الفصل 175: هل انتهى الأمر هكذا ببساطة ؟
إنَّ أكثر ما يبعث على الرعب في الحياة هو أن تعيشها كاملةً في رتابةٍ وتفاهة ، بينما تخدع نفسك موهوماً بأنَّ هذا هو أقصى ما يمكنك الطموح إليه. لا يجرؤ امرؤٌ على الزعم بأنه لم يراوده قط حلمٌ أو طموحٌ أو مثلٌ عليا. ففي مرحلةٍ ما من حياتهم ، يملك الجميع أحلاماً إلا أنَّ تلك الأحلام سرعان ما تنحتها الحياة والواقع وتتآكل تدريجياً حتى تندثر وتتحطم. و بالنسبة للبعض كان السبب هو نقص الموهبة أو القدرة ، ولآخرين كان بسبب عدم اتخاذ أي خطواتٍ فعلية لتحقيق تلك الأحلام. ثمة من غرقوا في أحلام اليقظة عن النجاح ، لكنهم استسلموا تماماً في اللحظة التي واجهوا فيها أول هزيمة.
أما أولئك الذين رفضوا الوقوع في فخ الرتابة ، ومن تاقوا حقاً إلى النجاح لم ينكسوا رؤوسهم يوماً ولن يقبلوا بالهزيمة. مهما قست عليهم الحياة ومهما واجهوا من محنٍ وابتلاءات ، يظلون يشدون على أسنانهم ويواصلون المسير. وكلما سقطوا ، زادت شجاعتهم ، وتضاءل خوفهم من الفشل حتى يبلغوا في نهاية المطاف غاية مرادهم.
كان تشين شينغ من هذا الطراز بالضبط ؛ إذ لم يراوده قط خاطرٌ بأن يكون مجرد شخصٍ عادي. كيف للمرء أن يترك بصمةً في هذا العالم إن لم يحاول خوض حياةٍ مثيرةٍ وحافلة ؟ ولهذا السبب ، لن يقبل بالهزيمة ، ليس اليوم. فالشيء الوحيد الذي قد يوقفه هو الموت.
وقف رجلان في خطٍ مستقيم ، أحدهما في الأمام والآخر في الخلف. حيث كان الرجل المتقدم يرسل شعره طويلاً مصففاً على شكل كعكةٍ فوق رأسه ، ويعلو وجهه لحيةٌ وشارب. وبدا أقرب ما يكون إلى كاهنٍ طاوِيّ. ورغم بنيته الهزيلة والنحيلة كان ينبض بهالةٍ شرسة ومخيفة. وفي المقابل كان الرجل الذي خلفه يبدو كشخصٍ عاديٍ تماماً ، ومع ذلك شعر تشين شينغ بأنه أخطر بكثير من الكاهن. حيث كان الرجل الثاني في طول تشين شينغ تقريباً ، ويرتدي سترةً بسيطةً رغم برودة الجو. ومن خلال ظلمة الليل ، رأى تشين شينغ هالةً من القتل تملأ عيني ذلك الرجل ، عينان جعلتاه يخشى على حياته.
عندما اندفع الرجلان نحوه لم يجرؤ تشين شينغ على الوقوف كفريسةٍ سهلة. حيث كان يعلم أنه لا يملك القدرة على مواجهة رجلين في آنٍ واحد ، فضلاً عن أنه لم يتعافَ تماماً بعدُ من جراحه التي أصيب بها في جنوب غرب سيتشوان مؤخراً. لذا قرر البدء بالكاهن الداوى ؛ فبعزل خصميه ، قد يحظى بفرصةٍ أكبر لالتقاط أنفاسه.
وفي لمح البصر ، اشتبك تشين شينغ مع الكاهن. حيث كانت حركات الكاهن خفيفةً كالسُّنونو ؛ فما إن اقترب من تشين شينغ حتى لمست أطراف أصابعه الأرض بخفة ، دافعةً جسده بالكامل نحو الهواء ، ليطلق من هناك ركلةً مباشرةً نحو وجه تشين شينغ. ومع ذلك لم يذعر تشين شينغ ، فقد أخبرته غريزته بأنَّ هذا الكاهن يمتلك قوةً هائلةً خلف ضرباته ؛ فلو أصابته إحداها ، لأحدثت أضراراً داخليةً بالغة. لذا قام بما رآه التصرف الأمثل: أمال جسده جانباً وتفادى الركلة.
