تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

الفولاذ والحزن: صعود ملك المرتزقة 849

تدخل الأصدقاء (1)

الفصل 848: تدخل الأصدقاء (1)

"يومٌ جميل، أليس كذلك؟" تناهى صوت "جارزا" بوضوح عبر القاعة الرخامية، عميقاً ورزيناً كصدى خافت لدرعه الكامن تحت ثيابه الحريرية. كان صوتاً خفياً لكنه ملموس، كقعقعة عملة معدنية في جيبٍ عميق.

ألقى عليه "ألفيو" نظرة جانبية، رافعاً حاجباً واحداً في تساؤل.

اكتفى قائد "بريموجينيا" بهز كتفيه ببساطة رجلٍ اعتاد ارتداء الدروع ردحاً من الزمن حتى باتت جزءاً من جسده لا يقوى على نزعه. وقال: "أشعر بعدم الارتياح بدونها، كأنني مكشوف تماماً، كما يقولون".

"ألا تستغني عنها أبداً؟" سأله "ألفيو"، بمزيج من الفضول والارتياب؛ إذ لم يتخيل قط أن يكون المرء مرتاحاً بوقر الحديد طوال اليوم.

"فقط بعد معركة ضروس أو عند الخلود إلى النوم". أومأ "جارزا" بذقنه نحو الأمير وأردف: "عليك أن تحذو حذوي، فأنا موقن أن رأسك أغلى بكثير من رأسي في عيون القتلة المأجورين، وأعداؤك كثر على أي حال".

"أفضل أن أفقد حياتي على أن أقضيها في شقاءٍ دائم. الجلوس والسلاسل تنغرز في جسدي يشبه النوم على فراش من مسامير؛ بل أفضل الموت على أن أُسحق تحت ثقلها حتى أتحول إلى هباء".

أثار ذلك ضحكة خافتة مشتركة بينهما، سرعان ما تبددت، لكنها خلفت وراءها أثراً من الألفة في الصمت السائد.

ثم استعرت نظرة "جارزا" وهو يغير مسار الحديث بجدية.

قال بنبرة بدت عادية لكن عينيه كانتا تراقبان بدقة: "أرى أن آخر مدخرات الفضة قد أُخرجت من الخزائن دون أي ضجيج".

أجابه "ألفيو" بهدوء، بصوتٍ مقتضب لكنه صريح: "كان لدي مشروع يتطلب اهتماماً فورياً".

"مشروعٌ مكلف لدرجة استنزاف الخزائن عن بكرة أبيها؟" ارتفع حاجب "جارزا" دهشةً.

لم يتردد "ألفيو" تحت وطأة تلك النظرة الفاحصة: "الأمر ليس هيناً، وأخشى أنني سأنفق أكثر في العام المقبل، وربما أضطر للاقتراض أيضاً".

توقف "جارزا" لبرهة، توقفاً طويلاً بدت فيه علامات الذهول على وجهه المكدود، وتباطأت خطواته: "إذن فالخطب جسيم؟ أعرف قلة من الرجال يكرهون الدين مثلك".

انخفض صوت "ألفيو"، هادئاً وحازماً في آنٍ واحد: "سيكون الأمر مسألة حياة أو موت إذا تحققت أسوأ مخاوفنا. أمقت أن أكون مديوناً، لكن الضرورات تبيح المحظورات".

ساد صمتٌ ثقيل؛ لم يكن الأمير بحاجة لتسمية ذلك الخوف، فكلاهما يدرك ماهيته: بقية دول الجنوب التي بدأت تحشد قواها، تلوح في الأفق كغيمة رعدية تنذر بالخراب.

لقد أوشكوا على نيل مرادهم العام الماضي، ولولا حماية إمبراطور "روميليا" الصغير حينها لكان للأمر شأن آخر. وفي المرة القادمة، لن يكون الحظ حليفهم بالتأكيد.

ربما هلل الجنود لـ"ألفيو" في غمرة حماسهم باعتباره "ابن إله الحرب"، مدفوعين بإيمان أعمى وهتافات مدوية، لكن المندوبين الذين يخدمون "الابن الإلهي" لم يكونوا راغبين في مقامرة خاسرة لاختبار قدر السماء.

كانوا يريدون أميرهم حياً يرزق، لا شهيداً يقضي في سبيل قضية ميؤوس منها.

حول "ألفيو" دفة الحديث بلمح البصر، كارهاً الاسترسال في التفكير في تلك الغمامة التي خيمت عليهما. فبرغم أن خارطة الحصن كانت مرسومة في ذهنه كطوق نجاة، إلا أن الأرقام الحسابية ظلت تطارده؛ فالمشاكل تتناسل بسرعة البرق إذا ما تُركت دون حل.

