الفصل 322: وريث دولة ساقطة (2)
بناءً على المعلومات المستخلصة من الأسرى، أُبلغ أرنولد بوجود سبع مجموعات من الرجال المنتشرين في أنحاء المنطقة، والذين كانوا على اتصال سري دائم، ينسقون هجماتهم ويتبادلون معلومات استخباراتية ذات أهمية قصوى حول تحركات قوات الأمير.
وباقتياد المتمرد إلى الموقع الذي أرشد عنه، تحركت قوات الأمير تحت جنح الظلام، وحاصرت المعسكر الأخير المتواري في أعماق الغابة. ومع بزغ فجر اليوم التالي، بدأ الهجوم؛ حيث كان عنصر المفاجأة طاغياً، وعمّ الارتباك في صفوف المتمردين مع دويّ الأبواق واندفاع جنود الأمير نحوهم. خرج الرجال يترنحون من خيامهم، شبه عراة تملؤهم الحيرة، يسابقون الزمن لتسليح أنفسهم.
لكن محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح؛ فمع تطويق المعسكر من كل جانب، لم يعد هناك مفر. أما من حاول المقاومة منهم، وهم قلة قليلة، فقد تم سحقهم بسرعة في خضم تلك الفوضى، بينما ألقى معظمهم أسلحتهم وولوا أدبارهم هاربين، ولكن كما يُقال: "وقع الفأس في الرأس"، فقد كانوا محاصرين تماماً؛ فمن نجا من قبضة المشاة، كان الفرسان له بالمرصاد.
وفي غضون أقل من ساعة، ساد صمت مطبق أرجاء المخيم، لا يقطعه إلا أنين الألم وصراخ النساء والأطفال الذين سيُساقون إلى سوق النخاسة، وتحوّل مركز التمرد إلى ساحة من الخيام الممزقة والأسلحة المتناثرة والأسرى المستسلمين. شقّ أرنولد طريقه وسط الأنقاض، ونظراته تكتسح المشهد برضا قاتم.
لقد انتهى التمرد في هذه المنطقة، وأُنجز أخيراً نصف ما عزم عليه.
سار الجنود بخطى واسعة فوق بقايا آخر معسكر للمتمردين، وأحذيتهم تُصدر وقعاً مكتوماً على الأرض الملطخة بالدماء وهم يتنقلون بين الجثث المتناثرة. كان الهواء مثقلاً برائحة الموت الكريهة، ممزقةً بصرخات خافتة للجرحى الذين لم تزهق أرواحهم بعد. ركل أحد الجنود جثة هامدة بنظرة باردة وجامدة، وعندما تحركت تلك الجثة، لم يضيع الجندي ثانية واحدة، إذ غرز رمحه بقوة في ظهر الرجل. أكدت شهقة مكتومة وارتعاشة أخيرة للمتمرد نجاح ضربته، فمضى الجندي في طريقه دون تردد بعدما انتزع رمحه بحدة.
وفي مكان قريب، لمح جندي آخر متمرداً يزحف يائساً، ووجهه ملطخ بالطين والدم. ضحك الجندي ضحكة شيطانية ثم تقدم نحو ذلك المنظر البائس، وبركلة سريعة قلب الرجل على ظهره، فظهر وجهه المرعوب المتوسل. أدرك الجندي أن الرجل مصاب بجروح بالغة ولن يصلح لبيعه كعبد، فقرر أن "يريحه من عذابه". انقطع صوت المتمرد وهو يتوسل الرحمة ويداه ترتجفان في الهواء، إذ أسكته الجندي بطعنة وحشية واحدة من رمحه في صدره، فتدفق الدم من بين شفتي المتمرد وهو يسكن إلى الأبد.
وفي قلب المعسكر، كان الجنود يعيثون فساداً؛ فبين قاتل يجهز على خصمه، ومنتهك يحاول النيل من امرأة. وقد اختطفت مجموعة من الجنود عدداً من النساء، متجاهلين صرخاتهن واحتجاجاتهن وخوفهن وهن يُجررن نحو الخيام. تحوّلت نشوة النصر إلى مشهد أكثر قتامة وظلماً، أما الثوار الباقون الذين جُرّت زوجاتهم أمام أعينهم، فكانوا إما مقيدين بالحبال عاجزين عن فعل شيء، أو أمواتاً لا يملكون حراكاً.
أما الجنرال أرنولد، الذي قاد هذا الجيش إلى النصر، فقد نأى بنفسه عن تلك المذبحة، وعاد إلى معسكره الرئيسي على حافة الغابة فور توقف القتال.
من موقعه المرتفع، اعتبر الأمير أن الحملة قد آتت أكلها، تاركاً مهمة التطهير لرجاله، بينما ركز تفكيره على التحدي التالي المتمثل في التعامل مع معاقل التمرد في الجزء الغربي.