وبما أنه لم يكن لديه ما يفعله سوى مشاهدة العرض ، سار العم تشاو بتمهلٍ نحو جناح "إطلالة البحر ". أشعل سيجارةً وأخرج قارورة خمر "هينغ شوي " من حقيبته. و في مثل هذا الجو ، لا يدفئ المرء إلا الخمر. فأسفل الجرف تقع بلدةٌ هادئة ، أما هنا ، فلم يكن المكان سوى ساحةِ إعدام. يا له من تباينٍ صارخ! وبالنسبة للعم تشاو لم تكن سوى مسألة وقتٍ حتى يُحسم مصير تشين شينغ.
لم ينتظر تشين شينغ حتى يلمس الكاهن الأرض مجدداً ، بل سدد ضربةً بركبته إلى ظهر الكاهن بينما كان ما زال معلقاً في الهواء. لم يدخر تشين شينغ جهداً اليوم ؛ فقد كان يعلم تمام العلم أن الطريقة الوحيدة للخروج حياً هي القتال بكل ما أوتي من قوة.
بدا أنَّ الكاهن يمتلك ردود أفعالٍ خارقة ، وكان رشيقاً للغاية ؛ إذ انحنى بجذعه إلى الأمام متفادياً ضربة تشين شينغ. بحلول ذلك الوقت كان تشين شينغ قد تنبه لوجودٍ آخر خلفه ؛ فقد اقترب الرجل الثاني. وفي اللحظة التالية ، شعر تشين شينغ بهبوب ريحٍ مع انطلاق قبضةٍ نحو وجهه. ثم استدار تشين شينغ بسرعةٍ وحبس ذراع المهاجم بذراعيه ، ليقوم المهاجم بحركةٍ تشبه "قبضة السكير " عبر إمالة جذعه نحو الأمام وغرس مرفقه في الأرض. وما لم يتوقعه تشين شينغ هو أن هذه الحركة لم تكن مجرد وسيلةٍ للإفلات من قبضته ، بل كانت هجوماً أيضاً ؛ فقد ارتطمت ذراعا المهاجم بصدر تشين شينغ ، مما جعله يترنح إلى الخلف خطوتين. وقبل أن يسترد عافيته ، تلقى تشين شينغ ركلةً طائرةً في ظهره ، فترنح إلى الأمام وكاد يسقط على وجهه.
من الواضح أن تشين شينغ لم يكن نداً لخصميه ؛ بل إن انتصاره لم يكن ليضمنه حتى لو واجه أحدهما فقط.
"كلاكما يُعتبران من المحترفين. ألا يعدُّ إشراككما معاً للقضاء على مجرد تابعٍ مثلي نوعاً من المبالغة ؟ " كان تشين شينغ يعلم أنه لن يفوز إلا إذا استدرجهما لقتالٍ فردي ؛ فالمواجهة الفردية هي السبيل الوحيد لتحسين فرصه.
وكأنَّ هذين الرجلين سيقعان في مثل تلك الحيل الرخيصة! قال الكاهن بصوتٍ هادئ "لقد تقاضينا أجرنا لإنهاء حياتك. و إذا كنا قد أسأنا إليك ، فليس في الأمر أي ضغينةٍ شخصية. "
"أتساءل إلى أي طائفةٍ تنتمي أيها الكاهن ؟ أنا نفسي لدي علاقةٌ وطيدة بالداويين. جدي وصديقه الكاهن 'رين ' من معبد 'لوغوانتاي ' صديقان مقربان. و كما كان يتردد كثيراً على مدرسة 'كوانتشين ' ، ويحب احتساء الشاي هناك. أوه ، ولديه أيضاً صلاتٌ بجبل 'لونغهو ' وجبل 'وودانغ '. " حاول تشين شينغ بناء نوعٍ من الود مع خصمه حتى وإن كان ما قاله حقيقةً.