سأل: "إذن… ما الذي استدعى إبعادي عن عملي؟".

واصلا المسير بخطى وئيدة، والقصر يبتلع صدى أقدامهما تحت نوافذه العالية الصامتة.

شدّ "جارزا" فكّه وتردد للحظة، قبل أن يطلق زفيراً عميقاً كمن يستعد للغوص في مجهول، وقال: "لن يروقك ما ستسمعه".

"أنا بالتأكيد أمقت المحادثات التي تبدأ بهذه الديباجة". طوى "ألفيو" ذراعيه خلف ظهره بوقفة صبور تشوبها السكينة: "من المذنب؟".

"ليديو".

أثار الاسم غيظاً دفيناً في نفس "ألفيو"؛ فقد كان "ليديو" كفؤاً، دؤوباً، من طراز القادة الذين يطهرون المدينة من بؤر الفساد بصرامة. لكن "ألفيو" كان يدرك أيضاً نقطة ضعفه: تساهله مع كل ما يفسد عقول الرجال.

"ما خطبه؟" سأل "ألفيو" بصوت هادئ، محاولاً منح صديقه حق الدفاع عن نفسه، رغم أن الشك كان قد تملكه بالفعل.

ولم يمضِ وقت طويل حتى تأكدت هواجسه.

"لقد قبل رشوة أخرى من أحد التجار".

شعر "ألفيو" بمرارة الخيبة القديمة تخنقه. لقد أمهل الرجل فرصاً عديدة، وراقبه وهو يطارد العصابات بقسوةٍ ممزوجة بالعدل، كرجلٍ يقدس النظام فوق كل اعتبار. منحه "ليديو" فرصة ليكون سيفاً طاهراً، لكن السيف استمر في التلوث.

سأل "ألفيو" وهو يحاول كبح جماح غضبه: "لماذا فعلها؟ لقد توعدته بعواقب وخيمة في المرة السابقة، وكنت أعني ما أقول".

"لقد توسط له؛ شروط ميسرة لاستئجار الأرض، فقدم له التاجر رشوة. قبل "ليديو" العرض في البداية ثم ندم وجاء إليّ مستشيراً، فنصحته بأن يصدقك القول".

ضغط "ألفيو" على يديه خلف ظهره حتى ابيضت مفاصله، وتمتم بكلمات نابية: "يا له من وغد جشع". لم يدرِ "جارزا" إن كان يقصد التاجر أم الصديق الذي خذل ثقته.

"هل ستأخذني إليه؟".

"نعم…". فجأة، احتجبت أشعة الشمس خلف الغيوم، وسأل "جارزا": "ماذا تنوي فعله؟".

"لا أدري"، اعترف "ألفيو" بصدق ليس فيه ذرة تصنع. "سأرتجل حلاً في حينه. بما أنه اعترف بذنبه، فلا أظن أن إقالته من منصبه قرار سديد، خاصة بالنظر لمهارته الفائقة في كشف الجواسيس… ربما أكتفي بخصم من راتبه؟".

ساد بينهما صمتٌ بليغ، صمتٌ مثقل بالمعاني لا بالفراغ.

وفي نهاية الرواق، برز باب خشبي ثقيل. توقف "ألفيو" والتفت نحو "جارزا".

نظر القائد في عيني الأمير وأومأ برأسه هدوءاً.

تقدما معاً نحو الباب.

لكن، لو كان "ألفيو" يتوقع رؤية صديقه منكسراً، مطأطأ الرأس، بذليل النفس ككلبٍ ملقنٍ درساً قاسياً، فقد كان واهماً.

فبدلاً من ذلك، كان أول ما أحس به هو دفعة مباغتة وعنيفة من حذاء "جارزا" على ظهره، مما جعله يترنح ويسقط داخل الغرفة بشكل مفاجئ. احتك حذاؤه بالأرضية الحجرية وهو يصارع لاستعادة توازنه قبل أن يرتطم وجهه بالبلاط.

لم يكلف نفسه عناء الالتفات، فقد استوعب اللعبة في لمح البصر.

قال ببرود وهو ينفض الغبار عن عباءته: "إذن، لم يقبل تلك الرشوة قط، أليس كذلك؟".

جاءه الرد هادئاً: "كلا، لقد ظل وفياً ككلب صيدٍ لا يخون صاحبه".

دوّى صدى انغلاق الباب خلفه، وتبعه صوت القفل وهو يدور، حابساً إياه في الداخل.

أطلق "ألفيو" تنهيدة استسلام، وعدّل من وضع سترته الحريرية، مدركاً أنه وقع ضحية مكيدة مدبرة.

