كان "جيس " الذي كان يراقب من جانبه ، يتحدث بنبرة يملؤها السخرية "يا آنسة آنا ، البشر ليسوا دائماً بالسهولة التي تظنينها في التنمّر ، أيتها الصغيرة... "
"اصمت!!! "
انطلق صوتٌ طبقيّ ، يحمل في طياته أصواتاً لا تُحصى ، مندفعاً نحو "جيس " كأنه موجة من طاقة (التشي). غير أن هذه الأمواج تلاشت إلى عدمٍ على بُعد ثلاث أقدام منه ، كأنها نسيم عليل يداعب الوجه.
"همف! "
زفر "جيس " ببرود ، ثم استدار مغادراً بسرعة ، ولم يترك خلفه سوى صوته "هذه هي أكاديمية (غراي) ، أيتها المشاكسة ؛ وأعتقد أن مُعلمي الأكاديمية يسعدهم كثيراً رؤية أمثالكِ من المتمردين. "
ارتجف جسد "آنا " ثم طأطأت رأسها. وحين رفعته مجدداً كانت تلك العيون التي لا تُعد ولا تُحصى قد تلاشت ، ولم يبقَ سوى زوج من العيون القرمزية التي تشبه الأحجار الكريمة وهي تحدق إلى الأمام. ثم سارت ببطء متبعةً توجيهات الشارة نحو مأواها الآمن.......
كان قلب "لي تشنج " ما زال يخفق بعنف بعد مغادرته بوابة المدرسة ، ولم يتبدد شعوره بالخوف المتبقي إلا بعد وقت طويل. لو أنه أجاب فعلاً على سؤال تلك التي تُدعى "آنا " كالأبله قبل قليل ، لكان قد تسبب لنفسه بمشكلة عويصة ؛ إذ بدا أن الطرف الآخر قادر على تعقبه من خلال اسمه الحقيقي. حيث تماماً مثل الشياطين ، فإذا انكشف اسم المرء الحقيقي ، ينتظره مصيرٌ أشدُّ وطأة من الموت.
كان هؤلاء القوم خطرين للغاية. وبعد أن هدأت أفكاره لم يسعه إلا أن يتنهد ، ثم لمعت في عينيه لمحة من البرود ، وقد عزم على الانتقام متى واتته الفرصة. فهو ليس من النوع الذي يرضى بالضيم دون أن يكيل الصاع صاعين.
هل أنقذ العالم بمحض الصدفة ؟
لا يدري كم سار من الوقت ، ربما ساعة ، أو ربما ساعتين ، أو ربما لم تمر سوى عشر دقائق.
بمجرد دخوله رقعة من الضباب الأبيض ، أخذ مفهوم الوقت يتلاشى في ذهنه أكثر فأكثر. لم يعرف كم استغرق الأمر حتى توقف أمام منزل صغير يكتنفه الضباب.
أشارت الشارة إلى أن هذا هو مأواه الآمن.
كان منزلاً خشبياً من طابقين ، لكن هيكله الأساسي مشيد من الطوب ، تعلوه مدخنة ، وتتناثر ألواح السقف المائلة نحو الأسفل ، مع ممر من الحصى الدافئ يمتد حتى بوابة السياج. حيث كانت الحديقة الصغيرة عند المدخل تعج بالأعشاب الضارة ، وكان هناك شجرة من قبيله مجهولة تقف جانباً ، مُثقلة بثمار ذهبية.
مد "لي تشنج " يده وضغط على كتلة رقم المنزل بجانب البوابة ؛ فومضت كرة الضوء التي استُحضرت في ذهنه برقة ، ثم شعر "لي تشنج " وكأن المنزل الخامل أمامه قد دبت فيه الحياة ، وانتابه شعور غريب بالألفة.
كان تعبير وجهه غريباً بعض الشيء ، كما لو أنه أنجب لتوّه طفلاً.
بمجرد تفكير بسيط ، أضاء المنزل الذي كان مظلماً في الحال وانبعث ضوء ناعم من النوافذ ، مما سمح له أخيراً بإرخاء قلبه المتوتر. فُتحت بوابة السياج تلقائياً ، وتأرجح باب المنزل ببطء ، مرحباً بمالكه الجديد.
دخل "لي تشنج " واستقبلته غرفة جلوس تضم طقماً من ثلاثة أرائك حول موقد ، وتعلق على جانبيها رؤوس أيائل. وبجانبها مطبخ مفتوح ، وعلى الجانب الآخر غرفة دراسة مفتوحة. حيث كانت المصابيح المعلقة تبعث توهجاً أصفر دافئاً ، يُنير أرجاء المنزل ، ويكشف كل تفاصيله بوضوح.
في الطابق العلوي غرفتا نوم. حيث مد "لي تشنج " يده ليضغط على السرير ، مستشعراً ملمسه الوثير. و بعد نزوله الدرج ، فتح باباً بجانب غرفة الدراسة ، لتظهر سلالم تمتد للأسفل. حيث كان قبو المنزل.
