لا يطاق لمن يملك قدرات تجعله في المراكز الثلاثة الأولى.
قال أحدهم: «يملك آو يونشياو شجاعة تجعله يتجرأ على الضغط على وو يو تشينغ ومينغ تيان!» ، ورد آخر: «هذا هو صراع المراتب ، فمن ذا الذي لا يرغب في صنع التاريخ ؟ الأمر يستحق المخاطرة!»
وعلق ثالث: «وو يو تشينغ ومينغ تيان متكبران للغاية حتى إنهما لا يرغبان في التقدم لإيقافه ، كأن ذلك سيعني أنهما أصبحا أدنى من بعضهما!».
وأضاف آخر: «يكفي أن يتقدم أحدهما ، ولن يحتاج إلى تحريك ساكن ، وأجزم أن آو يونشياو لن يجرؤ على التفوه بكلمة!».
«على الأقل ضمن المركز الرابع! فأن يجد المرء متسعاً للمناورة خير له من لا شيء».
«بالنسبة لغيرهما ، المركز السابع أو الثامن تكريم عظيم ، لكن بالنسبة لهما ، هو أكبر عار!»
في تلك اللحظات ، بدت الأنفاس الثلاثون كأنها دهر. ظلت أعين «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان» معلقة ببعضهما ، ونظراتهما لا تلين. حيث كان قلب «آو يونشياو» يخفق بجنون ، يدعو الاله في سره ألا يتقدم هذان العبقريان المتكبران!
انقضت الأنفاس الثلاثون ، ونودي: «صاحب المرتبة الرابعة على لوحة السماء ، من طائفة السيف القاحل التسعة ، آو يونشياو!»
استقر اسمه على اللوحة ، فتنفس «آو يونشياو» الصعداء ، كأنما كان يغرق وأطلقه الهواء. و هبط من المنصة راضياً ، فرغم هزيمته مرتين كان المركز الرابع شرفاً عظيماً.
لم يتبقَّ على المنصة إلا ثلاثة. بدت نظرات الناس غريبة ؛ إذ لم يتوقع أحد أن تنتهي التصفية بوجود هؤلاء الثلاثة. سخر «سي لويي» قائلاً: «أيتوهم أن هذا سيجلب له الأنظار ؟ إنها الحماقة بعينها ، ومن يطمع بما لا يطيق يلقَ الهلاك!»
بدا «تشين تشين» متمسكاً بالبقاء على المنصة ، بينما تجاهله «وو يو تشينغ» و«مينغ تيان» تماماً ، وكأن المنصة قد خلت إلا منهما.
صاح «وو يو تشينغ» بكلمتين ثقيلتين: «حاربني!» ، فدبت الرعشة في أرجاء القاعة الداخلية ، وغلت دماء الحاضرين ؛ فالمواجهة الحاسمة في صراع المراتب العاشر قد بدأت!
ثبّت «مينغ تيان» نظراته التي تشبه العالم السفلي على «وو يو تشينغ» ، كأفعى سامة تتربص في الظلام ، وقال: «المركز الأول لي ، مهما بلغت قوتك ، سيظل لي». كانت كلماته مشحونة بثقة نابعة من أعماق روحه!
تصاعدت هالة من الوحشية المرعبة من جسد «وو يو تشينغ» ، كأنما نمر إلهي بربري يستعد للانقضاض ، فابتسم وقال: «يا أخ مينغ ، ما زال الوقت مبكراً لمثل هذا القول! فالنتائج لا تُحسم بالتمني ، بل تُحسم بـ...»
«دوي!»
لم يكد ينهي كلمته حتى انفجرت هالة مدمرة من قبضتيه القاسيتين ، وهتف: «القبضات!»
«خِف!»
في اللحظة التي انطلق فيها صوته ، ترك «وو يو تشينغ» أثراً لجسده في المكان ، وأطلق هالة مرعبة زلزلت السماوات والأرض. وقف «مينغ تيان» كبئر قديمة لا تموج لها صفحة ، ثم ومضت عيناه المظلمتان ببريق خافت وهو يقول: «نِزال!»
«دوي!»
انبثقت من أمامه خيوط من دخان أسود ، بدت أثيرية ولا صاحب لها ، لكنها في الحقيقة كانت كالأفاعي ، وكان «مينغ تيان» هو سيدها المطاع!
«التهام الجحيم!»
صدرت هذه الصرخة الأجشة من حنجرته ، وفي اللحظة التالية ، اجتاحت أمواج عاتية السماوات التسع! ذُهل المشاهدون جميعاً ؛ فهذه لم تعد معركة بين ممارسي فنون القتال في «مملكة الزهرة البدائية» ، بل بلغت مستوى «مملكة الوصول للسماء»! لقد كان نزالاً مرعباً ، لا يقل شأناً عن مواجهة بين أساطير تلك المملكة العلية!