سأله الرجل الآخر الموجود في الغرفة بنبرة جامدة: "ما الحجة التي ساقوها لك؟".

"زعموا أن "ليديو" قبل رشوة. وأنت؟".

انتقلت نظرات "ألفيو" إلى الرجل الجالس في ركن الغرفة المعتم، وشعره الأشقر ينسدل في تموجات كثيفة حول رقبته، يعكس ضوء الشعلة كخيوط من الذهب المذاب.

كان، بطبيعة الحال، "إيغيل".

تابع "إيغيل" ساخراً وهو يشير بيده إلى الخواء: "أوهمتني "أساج" بأنها رتبت لقاءً مع بعض السيدات، فظننت أن الرجل قد استجمع شجاعته أخيراً للخروج من صومعته اللعينة".

ارتسمت على شفتي "ألفيو" ابتسامة رغماً عنه وهو يسحب كرسياً ليجلس في مواجهته: "إنه رجل مخلص لزوجته، وهذا في نظري فضيلة لا عيب".

تمتم "إيغيل" بـ "لا" وهو يحكم قبضته على الإبريق الموضوع على الطاولة: "ليست جريمة، لكنها منغصة للغاية". صبّ النبيذ لنفسه فقط، متجاهلاً الكوب الفارغ بجانب يد "ألفيو". وانعكس الضوء الخافت على السائل القرمزي وهو ينسكب بسلاسة.

رفع كأسه، مستمتعاً بعبق النبيذ قبل أن يرتشف منه رشفة متأنية.

سأله "ألفيو" وهو يرقبه بدقة، متناولاً الإبريق لنفسه: "هل تسنى لك رؤية ابنك؟".

لم يرد "إيغيل" على الفور، بل جعل النبيذ يدور في كأسه وهو يحدق فيه كأنه يبحث عن وجه الصبي في انعكاس السائل. انقبض فكه، ثم ارتخى مع ضحكة مكتومة خالية من الود: "وما شأنك أنت؟".

استند "ألفيو" بظهره إلى الكرسي، واضعاً ساقاً فوق أخرى، وقال بنبرة لا تخلو من الاستفزاز: "لا شأن لي، أردت فقط الاطمئنان عما إذا كنت قد ارتقيت بخلُقك منذ لقائنا الأخير، أم أنك لا تزال ذلك الأب المقصر والزوج الفاشل".

رفع "إيغيل" رأسه فجأة، فتعمقت ابتسامة "ألفيو" الساخرة دون مبالاة.

وتابع "ألفيو" رافعاً يده كأنه يحيي أخطاء خصمه: "يسعدني حقاً أن أرى أن شيئاً لم يتغير فيك".

لم تكد كلمات "ألفيو" اللاذعة تخرج من فمه حتى أطلق "إيغيل" شخيراً خشناً يخلو من أي مرح.

قال ببطء وهو يتكئ بظهره، وكأسه تتأرجح بين أصابعه: "وكيف حال أصدقائك في الشمال؟ أولئك الذين كانوا يذيقوننا الأمرين كلما تجرأنا على التقاط أنفاسنا بين نوبات العمل. هل ما زالت سياطهم دافئة؟".

"ليس بالضرورة، فقد وافت المنية وصيهم للتو. أرسلت السير آرون لتقديم التعازي؛ لقد كان رجلاً حازماً وحكيماً… يا للأسف".

انفرجت أسارير "إيغيل" عن ابتسامة عريضة تشبه كشرة الذئب، بدت عليها سعادة حقيقية.

"هذا أجمل خبر سمعته منذ أمد. كنت أفضل لو هلكت تلك الشمطاء أيضاً، لكننا نرضى بالمقسوم". جرع ما تبقى في كأسه دفعة واحدة، ثم ضرب الكأس بالطاولة بقوة هزت الإبريق، وأعاد ملأه دون تردد حتى كاد النبيذ يفيض.

قال وهو يرفع كأسه بوقارٍ زائف قبل أن يشرب مجدداً: "كنت لأشرب نخب هذا الخبر، لكنني لا أظنك في مزاج يسمح بالاحتفال". لمعت عيناه بمكر وهو ينزل الكأس: "يا للخسارة! كنت لأدفع الغالي والنفيس لأراك ترحل أنت بدلاً من "آرون". لسانك السليط أشد حدة من لسانه، وكان أولئك الأوغاد الشماليون سيستمتعون كثيراً بترويضه".

ضحك وهو يميل برأسه مع ارتشاف مشروبه: "فقط احرص على تطهير لسانك جيداً بعد الانتهاء".

ثم أردف بتهكم: "لن يكون من اللائق رؤية أمير يمارس مهامه وعلى وجهه آثار التملق المقززة لأعدائه".

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط