«تأخرتُ قليلاً ، أرجو ألا تأخذوا الأمر على محملٍ سيئ!»
دوى صوتٌ هائلٌ مباغتٌ من السماء ، مباغتاً الحضور جميعاً ، وسرعان ما أدى ذلك إلى توقف «محفل الطوائف الثلاث» القتالي الذي كان في أوج اشتعاله توقفاً تاماً وفجائياً.
اتجهت أنظار الجميع فوراً نحو السماء. وفي الأعالي كانت الهيئة التي رصدها «سيد قفل القلب» و«الشيخ تايشو» ليست سوى «تشين تشين».
«هل وصل ؟»
كان ظهوره المفاجئ ، وهو يرتدي قبعة من الخيزران مُضفياً على نفسه طابعاً غامضاً ، كفيلاً بأن يزلزل قلوب الأبطال والشخصيات العظيمة المدعوة إلى المحفل.
تساءل «الشيخ تايشو» من «حديقة تايشو» في ذهول: «ألم يُقل إن الطوائف الثلاث نصبت شباكاً لا مهرب منها عند سفح الجبل ؟ كيف تسنى له الصعود إلى هنا ؟»
لم يسمعوا منه أدنى ضجيج! وفي تلك اللحظة ، تعلقت عينا ثلاثي «دونغ شياوتيان» بـ«تشين تشين» مباشرة. وإذا كان ظهور «تشين تشين» قد صدم الجميع ، فقد كان بالنسبة لثلاثي «دونغ شياوتيان» زلزالاً عاتياً هز كيانهم من الأعماق.
كان الجميع يدركون أن طوائفهم الثلاث قد أحكمت قبضتها بشباكٍ محكمة عند سفح الجبل. وقبل خمس دقائق فقط ، جاء من يُبلغ بأن الأوضاع عند السفح تسير جيد!
خمس دقائق فقط! ومع ذلك ظهر هو في قمة الجبل بتلك الطريقة الغامضة ؟ فما بال أولئك الرجال عند سفح الجبل ؟ وكيف تسلل «تشين تشين» إلى هذا العلو ؟ هل يعقل ؟
فجأة ، تراءى في أذهانهم احتمالٌ لم يجرؤوا حتى على تصديقه. ولسببٍ ما ، ومع أن «دونغ شياوتيان» ومن معه كانوا يرفلون في ثقةٍ بالغة بشأن أحداث اليوم ، بدأت تلك الثقة تتداعى بمجرد رؤية ظهور «تشين تشين» المباغت.
وقف «تشين تشين» في كبد السماء ، بهيبةٍ طاغية تملأ الأفق ، ناظراً إلى جميع الأبطال من علٍ ، وقال بابتسامةٍ هادئة: «على عجَلٍ من أمري أتيت ، فلم يتسنَّ لي إعدادُ شيءٍ في جعبتي ، لكن لحسن الحظ ، أعددتُ لكم هديّةً في الجوار ، وأرجو أن تنال إعجاب سادة الطوائف الثلاث».
تسمرت عينا ثلاثي «دونغ شياوتيان» عليه ؛ هدية ؟ لم يصدقوا لحظةً أن «تشين تشين» قد كلف نفسه عناء إعداد أي هديةٍ لهم!
وبحركةٍ سريعة ، قلب «تشين تشين» كفه ليخرج عدة أكياسٍ خشنة كبيرة ، ثم أفرغ ما بداخلها دفعة واحدة. وفي لمح البصر ، تدحرجت رؤوسٌ بشريةٌ ملطخة بالدماء من السماء ، كأنها في لعبة كراتٍ مروعة. و سقطت الدفعتان من الرؤوس كأنها مطرٌ ينهال من السماء.
صمتٌ مطبق! ومع رؤية تلك الرؤوس التي لا تزال تنزف دماءً طريةً وهي تتدحرج على الأرض ، غرق ساحة التدريب في «قمة عواء القمر» في سكونٍ جنائزيٍّ مريب!
أصيب الجميع باحمق! أهذه الرؤوس هي الهدية ؟ أي ضربٍ من الهدايا هذا!
«انتظروا لحظة...»
فجأة ، ضاقت عينا «سيد قفل القلب» من «طائفة سوو شين» وهو يحدق بحدة في إحدى الرؤوس على الأرض. ورغم أن الملامح كانت مشوهةً بعض الشيء إلا أنه ميز صاحبها.
«أليس هذا هو قاعة «يين تيانزي» من القاعة الرابعة في «قاعة روح القلب» ؟ لقد ألقيت عليه التحية للتو حين صعدتُ! هل خانتني عيناي ؟» ارتجف قلب «سيد قفل القلب» بعنف ، وتملكه الشك.
«ربما لم تخنك!» قال «الشيخ تايشو» من «حديقة تايشو» وهو يرتجف: «ليس يين تيانزي فحسب ، بل أرى «سونغ شين» ، و«كونغ كانغبو» ، و«ين هونغ»... إن هؤلاء جميعاً من نفس رتبة يين تيانزي ، وهم القادة الميدانيون للطوائف الثلاث! بل إنهم هم من كانوا يحرسون سفح الجبل هذه المرة! والآن ، هم جميعاً... موتى!!!»
حتى وهو الذي عاش خمسمئة عام ، صُدم وشعر بالرعب تجاه هذا المشهد.
صاح أحد «عباقرة» «طائفة عواء القمر السماوية» مشيراً بإصبعه نحو «تشين تشين» بغضب: «أيها المتمرد الجريء! كيف تجرؤ على إهانة طوائفنا الثلاث الخماسية الكبرى علانيةً ؟!» كان يظن في قرارة نفسه أن «تشين تشين» متهورٌ وأعمى ، وأن تحدي هيبة طوائفهم هو انتحارٌ محقق!
تسللت عينا «تشين تشين» ببطء نحو ذلك العبقري. وما إن استشعر ذلك العبقري النظرة القاتلة حتى خلا ذهنه في لحظة ، وكأن لنظرات «تشين تشين» قوةً فتاكةً ملموسة ، فصار وجهه أبيض كالورق.
قال «تشين تشين» ببرود وابتسامةٍ خفيفة ، مفصلاً كلماته: «وحتى لو أهنتُ طوائفكم الثلاث ، فما الذي ستفعلونه ؟»
واو!!! ما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجر المشهد كما ينفجر البركان ، وتبدلت وجوهٌ لا تُعد ولا تُحصى. «متعجرف ، متعجرفٌ جداً! تجاوز الحد في طغيانه!»
ومع ذلك كلما زاد «تشين تشين» في تعجرفه ، بدأت قلوب البعض تتوق لرؤية العاقبة. «تشين تشين» يظهر في مثل هذا الوقت الحرج ، فما الذي ستؤول إليه الأمور ؟
«أنت... أنت!!!» تلعثم العبقري بصوتٍ مرتعش ، وقد اشتعل الغضب في قلبه ، فلم يسمع قط أحداً بمثل هذا الصلف ، يتجرأ على استفزاز الطوائف الثلاث أمام سادتها.
«أمثالك لا يستحقون حتى الوقوف للحديث معي... اركع».
لم تعد عينا «تشين تشين» تلتفت إلى ذلك العبقري ، ولكن بمجرد أن استقرت كلماته ، خارت قوى ساقي الشاب فوراً ، وركع على الأرض مباشرة. حيث كانت هذه ضربةً قاضيةً لكرامته! و لم يستخدم «تشين تشين» أياً من وسائل القوة ، بل زرع الرعب في قلب ذلك العبقري ، مما جعله ينهار لا إرادياً على ركبتيه.
وفي الحال أُسقط في أيدي بقية عباقرة الطوائف الثلاث الذين كانوا يستهزئون بـ«تشين تشين» في البداية.
تجرع الكثير منهم ريقهم بصعوبة ، فقد شعروا بجفافٍ في حلقهم وقشعريرةٍ تسرى في أجسادهم. أي وجودٍ هذا ؟ أن تسحق روح شخصٍ بمجرد كلمة ؟ كان أمراً مرعباً!
وفي هذه الأثناء ، جاء «شيخ طائفة عواء القمر السماوية» الذي أُرسل لتفقد الأوضاع عند السفح ، راكضاً في ذعرٍ وخوف ، ووصل إلى ساحة التدريب وهو يلهث: «سيد... سيد الطائفة!»
رد «دونغ شياوتيان» بغضبٍ متزايد: «تضطرب وتتوتر ، ما معنى هذا ؟!»
أجاب شيخ «طائفة عواء القمر السماوية» بسرعة دون وقتٍ للشرح: «الخبراء المئتان والأحد عشر الذين عند سفح جبلنا قد اختفوا جميعاً! والتقديرات الأولية تشير إلى أنهم قد... قُتلوا!»
ماذا!!! بمجرد أن انقضت كلمات شيخ «طائفة عواء القمر» ، كاد «دونغ شياوتيان» واثنان آخران أن يفقدوا توازنهم ويسقطوا أرضاً. أما الآخرون ، فقد وقفوا جامدين كأنما صعقهم برق! وبلغ الذعر بعباقرة الطوائف الثلاث مبلغاً جعلهم يحدقون بوجوهٍ خاوية ، فاقدي الأرواح.
مئتان وأحد عشر خبيراً من الطوائف الثلاث و كلهم... قُتلوا ؟ هذا... هذا مستحيل!!! هذا محض هراء!
لم يتبادل سوى «الشيخ تايشو» و«سيد قفل القلب» النظرات ، وقد قرأ كلاهما الصدمة في عيني الآخر ، فمن الواضح أن كلمات شيخ «طائفة عواء القمر» قد أكدت شكوكهم السابقة.
«لا... مستحيل!!!» بعد صمتٍ وجيز ، زأر «دونغ شياوتيان» بغضبٍ عارم ، وبرزت عروق عنقه ، وتدفق الدم إلى وجهه بفعل المشاعر الجياشة.