أثارت كلمات تشين شينغ عبوساً طفيفاً على وجه الكاهن الذي بدا متفاجئاً قليلاً ، ثم قال بقلبٍ حجر "حتى وإن كنت تعرف معلمي ، فهذه أمورٌ منفصلة. لا يمكنني السماح لك بالمغادرة حياً اليوم. "
بدا الرجل الضخم متململاً ، فسخر قائلاً "حقاً أنت تثرثر كثيراً. "
دون إبطاء ، بادر الرجل الضخم بالهجوم مجدداً ، وانطلقت قبضته نحو تشين شينغ في ضربةٍ مستديرة. لم تستغرق القبضة سوى جزءٍ من الثانية لتصبح على مقربةٍ من وجه تشين شينغ. لم يملك تشين شينغ سبيلاً للمراوغة ، فما كان منه إلا أن رفع ذراعيه لصد الضربة. وبعد ثانية ، شعر تشين شينغ بالقوة المرعبة خلفها ، وأحس بخدرٍ تامٍ في ذراعيه جراء الاصطدام. غضب تشين شينغ ، فوثب في الهواء ملوحاً بمرفقه نحو رأس الرجل. لم يكلف الرجل نفسه عناء المراوغة ، بل سدد ضربةً ثقيلةً أخرى إلى بطن تشين شينغ. ارتطمت ضربتا الرجلين في اللحظة ذاتها تقريباً ؛ ورغم تعرضه لضربةٍ قويةٍ في رأسه لم يتزحزح الرجل قيد أنملة ، بينما اندفع تشين شينغ للخلف بفعل ضربة الرجل الثقيلة ، ليرتطم جسده بالأرض بقوة. حيث كان الألم في بطنه شديداً لدرجة أنه شعر وكأنه قد طُعن للتو.
لم يهاجم الكاهن تشين شينغ هذه المرة ؛ فربما جعلته المعلومات التي عرفها عن صلات تشين شينغ بالداويين يتردد. وبما أنَّ العم تشاو قد لاحظ سلوك الكاهن من بعيد ، فقد اعتراه الغضب "أيها الكاهن ، ما معنى هذا ؟ "
نظر الكاهن إلى العم تشاو وأومأ له بصمت ، ثم بدأ بالمشي نحو تشين شينغ.
نهض تشين شينغ ببطء ، وضغط بيده على معدته ، ثم سخر ببرود "فلنكمل. "
هذه المرة ، قاد الكاهن الهجوم. و في قفزتين سريعتين ، هبط أمام تشين شينغ. اتخذ تشين شينغ وضعيته في نصف انحناءةٍ كالفهد ، يترقب الفرصة حتى يقترب الكاهن. وفجأةً ، انقض تشين شينغ. حيث مدَّ الكاهن يده وأمسك بكتفي تشين شينغ. و بالطبع لم يكن تشين شينغ ليسمح لنفسه بالهزيمة دون قتال. تباً لأساليب الفنون القتالية ، فلم يعد هذا وقت الاهتمام بها ؛ سدد ركلةً بركبته مباشرةً نحو فخذ الكاهن. حيث استخدم الكاهن ساقه ليحبس ركبة تشين شينغ ويشل حركتها. ومع استمرار العراك ، تشابك الرجلان حتى تلقى صدر تشين شينغ سلسلةً من اللكمات من الكاهن ، فشعر وكأن أضلاعه قد تهشمت. اجتاحت آلامٌ حادةٌ صدره وهو يتقيأ ملء فمه دماً.
