Switch Mode
تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

الفولاذ والحزن: صعود ملك المرتزقة 930

من الجانب الآخر (5)


للحظة، بدا الأمر كما لو أن العالم بأسره قد اقتُلع من جذوره؛ كما لو أن السماء والحجر والدم والتاريخ قد تهاووا واختلطوا معاً في هاوية سحيقة غير مرئية.

خنق الذعر الأنفاس والعقول على حد سواء، ولعدة لحظات رهيبة، لم يستطع أي رجل مرابط على الأسوار أن يميز بين زلزال الأرض وهدير الرعد، أو بين غبار الردم وسكرات الموت.

ومع ذلك، عندما استنشقت الرئات الهواء مرة أخرى وتباطأ خفقان القلوب عن ركضه المجنون، انجلت الحقيقة؛ حقيقةٌ قد تكون أضيق نطاقاً من نهاية العالم، لكنها لا تقل كارثية في عواقبها، فما تحطم لم يكن العالم بأكمله، ولكنه كان بمثابة العالم بالنسبة لأولئك الذين حصروا وجودهم لأسابيع بين أربعة جدران.

ترددت قعقعة الحجارة المتكسرة في أرجاء القلعة مثل زفرة أخيرة لعملاق يحتضر، وارتطمت كتل البناء المتساقطة بالأرض، فانفجرت كل قطعة محولةً ركام الزمن إلى سحب كثيفة.

اندفع الغبار إلى الأعلى في عمود متصاعد، شاحباً كأنفاس الشتاء، ومتلهفاً كذراع غريق يندفع نحو طوق النجاة. ارتفعت السحب نحو السماء كأنها ابتهالات يائسة، بينما غاصت الأجساد التي كانت تقف على ذلك الجدار في غياهب ردم مجهول مع حتمية الهلاك. وعندما بدأ الهواء يصفو، بشكل خافت ومؤلم، انكشف الخراب من تحت الحجاب الرقيق، ومعه جاء الإدراك الحاد لما وقع.

حدّق مافيوس ولاندوف عبر الضباب المتناثر، وعيناهما متسعتان وكأنما فُتحتا عنوة، ولم يجرؤ أي منهما على النطق ببنت شفة، فالحروف كانت ستجعل المشهد واقعاً لا مفر منه. فحيث كان السور شامخاً لثلاثة قرون متواصلة، وحيث سار الحراس، وحيث كانت الانتصارات والهزائم تطل على الوادي، لم يبقَ الآن سوى جرحٍ مفتوح من الحجارة المحطمة والجثث نصف المدفونة.

تلاشى جدارٌ هلاليٌّ عظيم، كان سميكاً كبرج قلعة، هكذا ببساطة ودون سابق إنذار، وكأن "الثعلب" كان يتربص خلف جدارهم لينهشه.

الكلمات التي نطق بها لاندوف قبل لحظات فقط تجمدت في حلقه كالعلقم، لأن الحقيقة المرة قد انكشفت أمام الجميع.

لم يمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى مزقت الأصوات الأولى الصمت المطبق، وكانت صرخة مدوية.

انطلقت من الأسوار والسلالم صرخات يائسة بينما يحاول الجنود استيعاب ما اختفى من تحت أقدامهم. لم تكن هناك جوقة من الجرحى يستغيثون، ولا أنين يائس من رجال محطمين يتشبثون بالحياة؛ فأولئك الذين كانوا يقفون على قمة ذلك الجدار قد ابتلعتهم الأرض تماماً، غاصوا في جوف الوحش الرهيب، ولم يبقَ سوى رعب من كُتبت لهم الحياة.

لم ينجُ أحد، والكل أدرك ذلك يقيناً.

ثم ارتفع صوت آخر لم ينبع من حزن، بل من منبع نقيض ورهيب. بدأ الصوت ينمو من السهول في الأسفل، خافتاً في البداية لكنه لا لبس فيه، كهدير بحرٍ هائج. أولئك الذين أمضوا أسبوعاً كاملاً يتدافعون نحو الحصن ويتساقطون كالفراش في النار، رأوا الآن بفرحٍ جنوني القبر الذي حاصرهم يُفتح أخيراً.

"كيف يبدو المنظر من هناك يا أبناء البغايا المتغطرسين؟"

صرخ أحد الجنود، وهو يشير بحركة بذيئة تنم عن الازدراء، دافعاً بجسده للأمام في رقصة احتفالية ماجنة. وانضم صوت آخر إلى تلك الفرحة الثملة لرجال طال انتظارهم للحظة شفاء الغليل.