أزاح وريث الأمير غطاء خيمته القماشي الثقيل ودخل، فأحدثت أحذيته المدرعة صوتاً خفيفاً فوق الألواح الخشبية التي وُضعت على عجل لتوفير شيء من الراحة، وتبعه اللورد كريتيو بخطى ثابتة. كان هذا الرجل الأكبر سناً سنداً قوياً لأرنولد منذ نعومة أظفاره، وهي رابطة توطدت بمصاهرة عائلتيهما من خلال خطوبة أرنولد لابنة كريتيو. والآن، ربطت الدماء والسياسة مصائرهم معاً، مما جعل ولاء كريتيو لوريث الأمير يتخذ طابعاً شخصياً وسياسياً في آن واحد؛ ففي نهاية المطاف، سيكون أحفاده هم ورثة هذا العرش.
ما إن دخلوا حتى وضع كريتيو يديه خلف ظهره وانحنى انحناءة خفيفة قائلاً: "إنجاز آخر يُضاف إلى سجلك الحافل يا سمو الأمير. المتمردون يتساقطون كأوراق الخريف تحت سيفك، وعما قريب ستُجتث جذور الفتنة من هذه الغابة."
أطلق أرنولد ضحكة ساخرة وهو يجلس على كرسيه بجانب الخريطة، وألقى بقفازيه على الطاولة محدثاً صوتاً قوياً: "إنجاز يُحسب لي، أليس كذلك؟ بل هو نقعٌ علق بحذائي ليس إلا. دعنا لا نُجمّل القبيح يا كريتيو؛ فنحن نذبح رجالاً أضعف من أن يحملوا رمحاً حقيقياً، وأكثر جوعاً من أن يصمدوا في وجه الظلم."
أجاب كريتيو بهدوء وهو يقترب من الطاولة: "النصر يظل نصراً يا سيدي، فالعبرة ليست بقوة المهزوم بل بثبات المنتصر. سيشيد بك النبلاء في كل الأحوال؛ فنحن نمر بأوقات عصيبة، ونجاحك -مهما كانت وسيلته- يزداد بريقاً في هذه الظروف، وأعتقد جازماً أن على الدولة أن تتشبث بأي نصر تحققه في هذه الأيام العجاف."
هزّ أرنولد رأسه وهو يفرك صدغه: "كفى كلاماً معسولاً، فأنت وأنا نعلم علم اليقين أنه لا مجد يُرتجى هنا. هؤلاء الهواة يُهزمون في نفوسهم قبل أن نصل إليهم، وقتل الرجال اليائسين ليس بالبطولة التي تتغنى بها قصائد الشعراء."
أمال كريتيو رأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة: "قصائد الشعراء يكتبها من يدفع لهم الثمن، وإذا لم تَنل الشهرة في ساحة الوغى، فستنالها باليد التي تُعيد النظام إلى رحم الفوضى. أليست هذه حكاية تستحق أن تُروى؟"
استند الأمير إلى ظهر كرسيه وزفر بعمق: "نظامٌ في خضم الفوضى!" رددها بنبرة ثقيلة ومتهكمة، "سنرى ذلك حالما ننتهي من آخر هؤلاء الحمقى. وإلى ذلك الحين، فإن هذا النصر المزعوم ليس سوى غوصٍ آخر في الوحل، فنحن لم نخرج من عنق الزجاجة بعد."
انحنى أرنولد إلى الأمام واضعاً ساعديه على حافة الطاولة بينما حدّق في الخريطة المنبسطة أمامه. تتبّعت أصابعه خطوطاً وهمية على الرقّ الملطخ، رغم أن ذهنه كان شارداً بوضوح، ثم بدأ يتحدث بنبرة منخفضة يشوبها المرار: "حتى لو تمكّنا من وأد هذا التمرّد، فما زال هناك كلبٌ يربض لنا في الغرب، متعطّش للدماء، يتحين فرصة الانقضاض."
تحرك اللورد كريتيو قليلاً لكنه التزم الصمت، مدركاً ثقل الكلمات التي نطق بها الأمير.
تابع أرنولد حديثه وصوته يزداد حدة وبروداً: "لم يكن والدي ليخمد هذه النيران حتى لو ملك زمام الأمور كلها، والآن؟ الآن لا نملك سوى عصاً نهشّ بها عن أنفسنا، وكل ما يسعنا فعله هو الانكفاء خلف الأسوار العالية والدعاء ألا يطرق يرزات أبوابنا. والأسوأ من ذلك، أن والدي لم يكلف نفسه عناء إرسال رسول يطلب، أو بالأحرى يتوسل، عقد هدنة."
"لا ينبغي للرجل أن يلقي بنفسه بين فكي الكلب."
قال أرنولد ذلك بينما تابع بحنق: "يحدث هذا في الوقت الذي يغرس فيه يرزات أنيابه في حلوقنا."
أطبق قبضته وهو ينفث كلماته غضباً، فظهرت عروق صدغه بارزة للحظات: "ولماذا كل هذا؟ لأن والدي لم يستطع كبح جماح لسانه عن إهانة ذلك المدعو بـ 'الثعلب'؛ بل جعله أضحوكة في يوم زفافه، وها نحن اليوم نحصد مرّ ما زرعته حماقته. يرزات ليس حليفاً لنا، ومن يلومه على رغبته في الانتقام بعدما تجرع كأس الخزي؟ والأسوأ أنه في موقف القوة، مما يعني أنه ما لم نقدم تضحيات جسيمة، فلن يفكر حتى في الجلوس معنا على طاولة المفاوضات، طالما لم يُكفّر والدي عما اقترفه بحقه... هل من بصيص أمل يا سيدي؟"
للحظة قصيرة، ساد صمت مطبق.
قال كريتيو أخيراً بصوت خافت: "هناك أوقات لا تستطيع فيها حتى أحلى الكلمات إخفاء مرارة الواقع"، مشيراً إلى أنه حتى في ذروة النصر لا يوجد متسع للفرح، وشاعراً أن هذا الشاب الذي يقف أمامه يحتاج إلى القليل من الراحة أكثر من أي شيء آخر.
أطلق أرنولد ضحكة جافة خالية من أي فكاهة: "هذه أول كلمة صادقة أسمعها منذ أيام." ثم استند إلى كرسيه وزفر بقوة واضعاً يديه على وجهه، كاشفاً عن جانب من الضعف لم يجرؤ على إظهاره إلا أمام من يثق به تمام الثقة.
قاطع صوتٌ حازمٌ من خلف مدخل الخيمة لحظة المكاشفة تلك؛ نادى الصوت بنبرة حادة ورسمية: "صاحب السمو، لقد وصل رسولٌ من البلاط يحمل رسالةً من سمو الأمير."
تبادل أرنولد نظرة خاطفة مع اللورد كريتيو، ومرّت بينهما ومضة من التوتر الصامت. استقام أرنولد في جلسته وأجاب بصوت رزين: "أدخلوه."
أُزيحت حافة الخيمة، ودخل رجلٌ يلف وجهه ظلام خفيف. دلّت ملابسه الرثة وحذاؤه الملطخ بالطين على وعورة الرحلة التي خاضها. انحنى الرجل على الفور انحناءة عميقة، وثبت في مكانه لحظة إجلال قبل أن ينهض ويتقدم.
كان يحمل في يديه المكسوتين بالقفاز رسالةً مختومة، وقد طُبع على شمعها شعار الأمير المميز. وبخطوة مدروسة، مدّ الرسالة نحو أرنولد ورأسه منحنٍ قليلاً وهو يقول: "يا صاحب السمو، أحمل إليكم رسالةً عاجلة من سمو والدكم، وقد أمرني بتسليمها يداً بيد وبأقصى سرعة."
انحنى أرنولد إلى الأمام، وضاقت عيناه وهو يحدق في الرسالة. تناولها بحذر شديد، وكسر الختم بإبهامه، فتردد صدى طقطقة الشمع في صمت الخيمة المشحون.
فضّ أرنولد الرسالة بحركة متقنة، فأصدر الرقّ صوتاً خفيفاً عند فتحه. تأمل الأسطر سريعاً، وتجهم وجهه مع كل كلمة يقرؤها. وعندما بلغ نهاية الرسالة، زفر ببطء وأغمض عينيه.
يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى.
أنزل الرسالة ثم التفت نحو اللورد كريتيو، ومدّها إليه بيد ثابتة، وكان صوته هادئاً لكنه يحمل نبرة استنفار: "لقد استولى المتمردون على حصون كيريو وسريتس."
اربدّ وجه كريتيو وهو يتسلم الرسالة، وانقبضت أساريره وهو يقرأ محتواها بنفسه.
نهض أرنولد من مقعده بحركات حادة وحازمة، وقال بنبرة لا تقبل الجدال: "أرجو إبلاغ الضباط؛ سنسير غرباً مع أول خيط من خيوط الفجر. لا يمكن السكوت على هذا الوضع أكثر من ذلك."
أومأ كريتيو برأسه في صمت، وقد شدّ فكه بعزم أكيد: "سأهتم بالأمر فوراً يا صاحب السمو."
أدار أرنولد وجهه، شاخصاً ببصره نحو نقطة غير مرئية خلف جدران الخيمة، بينما استعرت النيران في صدره من جديد، عازماً على سحق هذا التمرد واجتثاثه من جذوره.