أخيراً ، سدد الكاهن ركلةً أخرى على كتف تشين شينغ ، فأطاح به مجدداً. وبعد لحظات ، ارتطم جسده بالأرض ، لكن قبل أن يستعيد وعيه ، بدأ الرجل الثاني بالهجوم. بالكاد التقط تشين شينغ أنفاسه قبل أن يُجبر على القتال مرةً أخرى. وبالنظر إلى أنه كان مصاباً بالفعل قبل بدء العراك ، ومع تلقيه عدة ضرباتٍ قوية لم يعد تشين شينغ قادراً على مجاراة خصمه ؛ فتلقى ضربتين إضافيتين في وجهه ، ليتحول وجهه في لحظةٍ إلى كتلةٍ من الدماء. بحلول ذلك الوقت كان تشين شينغ يصارع للبقاء واعياً ، ولم يستطع منع نفسه من الشعور بمدى حاجته لوجود "تشانغ باجي " ؛ فلو كان هنا اليوم ، لما انتهى به المطاف في هذا الموقف المأساوي.
هبطت ركلةٌ ثقيلةٌ أخرى على ساق تشين شينغ ، فشعر على الفور بتهشم عظمة الساق ، ولم يعد يشعر بساقه بعد الآن. ورغم ذلك جمع تشين شينغ كل ذرةٍ من قوته ليوجه ضربةً أخيرةً لخصمه ، وإن كانت بلا أي تأثير. دفع الرجل صدر تشين شينغ بكتفه فأطاح به بعيداً مجدداً.
في هذه اللحظة كان تشين شينغ قد ضُرب حتى الموت ، وكانت حياته معلقةً بخيطٍ رفيع. لم يسبق له أن كان في مثل هذه الحالة المدمرة من قبل. و لقد نال هزيمةً ساحقةً هذه المرة ، ولم يسبق أن وُضع في موقفٍ بهذا القدر من الخطر حتى خلال السنتين اللتين قضاهما في الترحال. فلم يكن تشين شينغ يعرف كيف يفسر أفعاله الأخيرة ؛ كل ما كان يعرفه هو أنه إذا خرج من هنا حياً ، فستكون لحظة استنارةٍ وتغييرٍ جذري في حياته. وإذا نجا اليوم ، فإنه سيتوب حقاً.
قرر العم تشاو أن الوقت قد حان لإنهاء المعركة. أطفأ سيجارته واقترب ، ثم ضحك وقال "تشين شينغ ، هل ندمت الآن ؟ "
كافح تشين شينغ ليتجاهل موجة الألم ، وسعل قائلاً "أنا نادمٌ على أنني مضاجعُ أمّك. "
تلاشت الابتسامة عن وجه العم تشاو فوراً ، وسخر قائلاً "يا له من أحمق متهور. و في البداية ، أردت فقط تأديبك قليلاً ، والآن أدركت أنك لن تستسلم حتى تموت. "
"أخبر يان تشاوزونغ أن لين سو لن تختاره أبداً حتى لو مت. و على الأقل هذه معركةٌ لن يتمكن يان تشاوزونغ من هزيمتي فيها أبداً. ههههه! " انطلق تشين شينغ في ضحكٍ هستيريٍ لا يمكن السيطرة عليه حتى تحولت الضحكة الثالثة إلى سعالٍ دامٍ كان منظره مقززاً للغاية.
كافح تشين شينغ للنهوض مجدداً ، لكنه فشل رغم محاولاته المتكررة. حيث كان جسده من رأسه حتى أخمص قدميه مثخناً بجروحٍ بالغة حتى أن وجهه بدأ يتغير لونه إلى السواد.
قال الكاهن بأسى "لماذا ترهق نفسك بالنهوض مجدداً ؟ "
ضحك تشين شينغ بخفوتٍ وقال "سأموت على أية حال ولكنني ، تشين شينغ ، لن أجلس أبداً أنتظر الموت! "
قال الرجل الآخر "أحييك على كونك رجلاً حقيقياً. " كان الرجل معجباً قليلاً بتشين شينغ ؛ فمثل هؤلاء الشباب ذوي الدم الحار نادرون هذه الأيام ، في الواقع ، ذكّره تشين شينغ بنفسه.
تمكن تشين شينغ أخيراً من النهوض مجدداً ، وصرخ في وجه الكاهن والرجل الآخر "تعاليا إذاً! "
بالنسبة للكثيرين كان هذا الليل كأي ليلةٍ أخرى ، لكن بالنسبة لتشين شينغ ، ربما كانت هذه الليلة تمثل نهاية حياته.
