الفصل 1782: كرمة الأطوار الخمسة السماوية
"السيدُ جنة (شن نونغ) للمئة عشب هو لورد الداو (شن نونغ). إنها جنةٌ تكرسُ جلَّ اهتمامها لزراعة الأعشاب والزهور والنباتات الروحية بشتى أصنافها. حيث كانت تضمُّ ثلاثة ملايين وستمائة ألفٍ من الأعشاب الروحية ، ومليوناً وثمانين ألفاً من الزهور الروحية ، وسبعمائة وعشرين ألفاً من الأعشاب الطبية الروحية ، وثلاثمائة وستين ألفاً من النباتات الروحية من أنواعٍ أخرى. وفي الختام ، هناك اثنتا عشرة عشبةً إلهيةً في المجمل ".
كان هذا ما قاله "شيخُ المرجل " غير أنَّ ذكرياته كانت ترسمُ صورةً مغايرة ؛ فقد كانت جنة (شن نونغ) للمئة عشب فيما مضى تفيض بطاقة (تشي) روحية منقى وحيوية متدفقة. حيث كانت الحقول الروحية والأراضي المباركة مقسمةً بدقة وتنظيمٍ فائق ، حيث تُزرع الأعشاب والنباتات الروحية في أماكن ومناطق منفصلة حسب أنواعها ، وتحت إشراف وحماية وحوش روحية وكائنات سماوية وآلهة محددة ، يعكفون من حين لآخر على تنقية الطاقات المحيطة وترتيبها. لم تكن يوماً بمثل هذه الفوضى والإهمال ، حيث تنبتُ النباتات الطفيلية عديمة الفائدة في كل حدب وصوب. و كما استطاع إدراك أنَّ الطاقات المحيطة ، رغم قوتها كانت في حالة من الاضطراب الشديد.
لهذا السبب ، ظهر صوته مشوباً بالشك حين أعلن أنهم في جنة (شن نونغ) للمئة عشب.
لكن بطبيعة الحال انقضى دهرٌ طويل منذ آخر مرة عاين فيها جنة (شن نونغ). و لقد بادت المحكمة الإلهية القديمة ، وحتى جنة "أسلحة روح الفرن الغامض " قد طواها الردى ، فكيف لِجنةٍ أخرى أن تنجو من المصير ذاته ؟
بعد مراقبة محيطهم بدقة لبرهة أطول ، أبصرت بقايا الروح أخيراً طيفاً من ملامح جنة (شن نونغ) للمئة عشب السحيقة.
سأل "يي تشنج " وعيناه تلتمعان ببريق الاهتمام "لقد تحدثتَ عن اثنتي عشرة عشبةً إلهية يا شيخ الفرن ، فهل يمكنك تحديد موقعها ؟ ". لقد ذُكرت معظم النباتات التي عددتها بقايا الروح بالآلاف بل وبالملايين ، لكنَّ الأعشاب الإلهية لم يتجاوز عددها اثنتي عشرة فقط ؛ فكان من الجليِّ أنَّ هذه الأعشاب الإلهية كنزٌ لا يقدر بثمن!
أجاب شيخ الفرن وقد تذكر شيئاً فجأة بحماس "آه أجل ، الآن وقد ذكرتَ الأمر ، توجد (كرمة الأطوار الخمسة السماوية) من بين الأعشاب الإلهية الاثنتي عشرة. إنَّ كرمة الأطوار الخمسة السماوية هي جذر روحي طبيعي يثمر مرة كل ألف عام ، ولا تطرح سوى خمس ثمار في كل مرة ، بحيث تقابل كل ثمرة عنصراً من عناصر الأطوار الخمسة ".
وتابع شيخ الفرن بابتهاج "تُسمى هذه الثمار (ثمار الأطوار الخمسة السماوية). وبما أنها وُلدت بالقوة الطبيعية للأطوار الخمسة ، فإنَّ كل ثمرة منها فريدةٌ من نوعها ، كما أنها تشكل مواد روحية ممتازة لصهر سلاح إلهي أو كنز من الأطوار الخمسة. و أنا واثقٌ من أنها ستكون غذاءً عظيماً لِـ (جرس السيادة الأرضي) ".
حلق شيخ الفرن في السماء وراقب محيطه للحظة ، ثم هبط عائداً إلى الأرض وأشار إلى اتجاه معين معلناً "هناك! كرمة الأطوار الخمسة السماوية في ذلك الاتجاه! اتبعاني! ".