"أخيراً نزلتم أيها الأوغاد إلى مستوانا!"

لم يكن يهم كثيراً أن سخريتهم لم تصل مسامع من هم في أعالي الجدران، لأن السخرية كانت موجهة للرجال من حولهم؛ للجنود الذين أرادوا أن يضحكوا، وأن يبصقوا، وأن يشعروا ولو للحظة بأنهم ذئاب كاسرة بدلاً من أن يكونوا كخراف تُساق إلى المذبح.

"أمروا الجنود بالوقوف خلف الثغرة!" صرخ مافيوس بصوت أجش كوقع الحديد وهو يُسحل على الحجر، بينما كان يندفع نحو أقرب حارس له. "سيشنون هجوماً بمجرد إزالة الأنقاض، أريد السيطرة على الثغرة قبل أن يتمكنوا من الحشد!"

أدى الحارس التحية العسكرية وهمّ بالركض نحو الدرج، لكن يداً ترتدي قفازاً معدنياً صفائحياً أمسكت بذراعه وأوقفته. تقدم لاندوف، بملامح صارمة كالحجارة التي انهارت تحت أقدامهم، وشق طريقه وسط الفوضى بكلمة واحدة قاسية لا ترحم.

"الدائرة الأولى ضاعت."

نطق بهذه الكلمات بألمٍ ظاهر، وكأنه هو من يقضي على آمالهم بنفسه. "لا يُرجى منا تحصين ثغرة بهذا الحجم في الوقت المناسب. حتى لو دفعنا بحشود من الرجال إلى هذه الفتحة، فلن نفعل شيئاً سوى تقديم الرقاب لسيوف العدو. علينا أن نتخلى تماماً عن الدائرة الأولى ونُحصّن الثانية. البقاء هنا يعني الموت البطيء، ومجرد تأخير للهزيمة لبضعة أيام. العدو لديه وفرة في الموارد، أما نحن فقد نفد زادنا."

انقضّ مافيوس عليه بغضبٍ يكاد ينفجر، قائلاً: "إذا تراجعنا الآن، فسنخسر المنجنيقات! سيستولون عليها ويستخدمونها ضدنا. ما زلنا نملك موطئ قدم للقتال، وإذا تنازلنا عن الحلقة الأولى، فقد سلمناهم رقابنا!"

أجاب لاندوف بنبرة حازمة كحكم مبرم: "خسائرهم أقل أهمية من خسائرنا. إنهم مستعدون للتضحية بخمسة أرواح مقابل خطوة واحدة للأمام، أما نحن فلا يمكننا تحمل خسارة روح واحدة لمجرد إبطائهم يوماً واحداً. أحرقوا المنجنيقات قبل أن تتسع الثغرة، واستدعوا كل رجل إلى الخط الثاني. إذا ترددنا الآن، فسنخسر كل شيء؛ الحجارة والجنود والأرواح."

وقف الحارس الشخصي حائراً بينهما كرمح مغروس في الوحل ينتظر التوجيه، بينما كان قناع الإمبراطور جامداً لا يُقرأ، كقطعة حديد تحت سحابة رعدية.

وبينما كانوا يقفون في صمتهم، كانت الثغرة في الأسفل تُخلى من الركام، وقوات العدو تزيح الأنقاض بعزيمة محمومة كرجال يشمون ريح النصر تدنو منهم.

لاحظ لاندوف التردد القاتل في غياب القرار، فتقدم خطوةً حتى لم يفصل بين وجهيهما سوى انعكاس باهت على القناع، وقال: "لم يعد لدينا وقتٌ للتردد. إن لم نتراجع الآن، فإننا ندعوهم لاختراق الجدار الثاني كما فعلوا بالأول، وحينها لن يقف شيءٌ بيننا وبين الفناء". انحنى أكثر، وخفض صوته حتى لم يسمعه إلا الإمبراطور، لكن نبرة الإلحاح في كلماته كانت كفيلة بإذابة الجليد. "إن أرسلوا جحافل 'يارزات' عبر تلك الثغرة قبل انسحابنا، فسيشقون طريقهم وسط مدافعينا كما يشق النهر الهائج جليد الربيع. لقد رأيتَ حقيقتهم؛ الصمود في الثغرة ليس إلا انتحاراً فيها".

