الفصل الخامس والتسعون: أهذا تحولٌ إلى عالم الخيال ؟
أضفت أضواء النيون المتلألئة على جانبي شوارع السوق الليلي لمساتٍ من الحداثة ، بينما بدت المركبات المارة في الأسفل ضئيلةً كأنها نملٌ يدب على الأرض. وبينما كان "لو رين " يقف على الحافة ناظراً إلى الأسفل ، شعر بتسارع نبضات قلبه ، وبدماءٍ تتدفق بجسده في سريانٍ محموم ، وبأنفاسه التي كانت منتظمةً تضطرب وتثقل ، لدرجةٍ جعلت "النظام " لا يملك إلا أن يرسل له تنبيهاً:
"تنبيه: بسبب التنفس المستمر ، لقد اكتسبت -بشكل غامض- بصيرةً في فنون التنفس! "
وقف "لي زي تشنج " الذي غاب لفترة طويلة ، بجانبه مكتوف اليدين ، يراقب "لو رين " وهو يقف على حافة البناء بإعجابٍ شديد. فلم يكن يتوقع حقاً أن يبلغ "لو رين " بهذا "قبضة صقر العنقاء " إلى هذا المدى في غضون عامٍ واحدٍ فقط ؛ فعندما وصله الخبر لأول مرة عن طريق "تشانغ لي " ظن أنها مجرد مزحة من مزحات شهر أبريل.
وبعد أن تأكد مراراً وتكراراً ، أنهى مهامه بسرعة ، وعاد مسرعاً إلى "عاصمة شو " وفور اطلاعه على تفاصيل "لو رين " رتب لقاءً عاجلاً معه دون أي تأخير.
حاول "لي زي تشنج " جاهداً الحفاظ على هدوئه ، وخاطب "لو رين " الذي كان ما زال واقفاً على حافة البناء ، مُصدراً أنفاساً ثقيلةً متلاحقة:
"إن التدرب على فنون القبضة حتى الرمق الأخير ، مهما بلغت موهبتك ، سيتباطأ لا محالة ، خاصةً لمن هو مثلك على بُعد خطوة واحدة من دخول مرتبة الكمال المطلق في فن القبضة ؛ إذ يتطلب الأمر محفزات خارجية قوية ".
صمت "لي زي تشنج " قليلاً ، ثم تقدم نحو حافة البناء حتى إنه عرض نصف قدمه للخارج ، ومع ذلك بدا مسترخياً مطمئناً دون أدنى توتر ، ولم تظهر عليه أي علامات خوف أو تراجع رغم الرياح العاتية في الأعالي.
"كأنما يمشي على أرضٍ مستوية! " - هذا ما خطر ببال "لو رين ".
تابع "لي زي تشنج " بجدية "إن محفزات معارك الحياة والموت ، رغم أنها تولد شعوراً طاغياً ومثيراً على الروح والجسد إلا أن ذلك الضغط العنيف والنشوة التي تأتي بين الحياة والموت أمرٌ آسرٌ حقاً ، لكنه ليس الغاية القصوى من ممارستنا لطريق الفنون القتالية. و لقد رأيت العديد من مهووسي القتال يلقون حتفهم في سعيهم لتحقيق اختراقاتٍ عبر المعارك ".
تنهد "لو رين " طويلاً وقال "المعلم لي ، ما هو فن القبضة حقاً ؟ إلى يومنا هذا ، لا أزال أجهل ماهيته ".
صمت "لي زي تشنج " لبرهة ثم قال "لست أملك الأهلية لأدعي الزيف حول بلوغ غاية فنون القبضة. و لقد بلغتُ نهاية 'قبضة صقر العنقاء ' تماماً كما فعل مؤسس هذا الفن. إن هذا هو قدري ومبلغ قدرتي ؛ إذ عليّ أن أشق طريقي الخاص. و أنا مجرد مسافر على هذا الدرب الطويل الذي لا نهاية له في طريق الفنون القتالية ".
ساد الصمت بينهما.
إن ما يُسمى بـ "مدرسة القبضة الصغيرة " يعني أنه في الجيل الواحد ، لا يوجد سوى ممارسَيْن أو ثلاثة ، ربما يتركون خلفهم تفسيراً لتقنيات القبضة ، أو يبتسم لهم الحظ فيتلقفها شخص مقدر له ذلك. وإن عاندهم الحظ ، تلاشت المدرسة من التاريخ تماماً.
لذا تبدو "قبضة صقر العنقاء " محرجةً نوعاً ما ؛ فعلى الرغم من تصنيفها كمهارة قتالية من الدرجة الأولى داخل "قسم الأمن " إلا أنها تفتقر إلى أسس المدارس الكبرى ، وتُعد مجرد غصنٍ ذابلٍ من طائفة "التاو ". وغالباً ما تواجه مثل هذه الفروع خطر الاندثار في أي لحظة.
لكن ، أن ينجب هذا الجيل "لي زي تشنج " فهذا بحد ذاته أمر استثنائي ، والآن انضم إليه "لو رين ". فمدرسة يبلغ أحد أفرادها مرتبة الكمال المطلق في فن القبضة ، والآخر يقترب من مرتبة النجاح العظيم ، هو أمرٌ لا يمكن تصوره بين مدارس القبضة الصغيرة.
نتيجةً لذلك تأثر "لي زي تشنج " لدرجة أنه رغب بصدق في تعليم "لو رين " وإخراج المهارات التي كانت يخفيها ؛ فإرث مدرسة صغيرة كهذه عزيزٌ جداً ويصعب الحفاظ عليه.
لم يملك "لي زي تشنج " إلا أن يكمل قائلاً "ربما في العصور القديمة كان أسلافنا يبتكرون فنون القبضة من أجل البقاء في أقسى الظروف ، يصارعون السماء والأرض ، ويمزقون الوحوش ليجدوا مساراً للعيش لجنس بني آدم ، كي يقتلوا الأعداء ويهيئوا سبل النجاة. و لكن بعد مرور سنوات لا حصر لها من التطور ، فإن طريق الفنون القتالية اليوم لا يتعلق بالتأكيد بمجرد القتل والقتال ".
لمعت عيناه ، وقال أربع كلمات "مارس الفنون القتالية لتقوية الجسد! "
قال "لو رين " "المعلم لي ، في معركتي مع 'تشين داولي ' سابقاً كان فن قبضته خاصاً جداً ، ويبدو أنه يمتلك... "
فقاطعه "يمتلك 'نيةً ' خاصة ، أليس كذلك ؟ "
أظهر "لي زي تشنج " لمحة من التذكر وقال "لكل مدرسة قبضة متفوقة نيتها الخاصة ".
سأل "لو رين " "مثل أسلوب التأمل ؟ "
أومأ "لي زي تشنج " "تلك طريقة واحدة لفهم الأمر ، لكن نيتهم مرتبطة بفن قبضتهم. خذ 'تشين داولي ' على سبيل المثال ، فهو ينحدر من النطاق الإمبراطوري الشمالي لطائفة التاو ، ويمارس 'قبضة نية قلب بي دو ' ".
أشار إلى السماء التي لا تزال صافيةً فوقهما وقال "بي دو (الدب الأكبر) ترمز للموت ، ونية القلب تنتمي للنار. يعتمد فن قبضته على الانفجار المفاجئ ، ومسار لكماته لا يمكن التنبؤ به ، حيث يمثل القلب كمادة متفجرة والقبضات كالمدافع. ومع تقدم العصور ، تتحدث فنون القبضة وتتطور باستمرار.
