«أتعلم أين يقع "تشين تشين " ؟»
رمق "تشانغ سيجينغ " "تانغ كانغ " بطرف عينه ، وقد لاحظ هدوء ملامحه ، ثم التفت نحو "سو يون " و "لي لين فينغ " اللذين بدت عليهما علامات الارتباك ، فتملكه الشك. هو ليس بالأحمق ، فالتغير في تعابير "سو يون " و "لي لين فينغ " يشير إلى وجود أمرٍ مريب ، وخاصة "تانغ كانغ " في هذه اللحظة ، إذ كان هدوؤه مبالغاً فيه إلى حدٍ يثير الريبة.
أومأ "تانغ كانغ " برأسه قائلاً: «أعلم ، ولكن لدي شرط ؛ يجب أن تطلق سراح الآخرين أولاً ، وحينها فقط سأدلك على مكان "تشين تشين "».
وما إن سمع الحاضرون ذلك حتى تباينت ردود أفعالهم ؛ فبين من ارتسمت على وجوههم الحيرة ، وبين من غمرتهم السعادة.
صاح "بي تشونغ " ساخراً وهو يسارع إلى فضح "تانغ كانغ " دون تردد ، خوفاً من أن تطاله العواقب بسببه ، فهو من كان قد أشار إليه سابقاً: «لا تصغوا إلى ترهاته! فمع أنني لا أعلم إن كان يملك معلومةً حقيقيةً عن مكان "تشين تشين " أم لا إلا أنني واثقٌ من أنه يخدعكم! وما أقوله الآن هو الحقيقة المحضة ، فلا سبب يدعوني للكذب عليكم!».
لقد كان "بي تشونغ " مستعداً لبيع "تانغ كانغ " والآخرين جميعاً لأجل فرصةٍ ضئيلةٍ للنجاة ؛ إذ كانت حياة الناس في نظره لا تعني شيئاً ، ولم يكن يكترث إلا لنفسه.
وهنا ، أيده تلامذة الرداء الفضي الثلاثة الذين كانوا محتجزين معه: « "بي تشونغ تيانلاو " محق ، إنه يكذب صراحةً! ما يقوله "بي تشونغ تيانلاو " هو عين الحقيقة ، ونحن مستعدون لنشهد بأرواحنا على ذلك!». لقد وقفوا في صفه طلباً للنجاة ، مما أثار استياء وغضب الكثيرين من طائفة "الشفره السماويه المقدسة ".
انتقلت نظرات "تشانغ سيجينغ " بين "تانغ كانغ " و "بي تشونغ " ثم قال أخيراً: «لقد اخترت أن أصدقك» ، وثبتت عيناه على "بي تشونغ ". فقد كان يرى أن "بي تشونغ " لا يملك سبباً ليخدع "تانغ كانغ " لا سيما وأن زمام المبادرة كان ما زال بيد "العائلات الاثنتي عشرة " ولو اتبعوا مقترح "تانغ كانغ " لأصبحوا في موقف المغلوب على أمره.
شعر "بي تشونغ " بزهوٍ غامر ، ووجّه نظره نحو "تانغ كانغ " قائلاً: «يا "تانغ كانغ " لقد عشت سنين طويلة ، ألا تدرك كم كان من الصعب بلوغ ما وصلنا إليه اليوم ؟ إذا كنت ذكياً ، فافصح عن مكان "تشين تشين " ؛ وفر على نفسك هذا العناء ، فالموقف لا يستحق كل هذا!».
نظر "تانغ كانغ " إلى "بي تشونغ " ببرودٍ وقال: «حقاً لم يكن الوصول إلى ما نحن عليه اليوم بالأمر الهين ، ولكنني أعرف يقيناً ما يجب عليّ فعله بصفتي شيخاً من شيوخ طائفة "الشفره السماويه المقدسة "».
فما الغاية من وجود شيوخ الطائفة إن لم تكن مساعدة التلامذة ؟ أما "بي تشونغ " هذا ، فقد تخلّى عن الجميع في سبيل نجاته ، وهو سلوكٌ أنانيٌ لا يمت للمروءة بصلة ، ولا يؤهله ليكون شيخاً في هذه الطائفة!
ضحك "بي تشونغ " وقال: «أعلم جيداً واجبات الشيخ ، ولكن ما نفع الواجبات والمسؤوليات إن فنيت الحياة ؟ وبما أنك تتحدث عن كونك شيخاً في طائفة "الشفره السماويه المقدسة " فلماذا لا تُحسن إلينا ؟ فنحن التلامذة الذين نمثل مستقبل الطائفة وأملها ، وأنت قد بلغت من العمر أرذله ، ألا يكفيك ما عشته ؟ فصح عن مكان "تشين تشين " لتكون لنا عوناً ، وستذكر الطائفة جميلك هذا!».
وعاد تلامذة الرداء الفضي الثلاثة ليؤكدوا كلامه ، مما أثار غضب "لي لين فينغ " الذي رمقهم بنظراتٍ حارقة: «ألا تستحون ؟ إن تدني أخلاقكم لبلوغٌ مذهل!».
فردّ عليه أحدهم باستهزاء: «وما قيمة الحياء أمام الحياة ؟ يمكنني الاستغناء عن وجهي وكرامتي ، فهل يمكنك أن تمنحني الحياة ؟» ؛ فالحياة في نظره فوق كل اعتبار.
هز "لي لين فينغ " رأسه مستهجناً: «أمن دون أي شيء ، لا يتبقى سوى الحياة ؟ ما قيمة المرء إذاً ؟».
قال "تشانغ سيجينغ " بحدة: «كفاكم حديثاً ، تكلموا!» ، ثم أخرج سوطاً فضياً تألق فيه شرارات الكهرباء ؛ فلو أصاب أحداً ، لن ينجو منه إلا أصحاب الأجساد المتمرسة مثل "تشين تشين ".
أجاب "لي لين فينغ " والآخرون: «لا نعلم» ، ولو علموا لما أفصحوا! والحقيقة أنهم كانوا يجهلون المكان فعلاً.
قال "تشانغ سيجينغ " متهكماً: «يبدو أنكم ترغبون في تذوق العذاب!» ، ثم لوّح بالسوط ، ليشق الهواء بصوتٍ مدوٍّ ويهوي به عليهم.
«طاخ!»
مزق السوط جلودهم وانبثق الدماء ؛ فصرخوا جميعاً من شدة الألم. فلم يكن سوطاً عادياً ، بل كانت الصواعق تنفذ إلى لحمهم وتنهش أجسادهم كأفاعٍ سامة ؛ ومن ذا الذي يستطيع تحمل هذا الألم ؟ حتى "تشين تشين " لو كان مكانهم لما استطاع كتم صرخته.
سأل "تشانغ سيجينغ " بابتسامة خافتة: «والآن ، أتتكلمون ؟».
صاح "بي تشونغ " محتقناً من غضبه: «تباً لكم ، علامَ التردد ؟ ما الذي قدمه لكم "تشين تشين " لتدافعوا عنه هكذا ؟ ألا يكفيكم ألم السوط ؟».
ابتسم "تانغ كانغ " رغم ألمه: «أمثالك لن يفهموا أبداً».
«طاخ!»
هوى السوط مجدداً ، وتطايرت الدماء ، وتعالت صرخاتهم. لم يعد بمقدور الحاضرين تحمل المشهد الذي بلغ ذروة القسوة.
كرر "تشانغ سيجينغ " سؤاله: «تكلموا ، أم لا ؟».
كان ردهم ابتسامةً ملطخة بالدماء: «لا».
طاخ.. طاخ.. طاخ!
استشاط "تشانغ سيجينغ " غضباً من عنادهم ، وانهال عليهم بضرباتٍ متتالية أفقدتهم وعيهم تقريباً ، ولم يعد في أجسادهم موضعٌ سليم ؛ فقد كانت هذه الضربات أشد من أي تعذيب.
صاح "بي تشونغ " وهو ينتزع السوط من يد "تشانغ سيجينغ " بجنون: «تباً! دعوني أتولَّ أمرهم ، سأريكم كيف تفتحون أفواهكم!» ، وبدأ بجلدهم بقسوة.
وفجأة ، وفي تلك اللحظة الحرجة ، تردد صوتٌ باردٌ محملٌ بغضبٍ عارم: «حاول أن تتحرك شبراً واحداً ، وانظر ماذا سيحل بك!».