مدينة الأفكار العتيقة!
لم يكن "تشين تشين " على درايةٍ بالتغيرات التي تجري في قبيلة "تشنج يون ".
على منصةٍ حجريةٍ داخل القاعة الكبرى كان "تشين تشين " يعكف على تنقية "الفهم الحقيقي لترتيل الداو ". كان الأمر أشبه بغوصه في محيطٍ لجيٍّ من تراتيل الداو ؛ فبعد أن كان يظن سابقاً أن ترتيل الداو ليس إلا جدولاً صغيراً ، صار في مخيلته الآن أشبه بنهرٍ متدفقٍ هادر. وفي الوقت ذاته كانت "حلقة العقل " تنمو بسرعةٍ مذهلة!
بعد مضي ساعتين توقف "تشين تشين " أخيراً ، وفتح عينيه ، فانبثق منهما بريقٌ خاطفٌ أضاء المكان حتى إن دماءه بدأت تغلي من فرط الحماس.
همس في نفسه "مقارنةً بالفهم الحقيقي الأول لترتيل الداو ، لقد أتاح لي هذا أن أجني الكثير وأختبر ما هو أعظم! ".
لم يكن ذلك لأن هذا الفهم أقوى مما حصل عليه سابقاً ، بل لأن خبرته في تنقية الجزء الأول جعلت الكثير من الأمور الغامضة تتضح له ، بل والأكثر من ذلك أنه أتاح لـ "زراعة التحريك الذهني " الخاصة به أن تحقق طفرةً نوعية! غمرت الفرحةُ وجه "تشين تشين ".
اتجه نظره بعد ذلك نحو "نمل الالتهام " الذي كان يرافقه دائماً ؛ قدّر "تشين تشين " عددهم تقريبياً ، فإذا بهم يتجاوزون الأربعة آلاف نملة. جيشٌ من أربعة آلاف! حيث كان "تشين تشين " يتطلع بشوقٍ لرؤية القوة المرعبة لهذا الجيش حين يخوض المعارك.
*بوم!*
فجأةً ، هوى "تشين تشين " بقبضته على المنصة الحجرية ؛ فبقوة جسده الحالية كان من الممكن لهذه الضربة أن تفتت جبلاً ، لكن مادة هذه المنصة بدت استثنائية ، فلم تتصدع إلا كشبكة عنكبوت. *بوم! بوم! بوم!* واصل "تشين تشين " توجيه ضرباته حتى شطر المنصة إلى نصفين. وكما كان متوقعاً كان أسفلها مجوفاً.
قفز "تشين تشين " دون تردد إلى حجرةٍ سفليةٍ ليست بالكبيرة كانت تفوح منها رائحة كريهة ربما لعدم دخولها منذ زمن طويل. حيث كان أول ما وقعت عليه عيناه هو قرعٌ أسود موضوع على قاعدةٍ في منتصف الغرفة. و أدرك "تشين تشين " بلا شك أنه "دينغ تخزين الدخان " الذي أشار إليه "سلف التحريك الذهني ". كانت هذه القاعدة بمنزلة القلب لمصفوفة "مدينة الأفكار العتيقة ".
وما إن قبض "تشين تشين " على القرع حتى اهتزت المدينة بأكملها كأن زلزالاً خفيفاً قد ضربها. وفي لحظتها ، بدأ "ضباب الالتهام " يتدفق باستمرار من كل حدبٍ وصوب إلى داخل القرع. فلم يكن القرع كبيراً ، لكنه بدا كالبحر الذي لا يرتوي! استمر تدفق الضباب طويلاً حتى خمد أخيراً.
التقط "تشين تشين " القرع ونظر إلى جوفه فدهش ؛ كان كـ "حقيبة تشيانكون " يسع الكون بما فيه ، وجوفه عالمٌ مظلم يعج بالضباب الكثيف.
نادى "تشين تشين " جيشه "يا جيش النمل ، ادخلوا جميعاً إلى الداخل ".
كان النمل مطيعاً جداً ، حيث فهم كلمات "تشين تشين " وبدأ يتوافد طائراً إلى داخل القرع واحداً تلو الآخر. وما إن اطمأن حتى علّق "تشين تشين " القرع على خصره راضياً.
وبينما كان يهم بالمغادرة قد سمع صوت "الجنية الصغيرة " "انتظر لحظة ".
عقد "تشين تشين " حاجبيه متسائلاً "ما الأمر ؟ ".
قالت "انظر إلى قمة القاعدة ".
التفت "تشين تشين " نحو القاعدة ، فتسمرت عيناه ؛ فلم يلحظ من قبل وجود قطرة دم في النموذج الذي كان يستقر فيه القرع. بتعبير أدق لم تكن قطرة واحدة ، بل كتلة صغيرة تكونت من اندماج قطرات عدة ، بحجم ظفر الإصبع ، وكانت تبدو ثلاثية الأبعاد ولا تتلاشى.
اقترب "تشين تشين " وحاول الإمساك بها ، لكنه شعر بقوة هائلة تصده! ذُهل "تشين تشين " فمن كان يظن أن هذه الكتلة الصغيرة تحمل مثل هذه الطاقة العظيمة ؟ أطلقت "الجنية الصغيرة " طاقتها الروحية من داخل "بلورة التهام الإله " لتمحص الدم بحذر ، ثم عقدت حاجبيها بقوة وقالت بتردد "تشين تشين ، ألا تشعر بأن هالة هذه الدماء مألوفة بعض الشيء ؟ ".
"مألوفة ؟ "
أمعن "تشين تشين " النظر ، وفجأة صرخت الجنية "لقد عرفت! ".
"ماذا عرفتِ ؟ " سأل "تشين تشين " بحيرة.
أجابت "إنه سلف التحريك الذهني! هالة هذه الدماء تشبه تماماً هالة سلف التحريك الذهني! إن لم أكن مخطئة ، فهذه هي.. دماء الجوهر الخاصة بالسلف! ".
اهتز كيان "تشين تشين " "دماء جوهر سلف التحريك الذهني ؟ ".
قالت الجنية "نعم ، وحدها دماء الجوهر يمكن أن تحتوي على مثل هذه القوة المرعبة ".
فكر "تشين تشين " بحماس "إذا نقيتُ هذه الدماء ، ألن تزداد قوتي بشكلٍ هائل ؟ ". كان قلقاً من ضعفه الراهن ، فأجابته الجنية "بالمعنى الحرفي ، هذا صحيح ، لكنها دماء جوهر السلف ، طاقتها هائلة كما شعرت ، وأخشى ألا تتحملها أو تتمكن من تنقيتها الآن ".
سأل "تشين تشين " وعيناه معلقتان بكتلة الدماء "لو بلغتُ مرتبة سيد التحريك الذهني من فئة الخمس نجوم ، هل يكفي ذلك ؟ ".
رغم أن "تشين تشين " لم يكن يفصله عن تلك المرتبة سوى مستوى واحد إلا أن الفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا. لذا حين يرتقي إلى الخمس نجوم ، سيتمكن حتماً من استيعاب طاقة دماء الجوهر ، وسيقفز بتدريبه قفزةً نوعية!
غمرت السعادة "تشين تشين " فأخرج زجاجةً من اليشم وأودع فيها دماء الجوهر. تنهد "تشين تشين " بارتياح "حان وقت الرحيل ".
غادر "تشين تشين " الحجرة السفلية وخرج من مدينة الأفكار العتيقة ، متجهاً ليبشر "آن تشنج يون " وأفراد القبيلة بهذا النبأ السار.
في تلك اللحظة كان ضباب الالتهام الذي غلف المدينة قد تبدد تماماً ، لتتجلى معالم المدينة العتيقة بكل تفاصيلها ، وإن بدت آثار الدمار باديةً عليها بعد سنواتٍ من الحصار بالضباب. وبينما هو كذلك لمح "تشين تشين " شخصيةً مألوفةً تقترب منه.
"الصغير غريب ؟ ".
رغم تحوله إلى نسرٍ أسود إلا أن "تشين تشين " عرفه على الفور.