باستخدام القلب كمصدر لقوة 'التشي ' ، وبمجرد صقل القلب لحالة شديدة القوة ، يوفر نبض القلب وتدفق الدم دعماً هائلاً للحظة انفجار الجسد. إن إدارة عمليات القوة الجسديه اللحظية بهذه الضخامة تتطلب قوةً ومرونةً ذهنيةً عالية.
يمكن القول إنه الفن الأكثر فتكاً في طائفة التاو ، ويعد 'تأمل بي دو ' أسمى أساليب الزراعة الروحية في الطائفة ، ومن خلاله فقط يمكن لـ 'قبضة نية قلب بي دو ' أن تطلق تلك القوة التدميرية الهائلة ".
بعد أن قال هذا توقف "لي زي تشنج " قليلاً قبل أن يضيف "راقبني ".
التفت "لو رين " على الفور وجد فرصةً ليريح أعصابه.
وقف "لي زي تشنج " ويداه تتدليان بشكل طبيعي ، وعضلاته مسترخية تماماً. لم يتوقف عند هذا الحد ، فبفضل حاسة السمع المرهفة لدى "لو رين " لاحظ أن أنفاس "لي زي تشنج " الطويلة بدأت تتلاشى سريعاً حتى كادت تنعدم ، وأصبح دوي قلبه القوي مسموعاً بوضوح ، لكنه استمر في الانخفاض.
وأخيراً ، صار سريان الدم في جسده هادئاً كالجداول التي تصب في بحيرة ساكنة.
وفجأة!
دويّ!
تردد صوت رعدٍ مكتوم فجأة من جسد "لي زي تشنج " صوتٌ ناتجٌ عن نبضة قلب عنيفة ومفاجئة.
في لحظة خاطفة ، دفع القلب شديد القوة الدماء ، حاملاً كميات هائلة من 'التشي ' والدم بسرعة إلى الأطراف وكل جزء في الجسد ، موفراً طاقةً هائلة لدعم حركات "لي زي تشنج " الانفجارية في هذه السلسلة القصيرة من الحركات الداخلية.
رأى "لو رين " عضلات "لي زي تشنج " تنتفخ في تلك اللحظة ، وبرزت العروق على جلده مع تدفق الدم السريع.
قلبٌ كأنه الرعد ، ووجهٌ كالماء الراكد!
فجأة!
انطلقت صرخة حادة تشبه زقزقة طائر ، وقطع الهواء الذي شقته القبضة مكوناً موجةً بيضاء مرئية ، وكانت حركة القبضة غير متوقعة كأنها "غزال يعلق قرونه على غصن شجرة " فلا تترك أثراً.
والأكثر دهشة ، أنه بسبب الانفجار السريع لقبضة "لي زي تشنج " في لحظة قصيرة جداً ، دوّت ريح عاتية في تلك اللحظة كأنها مدفع هوائي ، لتضرب الأرض تحت قدميه كما يضرب المطرقة الحديدية!
بوووم!
ارتطم مدفع قبضة الهواء بالأرض بقوة صادمة ، محدثاً شقوقاً دقيقة وطويلة.
وقف "لو رين " مذهولاً ، بطيء الاستيعاب بعض الشيء ، فهذا كان مبالغاً فيه قليلاً ، أليس كذلك ؟ ألا نتحدث عن فنون القبضة ؟ أأنت تجرنا إلى عالم الخيال هنا ؟!
لكن يبدو الأمر نوعاً ما زائداً عن الحاجة ؟
لقد رأى "لو رين " بوضوح ، أن قوة مدفع قبضة الهواء ، المتكونة من القوة العظيمة والسرعة والتحكم الماهر في الطاقة ، تتبدد سريعاً بمجرد خروجها من القبضة ، لذا لم يكن بوسعها إلا ضرب الأرض تحت قدمي "لي زي تشنج " أما على بُعد أكثر من خمسة أمتار فقد لا تملك من القوة إلا ما يكفي لدفع شخصٍ ما ليسقط أرضاً.