أسفلهم، ازدادت هتافات الجيش الجنوبي صخباً، مدوية كصوت الرعد في عرض الوادي، وتعاظمت مشاعر النصر والجوع إلى القتل لتصبح شيئاً وحشياً.

أطلق مافيوس زفيراً أخيراً، صوتاً امتزج فيه الزمجرة بالاستسلام. "لماذا؟" بصق الكلمة وكل مقطع فيها غارق في الكراهية، "لماذا تميل الكفة لصالحهم دائماً؟ ألا يوجد شيء في هذه الحرب الملعونة ينحني لإرادتنا؟"

لم يُجب لاندوف، فلم يكن منافقاً بما يكفي ليتظاهر بالمواساة بينما قلبه خالٍ منها. لقد كانوا ملعونين بتبعات أفعالهم، ولم يكن هناك جدوى من التوسل إلى القدر أن يُحابي من خطّوا لعنتهم بدماء ذوي القربى.

ساد الصمت بينهما حتى أصدر مافيوس الأمر بعد عدة نبضات طويلة. وعلى الفور، بدأت جيوش "الأصابع" بالتراجع؛ بتردد في البداية، كما لو أن كل جندي يرغب في إنكار الواقع الذي يتجسد أمام عينيه، ثم اندفعوا دفعة واحدة عندما أصبحت الحقيقة أكبر من أن تُتجاهل، كمدٍّ ينحسر بعد أن ابتلع الشاطئ بالفعل.

وبينما كان مافيوس يراقب التراجع، متأملاً المرارة التي تذوقها في ذلك اليوم بنصف هزيمة، ومرة أخرى على يد نفس الرجل الذي وُلد شعبه ليركعوا في الوحل ويجمعوا الحبوب لمن هم أرفع منهم شأناً، ارتكب خطأً فادحاً حين خفض عينيه.

في الأسفل، اندفع جنود العدو بعزيمة لا تلين، يتحركون عبر الحجارة المتساقطة كالنمل الذي ينهش اللحم عن الجثة، يشقون طريقهم وكأنهم يؤدون طقوساً تهدف إلى تقديم أولى قطرات النصر الحلوة إلى يد إمبراطورهم المنتظرة.

وهناك، وسط غبار وخراب الجدار، وفي اللحظة التي تلقى فيها الصفعة الثانية من القدر في ذلك اليوم، شعر بنظرةٍ ثاقبةٍ تلاحقه. لم تكن نظرة عابرة، ولا اهتماماً آلياً من قائد يتفقد ثغرة، بل كان ثقلاً لا لبس فيه لعينَي رجلٍ واحدٍ استقرت عليه، نظرةً واضحةً كأنها نصلٌ يُضغط على نحره.

رجلٌ استهان به الجميع، وتحدى بكل خطوة يخطوها التوقعات التي أثقلت كاهله بسبب أصله المتواضع؛ الرجل الذي أمسك بزمام سياسات وقوى القارة وكأنها قصبٌ لين بين يديه، رغم أنه قوبل بالتجاهل طوال حياته باعتباره مجرد أمير إقليمي مغمور لا يستحق الذكر.

رجلٌ لا يملك دماً ملكياً قديماً يتباهى به سوى الدم الذي سفكه، ولا نسباً عريقاً يرتكز عليه سوى العائلة التي شيد أركانها بساعديه، ولا إرث له سوى ما نحته يوماً بعد يوم من عظام أولئك الذين شككوا في قدرته.

كان يمتطي حصاناً أبيض، وسط فيض من الموت، بدا كمخلوق نقي مشرق في مواجهة قذارة الحرب، كأنه ثوب زفاف أبيض ناصع في حضرة قسم عظيم، غير ملوث وغير هيّاب حتى في خضم المعركة المستعرة حوله.

وعندما ارتفع نظره ليقابل نظرة مافيوس على القمة البعيدة، شعر الإمبراطور بأن الشمس التي تلسعه أصبحت فجأة قاسية لا ترحم، ومع ذلك كان وهج تلك النظرة أشد وطأةً من الشمس.

لم يرفع الفارس صوته، ولم يسلّ سيفه، ولم يكن بحاجة لذلك.

كان الغضب المتأجج في عينيه أشد حرارة من القيظ نفسه، وكان كفيلاً بأن يطغى على صوت الأبواق ويحجب الرايات، وقريباً سيطغى على الأمم برمتها.

وعندها أدرك مافيوس أخيراً، وباليقين التام، أنه بات الآن تحت مجهر "الثعلب" وفي بؤرة اهتمامه الكامل.



تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط