الفصل 276: القبيلة المنقسمة (1)
اقتحم جيولف، زعيم القبائل التي تقف وراء نقمة الشمال، قاعات قصر سارلان الملكي الحجرية، ودوّى وقع حذائه على الأرض بقوة، مردداً صداه في الممرات الباردة الخالية. انقبض فكّه بشدة، وصرّ على أسنانه غيظاً، بينما كانت أفكاره تغلي بالمرارة. كيف لهم أن يثيروا هذه القضايا ضده بعد كل ما قدمه؟
لقد قادهم من حافة الهلاك، من السهول البيضاء المتجمدة حيث اختطف الجوع والصقيع أرواح الكثيرين من ذويهم. قاتل، وسفك دمه، وضحى، وشقّ طريقاً نحو الجنوب، متحدياً القدر نفسه. وحيث فشل عدد لا يُحصى من زعماء "الكنوتور"، وأُجبروا على الانحناء والركوع لـ "الجلاعبين" المبتدئين مقابل الفتات، نجح هو. جيولف، وحده دون سواه، نقل شعبه إلى أراضٍ خصبة، دافئة وغنية، حيث تشبع بطونهم ليلاً ونهاراً، وتفخر أرواح أجدادهم بما أنجزه.
بدت عظمة القصر المحيط به -هذا الحصن الذي كان يرمز إلى قوة ملوك سارلان- وكأنها تسخر منه. أصبحت هذه القاعات ملكه الآن، وفخامتها شاهدة على انتصاره. ومع ذلك بدا ثقل ذلك النصر خاوياً في هذه اللحظة، وكانت كلمات ابنته اللاذعة أشد وقعاً من أي سيف، بينما كان رجاله ينقلون نمط عيشهم القبلي البسيط إلى قلب قصره المنيف.
"ماذا يريدون مني أكثر من ذلك؟"
فكّر بمرارة، وقبض يديه بقوة. لقد بذل كل شيء؛ دمه، وإرادته، وابنه، وروحه، من أجل بقاء شعبه وسيادته. لقد حوّل الموت والخراب إلى حياة وازدهار. ومع ذلك، فبدلاً من الامتنان، قوبل بالغضب والمقاومة والازدراء.
توقف جيولف للحظة تحت قوس ضخم، ثم زفر بقوة، وتصاعدت أنفاسه من بين أسنانه. غامت عيناه قليلاً، ليس بسبب الدموع، بل من شدة استعاره الداخلي. نظر إلى الفناء في الأسفل، حيث لا تزال حجارته المتداعية وجدرانه الملطخة بالسخام تحمل آثار الغزو.
تمتم بكلمة "نكران الجميل" بين أنفاسه، وكأنها لعنة تقذف في الهواء البارد. اشتدت قبضته على حافة عمود حجري حتى ابيضت مفاصل أصابعه. "بعد كل ما فعلته... البقاء، والنصر، والدفء، وأرضنا الخاصة... ومع ذلك لا يرضيهم شيء."
تضاربت أفكار جيولف؛ فإرثه، وتوحيده للقبائل، وغزوه لـ "سارليون" لم تكن مجرد انتصارات، بل كانت طوق نجاة. لقد نحت الحياة من جليد القفار، وحوّل المعاناة إلى قوة، واستبدل رياح الموت الجليدية بوعود الحياة الخصبة. ومع ذلك، فإنّ الشعب نفسه الذي يدين له بحياته يتجرأ الآن على التشكيك فيه، كما لو أنهم عاجزون عن رؤية الثمن الباهظ الذي دفعه من أجلهم.
كان يلهث بشدة، والنار في صدره تأبى أن تخبو. قبض كفيه واستأنف مسيره؛ فهو جيولف، الملك العظيم، ومنقذ شعبه، وسيضمن ألا ينسوا ذلك أبداً.
دخل جيولف القاعة الكبرى التي أعيد تصميمها الآن لتصبح "الهيت"، وهو المكان التقليدي لاجتماع شيوخ القبيلة. الغرفة الحجرية التي كانت في يوم من الأيام موقعاً للمآدب الملكية ومجالس ملوك سارلان، باتت تحمل طابعاً قبلياً أكثر بساطة؛ فراء ثقيل يتدلى على الكراسي ذات الظهر العالي، والأرضية مغطاة بحصائر منسوجة وجلود حيوانات، كرموز للتقاليد التي جلبها جيولف وقومه معهم من الشمال. نار مشتعلة في موقد ضخم وسط الغرفة، يتلألأ ضوؤها على الوجوه المجتمعة في دائرة، يمثل كل منهم إحدى القبائل التي أصبحت الآن حليفة لجيولف.
لم تعد هذه مملكة بالمعنى التقليدي؛ فقد تحوّلت مملكة سارليون الموحدة والمنظمة إلى اتحاد قبائل، تحتفظ كل منها بهويتها وقيادتها المتميزة تحت السلطة العليا للزعيم الأعلى "الكنوتور". كان هذا الترتيب غير مسبوق بالنسبة لمعظم الحاضرين؛ ففي الشمال كان من المعتاد أن تستوعب القبيلة المنتصرة القبائل المهزومة أو تشتتها، حيث يُضمّ الضعفاء إلى الأقوياء وتُمحى أسماؤهم وعاداتهم. أما هنا، فلم يكتفِ جيولف بالغزو فحسب، بل وحّد القوى، مُجبراً هذه الشعوب المتباينة على الانضواء تحت رايته.
كانت أراضي سارلان التي استولوا عليها غنية وخصبة، ووفرتها كانت أمراً غريباً على أولئك الذين قضوا حيواتهم يكافحون قسوة الثلج العظيم. ولأول مرة، وجد الكثير منهم أنفسهم يعيشون على كدح الآخرين؛ أولئك الفلاحون الجنوبيون الذين قدموا محاصيلهم دون مقاومة، وبدوا مستعدين للتخلي عن طعامهم. كان هذا مفهوماً غريباً عليهم، فقد نشأوا في عالم يفضل فيه الرجل أن يواجه الموت على أن يتخلى عن مؤونته.
مع دخول جيولف، خفتت همسات الحديث. تحرك القادة المجتمعون في مقاعدهم، فأومأ بعضهم احتراماً، بينما راقبه آخرون بعيون حذرة. كان هذا "الهيت" مكاناً لا مثيل له، مكاناً لم تجتمع فيه قبيلة واحدة، بل قبائل شتى. جلس شيوخ قبائل "سنورما"، و"رجال الصقيع"، و"بيترروكس"، وغيرهم، بينما كان جيولف على رأسهم، يحمل كل منهم مظالمه وطموحاته الخاصة.
نهض "كلاريك"، زعيم قبيلة "بيترروكس"، من مقعده فور دخول جيولف إلى "الهيت". كان كلاريك شخصيةً لافتةً للنظر حتى بين المحاربين الأشداء المجتمعين؛ لحيته الطويلة المتشابكة غزاها الشيب، وندبةٌ عميقةٌ تشق طريقاً متعرجاً عبر عينه اليسرى، جاعلةً إياها ضبابيةً وفاقدة للبصر. كانت أسنانه الأمامية مفقودة، مما أعطى كلماته نبرةً حادةً وجارحة. كان يرتدي درعاً مهترئاً من حلقاتٍ متشابكة، باهتةً ومتآكلة، وهي غنائمَ حازها خلال معاركه ضد السارلان. كان الدرع يصدر صليلاً خفيفاً وهو يقف، مشيراً بإصبعه الخشن إلى جيولف.
"ما الذي نفعله هنا بحق السماء؟" دوّى صوت كلاريك، يتردد صداه بين الجدران الحجرية. كانت نبرته مشبعة بالإحباط والازدراء، وكل كلمة ينطقها تبدو كأنها قفاز تحدٍّ يُرمى في الوجه. "نجلس خاملين في قاعات حجرية، نراقب الحقول وهي تنمو! هذه ليست شيمنا، ولا هذه طريقتنا."
تمتم بعض القادة الشباب بقلق، بينما وجّه آخرون أنظارهم نحو جيولف، منتظرين ردّه. أما كلاريك، فلم يكترث، بل تقدّم خطوةً إلى الأمام ولوّح بيديه بعنف، فارتجف درعه مع كل حركة.
زمجر كلاريك قائلاً: "سأخبركم بما أراه؛ أرضٌ مليئة بالضعفاء! فلاحون يركعون دون قتال، ويسلمون غلالهم كالكلاب المهزومة! ونحن -أنت وأنا وكلنا- نجلس هنا نأكل طعامهم وننام في بيوتهم، بينما كان ينبغي لنا أن نرفع أسلحتنا ونغير على حقولهم! أن نأخذ ما نريد بحد السيف وبحق القوة، بدلاً من أن ننتظرهم بخنوع حتى يمنّوا بها علينا!"
رفع بعض القادة، ولا سيما أولئك المنتمين إلى قبائل اعتادت على الغزو أكثر من الحكم، أسلحتهم عالياً تأييداً له. ارتطمت الرماح بالدروع، ودوت صيحات الحرب في أرجاء القاعة. استدار كلاريك، وتألقت عينه السليمة الوحيدة بزهو وهو يرى الدعم يتزايد من حوله.
"إنهم ضعفاء!" صاح كلاريك بصوتٍ غطى على الضجيج. "لقد رأينا ذلك بأم أعيننا! رجالهم تحطموا كالأغصان اليابسة في الثلج عندما دهمناهم في الميدان. نبلاؤهم بكوا وهم يتوسلون من أجل حيواتهم! والآن تقولون لي إننا مطالبون بالجلوس هنا لنحكمهم؟ أنأكل فتاتهم كذئاب هرمة عجزت عن الصيد؟"
تعالت الهتافات، وضرب العديد من القادة أسلحتهم على الأرض موافقين.
بقي جيولف جالساً صامتاً كالجبل الأشم، وعيناه السوداوان مثبتتان على كلاريك. كان وجه الكنوتور العظيم جامداً، وأفكاره حبيسة قناع من اللامبالاة الباردة، ولكن في داخله كانت عاصفة هوجاء تعصف.
"لم أخطُ حتى ثلاث خطوات داخل الغرفة،" فكر جيولف بمرارة، "وسبب مشاكلي يقف أمامي، بصوته العالي وعماه المعتاد."
ازدادت سخرية كلاريك حدةً، وتشوّه وجهه المُندب بازدراء وهو يُشير بإصبعه نحو جيولف. "وبدلاً من أن نستولي على أراضي النبلاء، تركناها لهم!" زأر بصوتٍ مُثقلٍ بالاحتقار. "كل ما طلبناه هو كلمتهم! ولائهم! أتظن أنهم يُبالون بأيمانك يا كنوتور؟ أتظن أن كلماتهم تساوي الحبر الذي كتبت به؟"
انحنى كلاريك إلى الأمام، وانخفض صوته إلى هسيس مرعب. "أتظن نفسك ملكنا الآن؟ وأننا سننحني ونطيع أهواءك، مثل أولئك الفلاحين الجبناء الذين ينحنون في حقولهم؟"
انفجرت الغرفة بالهمسات والضحكات الخافتة، وأومأ بعض القادة بالموافقة، بينما تبادل آخرون نظرات مترددة. ولكن قبل أن يتمكن كلاريك من المضيّ أبعد من ذلك، نهض جيولف بكامل قامته الشاهقة، ورفع يده لإسكات الضجيج.
"لن ننحني لأحد!" دوّى صوت جيولف، مردداً في أرجاء القاعة كقصف الرعد في عاصفة شتوية. سكتت الهمسات على الفور والتفت إليه القادة، فغمرت هيبته وسلطته حالة السخط السائدة.
ألقى جيولف نظرة ثاقبة على القادة المجتمعين، وكان صوته ثابتاً لكنه آمر. قال بكلمات حاسمة لا هوادة فيها: "لست ملككم، ولا أريدكم أن تتذللوا عند قدمي أو تركعوا لي في غدوي ورواحي."