انطلق شيخ الفرن مسرعاً نحو الأفق قبل أن يتمكن "يي تشنج " أو "فنغ تشنج يو " من قول أي شيء. تبادل الاثنان نظرات صامتة قبل أن يلحقا ببقايا الروح.
فلم يكن هناك خيارٌ آخر أمامهم على أي حال.
وبينما كانوا يتبعون بقايا الروح لم يغفلوا عن البحث عن أي أثر لِـ (سيد الشياطين ذو الرداء الأبيض).
ورغم أنَّ جنة (شن نونغ) للمئة عشب كانت تفيض بالحياة إلا أنَّ طاقاتها كانت فوضوية وقذرة للغاية. قد تبدو النباتات فاتنة الجمال ، لكنها كانت تخفي خطورةً بالغة.
لم تكن الأزهار آكلة بني آدم ، والفطريات السامة ، والكرمات المتعطشة للدماء سوى غيض من فيض.
وبالطبع كان أقصى ما يمكن لهذه النباتات أن تفعله لِـ "يي تشنج " و "فنغ تشنج يو " هو مجرد دغدغة بسيطة لا تكاد تُذكر ، فلم يكن بوسع أي منها إيذاؤهما بأي شكل من الأشكال.
بعد مضي وقتٍ يعادل احتساء كوب من الشاي ، ظهرت كرمة عملاقة أمام أنظارهم.
كانت الكرمة ضخمة لدرجة أنها بدت وكأنها سلسلة جبال تمتد لمئات ، بل ربما لآلاف الكيلومترات عبر الأرض ، وكان منظرها مهيباً للغاية.
أعلن شيخ الفرن بحماس وهو يحدق في الكرمة العملاقة "لا خطأ في ذلك هذه هي كرمة الأطوار الخمسة السماوية! ".
سأل يي تشنج "ولكن أين ثمار الأطوار الخمسة السماوية ؟ ".
لم يرَ هو ولا "فنغ تشنج يو " أي شيء يشبه الثمار ، غير أنهما أبصرا خمسة أشياء استثنائية.
فإلى الشرق ، انتصبت شجرة ضخمة نابضة بالحياة على متن الكرمة ، تكتسي بأوراق زمردية خضراء ويحيط بها ضوء سماوي كثيف. وكان بالإمكان رؤية تنين سماوي يطير بين الأغصان ، وينثر شرارات سماوية جعلت الزهور تتفتح والنباتات تصبح أكثر نضارة مما كانت عليه.
وإلى الغرب كان هناك سيفٌ يحلق فوق الكرمة. وحين هبت الريح ، اهتز السيف قليلاً قبل أن يطلق فجأة هالة سيف بألوان قوس قزح. ودوَّى زئيرُ نمرٍ أبيض صمَّ الآذان وهو يشق الريح ، ويفلق المطر ، ويزلزل النجوم ، ويسقط الشمس.
وإلى الجنوب كان هناك بركانٌ ثائر يقذف النيران والحمم ويصبغ السماء باللون الأحمر. وكان طائرٌ قرمزي يرقص ويصرخ وسط الألسنة اللهب ، مولداً موجات حرارية حجبت ضياء الشمس والقمر.
وإلى الشمال ، جرى نهرٌ مظلم بلا انقطاع من طرف إلى آخر ، وكان شديد البرودة والرطوبة. أمكنت رؤية سلحفاة سوداء تسبح في النهر وتثير الأمواج بين الحين والآخر.
وفي المركز ، استقرت سلسلة جبال يبلغ ارتفاعها عدة كيلومترات وعرضها عشرات الكيلومترات. بدت شاسعة ورصينة وثقيلة ، مغطاة بطبقات فوق طبقات من الضوء الأصفر الداكن. وشوهد حيوان (الكيلين) وهو يخطو فوق سلسلة الجبال ، ويملأ السماء بضوء غامض وعميق.
سأل شيخ الفرن وهو يشير إلى الشجرة والسيف والبركان والنهر وسلسلة الجبال "إنها هناك أمامكما تماماً ، ألا تريانها ؟ ".
فرك يي تشنج أنفه وقال "أتسمي تلك ثماراً ؟ ". صحيحٌ أنه شعر بطاقات نقية وغنية وهالة "داو " الأطوار الخمسة تنبعث من تلك الأشياء الخمسة ، ولكن ما علاقة أي منها بالثمار ؟
قال شيخ الفرن بنبرة مستنكرة "أنت لا تفهم. إنَّ السبل العظيمة لا تُحصى ، والطاقات لا تنتهي. وفي عالمٍ كل شيء فيه ممكن ، لِمَ تسمح لما تسميه (المنطق السليم) أن يقيدك من أنفك كالدابة ؟ ".
وتابع "بالتأكيد كانت ثمار الأطوار الخمسة السماوية الخمس تبدو كالثمار العادية حين ظهرت لأول مرة ، ولكن بعد آلاف السنين من النمو والتصفية ، انسلخت عن قشورها الأصلية ونمت لتصبح أقرب بكثير إلى جذورها. و لهذا السبب تحولت جميعها إلى أشياء مقابلة للأطوار الخمسة ".
"على سبيل المثال ، ثمرة الأطوار الخمسة السماوية للمعدن تتحول عموماً إلى صابر أو رمح أو سيف أو مطرد ؛ وثمرة الأطوار الخمسة السماوية للخشب تتحول إلى زهرة أو عشب أو شجرة ؛ وثمرة الأطوار الخمسة السماوية للماء تتحول إلى نهر أو بحيرة أو بحر ، وهكذا دواليك ".
ازداد حماس شيخ الفرن وهو يكمل حديثه "بيد أنَّ هذه الثمار الخمس للأطوار الخمسة السماوية هي أكثر استثنائية مما كان متوقعاً ".
"عادةً ما تتحول ثمرة الأطوار الخمسة السماوية التي نضجت لأكثر من ألف عام إلى شيء عام من الأطوار الخمسة على أقصى تقدير. ومع ذلك فقد جسدت هذه الثمار الخمس التنين السماوي ، والنمر الأبيض ، والطائر القرمزي ، والسلحفاة السوداء ، والكيلين. إنَّ حدوث مثل هذه المعجزة يتطلب عشرة آلاف عام على الأقل وإمداداً لا ينتهي من طاقات وروح الأطوار الخمسة! ".
"وأيضاً ، هل رأيتما مدى الحيوية والطاقة الروحية التي تتصرف بها الأرواح الخمسة ؟ إنَّ مثل هذا المستوى من الكمال نادرٌ حتى خلال العصر الذهبي للمحكمة الإلهية ".
"على أي حال لا فائدة من الانتظار أكثر من ذلك. دعونا نحصدها لِـ (جرس السيادة الأرضي) على الفور! ".
"انتظر! " في هذه اللحظة ، استوقفت "فنغ تشنج يو " شيخ الفرن.
سأل شيخ الفرن بنفاذ صبر واضح "ما الأمر ؟ ".
أشارت "فنغ تشنج يو " إلى التربة تحت كرمة الأطوار الخمسة السماوية قائلة "انظر هناك ".
نظر "يي تشنج " وشيخ الفرن ، فلاحظا على الفور أكواماً هائلة من العظام تحت التربة ، بل كانت هناك عدة جثث سليمة في أماكن أخرى.
لم تكن الجثث تشبه بني آدم العاديين أبداً ؛ فبني آدم العاديون لا يمكن أن يبلغ طولهم عشرات الأمتار. حيث كانت هذه السمة الفريدة لمواطني السماء القدامى ، إذ كان جميعهم يمتلكون سلالة إله أو شيطان أو (الغرباء) ، ولهذا كانوا طوال القامة وضخام الجثث ومفتولي العضلات.
غير أنَّ هذه الجثث بدت منكمشة وذابلة ؛ فقد كان من الواضح أنَّ لحمها ودمها وروحها قد استُنزفت بالكامل ، ولم يبقَ منها سوى قشور خاوية.
ومع ذلك استطاع "يي تشنج " الشعور بضغط هائل ينبعث من تلك البقايا الخاوية.
"هناك المزيد من الجثث هناك ".
رصدت المجموعة مزيداً من الجثث حين اقتربوا قليلاً من كرمة الأطوار الخمسة السماوية.
هتف شيخ الفرن بدهشة حين تعرّف على الجثث "إنهم… إنهم كهنة الأعشاب! ".
وتابع مستغرباً "كهنة الأعشاب مسؤولون عن إدارة الأعشاب والنباتات الروحية في جنة (شن نونغ) للمئة عشب. لماذا هم موتى ؟ ".
قالت "فنغ تشنج يو " ببرود "أليس هذا واضحاً ؟ لأنَّ كرمة الأطوار الخمسة السماوية هي من قتلتهم ".
بدا الذهول على وجه شيخ المرجل "كرمة الأطوار الخمسة السماوية هي جذر روحي طبيعي يتغذى على طاقات الأطوار الخمسة ، فَلِمَ قد تزهقُ أرواحاً أخرى ؟ ".