بعد أن تجول في المكان ليتأكد من عدم وجود أي شيء غير طبيعي ، عاد إلى مدخل القبو. نزل خطوة بخطوة ، وكانت مصابيح الحائط تضاء تباعاً على طول الطريق كما لو كانت مصابيح تعمل بحساسات الحركة ، وهو أمر وجده "لي تشنج " مبتكراً للغاية.
عند دخوله القبو ، رأى طاولة مليئة بالأواني الزجاجية المخصصة لأغراض الكمياء ، وفي الجانب الآخر مذبح سحري. ووفقاً لشرح الكتاب ، يُستخدم هذا المذبح لاستدعاء كائنات من عوالم أخرى. ألقى نظرة على الرموز السحرية المنقوشة على المذبح ، ثم تراجع للوراء ؛ فلو لم يكن مخطئاً ، ربما كانت هناك رموز لاستدعاء آلهة شريرة بينها.
هذا أمر مبالغ فيه حقاً ؛ فأكاديمية "غراي " للسحر لا تضع أي محرمات. إن كتاب "أصل السحر " و "مسار ترقي الساحر " اللذين درسهما قبل الالتحاق ذكرا بوضوح أن سحرة تقنيات الاستدعاء ممنوعون من استحضار الآلهة الشريرة.
في المستقبل ، إذا أراد التوسع ، يمكنه استخدام السحر لتوسيع المكان باستمرار. وإذا اتسع وقته ، يمكنه حتى إعادة تصميم هذا المنزل ليصبح قصراً. و لكن هذه الأمور كانت لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لـ "لي تشنج " ؛ فمسار تعلم السحر وممارسته شاق للغاية ، والآن لا يسعه سوى النظر بشوق إلى تلك التعاويذ المرتبطة بالسحر ذي المستوى العالي.
عاد "لي تشنج " إلى الردهة ، وألقى بنفسه على الأريكة ليستريح قليلاً ، ثم توجه إلى المطبخ ليلقي نظرة. حسناً ، لا يوجد شيء هنا ، ولا حتى في الخزانة التي نُقشت عليها رموز عنصر الجليد لتجميد المكونات. وانتقل إلى غرفة الدراسة ، فلم يجد على رفوفها سوى بضعة كتب "أصل السحر " "مقدمة في الرموز السحرية " "تشكيل الطاقة السحرية " "نظرية السحر " "مسار ترقي الساحر " و "تقنيات التأمل الأساسية ". وكلها كتب أُتيح له قراءتها كما نصت عليه رسالة القبول.
ووفقاً لمعلومات الشارة ، فإن أكاديمية "غراي " للسحر تمتلك مكتبتها الخاصة ، بمجموعة غنية لدرجة أنها تفتخر باحتوائها على كتب خطّتها أيدي الآلهة.
منطقة التدريس ، المكتبة ، مختبر الأبحاث السحرية ، ومنطقة التجارب. حيث كانت أكاديمية "غراي " للسحر مقسمة إلى أربع مناطق.
إذن ، حان وقت العودة.
نظر "لي تشنج " إلى باب المنزل الصغير المغلق ، وتقدم نحوه وأمسك بالمقبض. وبمجرد ظهور الشارة الموشومة على معصمه وانبعاث موجة من الطاقة السحرية ، توهجت الرموز السحرية الغامضة على المقبض بشكل خافت ، ودارت حوله قبل أن تتوقف ، ثم دفع الباب مفتوحاً.
ما استقبله لم يكن العشب خارج المأوى الآمن ، بل كان استوديو سكنه الذي لا تتجاوز مساحته ثلاثين متراً مربعاً ، كأنه عاد للتو من الخارج وفتح الباب.
"فهمت الآن. "
أدرك "لي تشنج " الأمر فجأة. المأوى الآمن يبحث تلقائياً عبر مسار الدخول ويرتبط بالباب ليجد مخرجاً. ثم يطرح السؤال نفسه: إذا كان يحدد الموقع ويربطه تلقائياً بهذا النحو ، فلماذا يختار الباب الرئيسي بدلاً من درج أو خزانة ملابس أو ما شابه ؟
هل يختار أنسب طريقة للفتح بناءً على تذكير بطوله ؟
أمر محتمل جداً.
مع بقاء هذا السؤال في ذهنه ، دخل "لي تشنج " إلى غرفته المستأجرة واستلقى على السرير ، ليغمره شعور بالأمان لم يسبق له مثيل. و في بيئة خانقة كأكاديمية "غراي " للسحر كان من الصعب العثور على جو نشط. حيث كان المشهد مختلفاً تماماً عما تخيله ، مشهداً يفيض بالبرودة والشر.
اتضح أن البرامج التلفزيونية مثل "هاري بوتر " مضللة ؛ فالسحر قد ينبع بالفعل من الآلهة ، لكن ربما ليس من آلهة خيرة...
أو بالأحرى ، ما عرضته أكاديمية "غراي " للسحر حتى الآن ليس سحراً مشروعاً.