تقدم خطوةً إلى الأمام، وسيطر حضوره على الغرفة. "بفضل الغزو أقف هنا. بدمي، وعرقي، ودماء الآلاف الذين سقطوا قبلنا. قاتلنا، وسفكنا الدماء، وتحملنا ما لم يطق غيرنا تحمله." حدق في كلاريك ملياً. "بفضل ذلك الغزو نلتُ ولاء هؤلاء الناس الذين أقسموا لي، لا لك ولا لقبائلك. لي أنا."
استدار جيولف، ونظراته حادة كالنصل وهو يخاطب الحضور: "لقد مُنح كل واحد منكم أرضاً. أرضٌ لكم أن تحكموها، وتسيطروا عليها، وتدافعوا عنها. افعلوا بها ما شئتم؛ افرضوا عليها الضرائب، أو اغزوها، أو ازرعوها، أو أحرقوها عن بكرة أبيها -لا شأن لي بذلك." ثم توقف، وازدادت نبرته برودة. "لكن النبلاء الذين أقسموا يمين الولاء، أقسموا بالخدمة لي أنا. ليس لك."
التفت إلى كلاريك، وضاقت عيناه السوداوان وهو يخطو خطوة أقرب، متفوقاً على زعيم "بيترروكس" بطوله الفارع. زمجر جيولف بصوت منخفض ومهدد: "أخبرني يا كلاريك، ما الذي تريده بحق الجحيم؟ معدتك ممتلئة باللحم والحليب والنبيذ والحبوب؛ أشياء لم تحلم بها قط في الشمال. لديك أرض تملكها. لم تعد تطارد الأرانب في الثلج، أو تكشط الطحالب من الصخور لتبقي شعبك على قيد الحياة."
ارتفع صوت جيولف مجدداً، مخترقاً التوتر في الغرفة كالسيف المحمى. "ماذا تريدون أكثر؟ غارة أخرى؟ مذبحة أخرى؟ أم أنكم تريدون فقط البصق والتذمر لأنكم لا تطيقون فكرة امتلاك شيء بعد العدم؟ فكرة أن شعبكم لم يعد يتضور جوعاً؟ أو ربما تزعجكم فكرة أن تنعموا بنار دافئة بجانبكم في الشتاء، تقيكم قسوة الليل؟ إذا كنتم تكرهون هذه الرغد، فربما عليكم أن تديروا ظهوركم وتعودوا إلى ديارنا القديمة الموحشة..."
امتدت يد جيولف إلى حزامه، ممسكةً بمقبض فأسه الضخم. وبحركة انسيابية واحدة، انتزعه، فتلألأ نصله الحادّ بشكلٍ مُرعب في ضوء النار. ودون أن يُحوّل نظره عن كلاريك، رفع السلاح عالياً ثم هوى به على الطاولة الخشبية السميكة بجانبه.
كان وقع الضربة مدوياً؛ شقّ الفأس سطح الطاولة تماماً، وتناثرت الشظايا في كل الاتجاهات بينما تصدّعت الطاولة وانحنت تحت وطأة الضربة الغاشمة. خيّم صمتٌ مُريب على الغرفة، وارتجف القادة من هول العنف المفاجئ، وحلّ محلّ همهماتهم السابقة سكونٌ متوثّر.
انحنى جيولف على الفأس المغروسة، وقد ابيضت مفاصل أصابعه حول مقبضها، وهو يحدق في كلاريك بنظرة ثاقبة كقوة السلاح نفسه. كان صوته منخفضاً وقاتلاً، يشق الهواء: "أم أنك تسعى إلى قتال يا كلاريك؟ هل هذا هو سبب كل هذا النباح؟ لأنه إن كان الأمر كذلك، فقد حان الوقت لتتعرف على فأسي عن كثب."
ضيق عينيه، وارتفع صوته كالعاصفة: "إن كنت تظن أنك قادر على هزيمتي، فهذه فرصتك. خذ سلاحاً، قف أمامي، ووجّه ضربتك. هيا يا زعيم الصخور المرة!" بصق الاسم بازدراء. "لنرى إن كانت مرارتك تتسع لأكثر من الخمر والشكاوى!"