***
المبنى الواقع في "بوند 18 " بشانغهاي كان يسمى في الأصل "بنك ماكيلار " شُيد لأول مرة في عام 1923 وكان بمثابة المقر الأول لبنك تشارترد في الصين. و بعد ذلك تم تجديده وتحويله إلى "مبنى تشونجيانغ ". وفي عام 2002 ، أعيد تأثيث المبنى وأُعيدت تسميته بـ "بوند 18 ". واليوم ، يعد بوند 18 معلماً فنياً وثقافياً في شانغهاي.
يختبئ مطعم "السيد أند مسز بوند " في شرفة بوند 18 ، ويُعتبر أحد الرواد في المطبخ الفرنسي بشانغهاي. صُمم التصميم الداخلي للمطعم بمزيجٍ رائعٍ من الكريستال والزجاج والأضواء الوامضة ، مثل عالمٍ من الأحلام. وكانت السمة الأكثر إثارةً للمطعم هي الإطلالة الليلية التي يوفرها ، حيث يمكن رؤية منطقة "بودونغ " بأكملها من شرفة بوند 18.
اليوم ، رافقت تان جينغ ، لين سو في جولةٍ حول المدينة لنصف يوم. وفي المساء ، أصرت تان جينغ على اصطحاب لين سو إلى هنا لتناول العشاء. طلبتا بعض النبيذ الأحمر وكانتا تتبادلان أطراف الحديث. ومع ذلك وبعد بضعة كؤوس من النبيذ الأحمر ، شعرت لين سو بتسارعٍ مفاجئٍ في نبضات قلبها دون أي سبب ، وشعرت بضيقٍ في صدرها كأنها تختنق ، وبدأ وجهها يشحب.
لاحظت تان جينغ تصرف لين سو غير المعتاد ، فسألت بسرعة "سوسو ، ما الأمر ؟ "
ضغطت لين سو بيديها على صدرها واومأت ، لكنها لم تستطع الكلام. وقفت تان جينغ على الفور ونادت النادل لإحضار كوبٍ من الماء الساخن ، ثم ذهبت خلف لين سو وبدأت تربت على ظهرها.
وفي الوقت نفسه ، داخل "السيهايوان " الخاص بعائلة تشين في مدينة "سيجيو " كان تشين تشانغان يقرأ كتاباً ويحتسي الشاي في الطابق الثاني. ظل مشتتاً بسبب ارتعاش جفنه الأيمن ، وهو ما أفقده تركيزه مراراً وتكراراً.
دخل غونغسون ببطء ، وقال "سيدي ، طلب المدير ليو منك معاودة الاتصال به. و قال إنه اتصل بك مراتٍ عديدة ولم تجب. "
التقط تشين تشانغان هاتفه الذي كان مضبوطاً على الوضع الصامت ، وعندما رأى المكالمات الفائتة من صديقه القديم ، تنهد قائلاً "مهلاً ، يا غونغسون ، جفني الأيمن لا يتوقف عن الارتعاش. أتساءل أي أحداثٍ فظيعةٍ وقعت مؤخراً لتتسبب في ذلك. "
قال غونغسون بابتسامة "سيدي ، أعتقد أنك ربما أجهدت نفسك مؤخراً. لم تنل قسطاً كافياً من الراحة منذ عودتك من كوريا. " في الواقع ، حدثت أمورٌ كثيرةٌ في الآونة الأخيرة.
لوح تشين تشانغان بيده ليصرف غونغسون "امم ، عد إلى عملك إذاً. سأعاود الاتصال به الآن. "
كانت سيارة "فولكس فاجن طوارق " تسير على طول شارع "تشانغان الشرقي " باتجاه المركز المالي ، وكان سائقها ليس سوى تشين ران التي كانت في طريقها للمنزل بعد قضاء ساعات عملٍ إضافية. لسببٍ غير مفهوم ، فكرت في أخيها الصغير هذه الليلة ؛ فملأت صورة ابتسامته وصوت صوته مخيلتها. حيث كانت قد خططت للعمل الإضافي حتى الساعة العاشرة مساءً ثم العودة للمنزل ، لكنها الآن كانت تسرع للعودة. حيث كانت في عجلةٍ من أمرها لدرجة أنها كادت تصطدم بمركبةٍ أمامها عدة مرات. و في النهاية ، اضطرت تشين ران لإيقاف سيارتها على جانب الطريق لتهدئة روعها ، وإلا فكان وقوعها في حادثٍ مسألة وقت.
سواءٌ كانت لين سو ، أو تشين ران ، أو تشين تشانغان لم يكن لديهم أدنى فكرة بأن تشين شينغ ، الشخص الذي يحبونه جميعاً بعمق كان يمر حالياً بأخطر لحظةٍ في حياته و ربما كان هناك رابطٌ تخاطريٌ يربطهم جميعاً ؛ وهو ما قد يفسر تصرفاتهم غير الطبيعية.
***
جبل جيو هوا ، جناح إطلالة البحر.
ارتطم تشين شينغ بالأرض مرةً أخرى. و هذه المرة لم يظن أنه قادرٌ على النهوض مهما حاول. حيث كان وعيه يتلاشى ، وبحلول هذه اللحظة ، تقبل مصيره. و عرف أنه أعجز من أن يقلب الطاولة. هل كان مقدراً لحياته أن تنتهي هكذا ؟ هل سيموت حقاً هنا اليوم ؟
شعر تشين شينغ بمسحةٍ من عدم الرضا ؛ فإنه غير راضٍ عن رحيله بهذه الطريقة. حيث كان هناك الكثير من الأشياء التي لم ينجزها بعد ، والكثير من الديون التي لم يردها. بدا له أن كل تلك الأمور ستصبح مجرد حسراتٍ على فراش الموت.
قال الرجل الذي كان مهاراته تعادل مهارات الكاهن بنبرةٍ نادمة "يا له من رجلٍ حقيقيٍ حقاً. "
تنهد الكاهن وقال "هذه خسارةٌ فادحة. "
كان العم تشاو يقترب بالفعل ، فقد علم أن هذه المعركة قد حُسمت ، ولم يبقَ سوى تنظيف المكان. و نظر العم تشاو إلى تشين شينغ الذي ، رغم كونه على شفا الموت كان ما زال يحاول النهوض ، فهز رأسه وقال "لا يمكنك لوم الآخرين على ما حل بك. أنت من جلبت هذا لنفسك ، وأنت من اخترت هذا الطريق. "
سأل الكاهن بعبوس "كيف سنتخلص منه ؟ "
ضيق العم تشاو عينيه وقال "اقتله ، ثم ألقِ الجثة في أعماق الجبال. "
أومأ الرجل الآخر بجانب الكاهن برأسه بهدوء "حسناً. "
وبينما كان هو والكاهن على وشك توجيه الضربة القاضية ، وصل أخيراً الشخص الذي كان في سيارة "جيب رانجلر " ذلك الذي تعقبهما طوال الطريق إلى جبل جيو هوا. حيث كان القادم الجديد قد أوقف سيارته بعيداً خوفاً من انكشاف أمره ، ثم تسلل إلى المنطقة سيراً على الأقدام. و لقد تعامل بالفعل مع الرجلين اللذين نشرهما العم تشاو في الغابة.
قال القادم الجديد وهو يشق طريقه ببطء نحو العم تشاو والآخرين "القمر يبدو جميلاً الليلة. سيكون من المؤسف حقاً ألا نقتل بضعة أشخاص. "
ومع ذلك لم يكن هناك أي شيءٍ عفويٍ بخصوص "أشواك سانلينغ " الثلاثية التي كانت مقبوضةً بإحكامٍ في يده. ففي ضوء القمر كان الوميض البارد للسلاح كفيلاً بإثارة القشعريرة في جسد أي شخص ، ولم يكن ذلك بسبب البرد...