قدم "روزنبرغ " له نصيحةً قيّمة ؛ فبما أنه قد ألمَّ بالمعارف الأساسية لنظرية السحر ، فقد صار لزاماً عليه أن يواظب على ممارسته ؛ إذ لا سبيل للتأهل لتحليل جوهره إلا بكثرة الاستخدام.
أما عن كتابي "مقدمة في الرونية السحرية " و "مسار ترقية الساحر " فلم يطالعهما "لي تشنج " إلا إلماماً. فالرونية السحرية تُعنى أكثر بتنظيم المصفوفات السحرية والتعاويذ ، وبإمكانه تعلمها ، لكن الأولوية في الوقت الراهن تكمن في تعلم سحر المستوى "صفر ".
أما كتاب "مسار ترقية الساحر " فهو لا يتناول سوى المعايير الخاصة بفئة الساحر ، والمسارات المتعددة المتفرعة عن السحر ؛ من "سياف الشيطان " و "المشعوذ " و "الكاهن " و "الفارس " وعشرات المسارات المهنية الأخرى. وبالنسبة لـ "لي تشنج " في وضعه الحالي ، لا يحمل هذا الكتاب أي أهمية ، ما لم يبلغ مرتبة "مبتدئ سحر متقدم " ويجد الوقت الكافي لدراسة هذه المسارات بغية التطور المهني.
وبينما كان غارقاً في أفكاره في منتصف طريقه ، انبثق صوتٌ فجأة من جانبه:
"يا طالب العالم الفاني ، هل تتجه إلى المكتبة ؟ "
انتفض "لي تشنج " خارجاً من شروده ، والتفت ليرى شخصاً يرتدي رداءً أسود. و شعر ببعض الارتياح ، رغم أن السير في هذا الطريق المحفوف بالضباب الذي يُغشي الرؤية كان يثير الريبة. ومع أن "أكاديمية السحر الرمادية " تحظر النزاعات بين الطلاب إلا أن نبرة المتحدث التي كانت تفيض بعبارات الإغواء لم توحِ بنوايا حسنة.
كان هذا الشخص أحدبَ الظهر ، ضخم البنية حتى إنه ليبلغ طوله متراً وتسعين سنتيمتراً رغم انحنائه. وفوق ذلك التقط "لي تشنج " بدقة عبارة "طالب من العالم الفاني " مما عزز شكوكه. وبنبرة هادئة ، قال "لي تشنج " "ما الأمر يا زميلي ؟ "
أجاب الآخر "مهلاً! لا داعي لهذا الحذر المفرط ؛ فهذه شيمة البشر ، يُضمرون عداءً شديداً لكل من يختلف عنهم ". ثم هز كتفيه بنبرة مسترخية وأضاف "يُدعى اسمي هيميرتوس ، وأنت ؟ "
"... الراهب الأعمى. "
"الراهب الأعمى ؟ اسم غريب حقاً ، يبدو وكأنك كفيفٌ بالفعل! " أشار "هيميرتوس " إلى نفسه بزهو "أنصت إلى اسمي ، هيميرتوس! "
سأل "لي تشنج " عرضاً "هل يحمل هذا الاسم معنى خاصاً في موطنك ؟ "
"بالطبع! أنا هيميرتوس ، سأعود يوماً ما من الهاوية ، لأجتث كل من يقف في طريقي ، وأبيد كل من أمقتهم! "
ملأت نبرة "هيميرتوس " العميقة وكلماته "لي تشنج " بشعور غامرٍ بالوحشية وسفك الدماء.
"هذا... معنى مذهل حقاً. "
"وأنت ، لِمَ جئت إلى (غراي) ؟ "
حتى تلك اللحظة لم يكن "لي تشنج " يدرك كنه "أكاديمية السحر الرمادية " ؛ كان يعلم فقط أن "غراي " مرادفٌ للشر لا محالة. و نظر إلى السماء الرمادية الملبدة بالغيوم ، وإلى المحيط الذي بدا أشبه بالعالم السفلي ، حيث الضباب يغطي مباني بعيدة غامضة. حيث كان موقناً أنه لولا شارة الأكاديمية لضلَّ طريقه في هذا المكان الموحش.
"بالطبع ، جئت لأتعلم السحر. "
"هاه ؟! "
بدا "هيميرتوس " وكأنه سمع شيئاً لا يُصدق. وبعد هنيهة تمتم قائلاً "الفاني يأتي إلى (غراي) ليتعلم السحر ؟ يا لها من أضحوكة كبرى! ألا تعلم أن (غراي) مكانٌ لا يجرؤ على دخوله إلا الشياطين ؟ "
اضطرب قلب "لي تشنج " قليلاً ، لكنه قال بهدوء "يمكن للمرء تعلم سحر مختلف هنا. "
"حسناً ، قولك صحيح ، فـ (غراي) بارعة في التعامل مع الشياطين. " ضحك ضحكة حادة وأضاف "حتى الآن ، لقد التهمتُ عدة شياطين. "
صمت "لي تشنج " مشدوهاً ومذعوراً ، وبعد أن تملكته عاصفة من المشاعر ، غمره التعجب ؛ أيمكن التهام الشياطين ؟
عندما وصلا إلى المكتبة ، لوح "هيميرتوس " بيده "سررت بلقائك يا راهب أعمى. و أنا داخلٌ إلى المكتبة الآن ، حظاً موفقاً. "
لم ينتظر رد "لي تشنج " بل دفع باب المكتبة القديم المنقوش ببراعة ، ودخل إلى الظلال دون تردد.
"كم هو غريب! ندخل المكتبة معاً ، ثم يتمنى لي الحظ السعيد ؟ "
نظر "لي تشنج " إلى مبنى المكتبة الذي يشبه القلعة ، والمبني من حجارة رمادية غليظة ؛ بدا الهيكل ضخماً ، وطبقاته المتراكمة من درجات الرمادي الكئيب جعلته مظلماً وموحشاً. "هذا المكان ليس مكتبة ، بل هو أشبه بمدخل لمقابر (نازاريك) السرية! "
كبح "لي تشنج " رغبته في التذمر ، وصعد الدرج حتى بلغ باب المكتبة المليء بالنقوش الغريبة. وما إن لامست يده الباب حتى سطعت شارة الأكاديمية بقوة ، مُطلقةً موجات سحرية مكثفة تداخلت مع نقوش الباب.
*طنين!*
صدر صوتٌ يكاد لا يُسمع من الباب ، تلاه تلاشٍ لكل التموجات السحرية ، وانفتح الباب بصمت. حيث كان الداخل غامضاً ، وكأن الظلال ابتلعت كل شيء ، وطمست معالم المكان. حيث كان يفوح برائحة الغموض والظلمة والنفور. ومع ذلك وبإرادة صلبة ، خطى "لي تشنج " إلى الداخل خطوة تلو الأخرى.
*طاخ!*
أفزعه انغلاق الباب الصامت ، فالتفت إلى الوراء. وقف هناك طويلاً حتى اعتادت عيناه على الأجواء ، ليرى صفوفاً من الأرفف المكدسة بكتب لا حصر لها تمتد إلى ما لا نهاية ، يغمرها ضوء خافت غامض المصدر.
"أين ذهب هيميرتوس ؟ "
مسح "لي تشنج " المنطقة بصمت ، دون اكتراث كبير ؛ ففي "غراي " لكل فرد أسراره ، وما عليك إلا أن تهتم بشؤونك الخاصة. وما إن همَّ بالتوجه نحو الأرفف حتى سمع صوتاً مألوفاً بجانبه:
"أيها الزميل البشري ، تذكير ودي: إذا لم تبلغ قوتك مستوى معيناً ، فقد تُؤكل بمجرد تقليبك لصفحات كتب السحر المتقدمة~ "
هذا التنغيم ، وذلك الصوت المتهكم ؛ إنه "تشوانغ شو " بلا شك. التفت برأسه وعيناه متسعتان نحو زاوية مظلمة ، وأخيراً لمح هيئة مكتب يجلس خلفه "تشوانغ شو " بعباءته السوداء التي تماهت مع العتمة.
قال "لي تشنج " بحذر "إنه أنت يا معلم (تشوانغ شو) ، مرحباً! "
ضحك "تشوانغ شو " ضحكة غريبة ، وبدا أشبه بطيف نحيل ، ثم انحنى للأمام مما أتاح لـ "لي تشنج " رؤيته بوضوح. شبك "تشوانغ شو " يديه على المكتب ، وراح يرمق "لي تشنج " بعينيه القرمزيتين ، متفحصاً إياه باهتمام.
وبعد طول صمت ، قال بنظرة مذهولة "يبدو أنك قد كثفت طاقتك السحرية ؟ "
نهض فجأة ، وبطوله الفارع الذي يبلغ مترين ونصف ، بثَّ ضغطاً جعل الهواء ثقيلاً. ثبت "لي تشنج " في مكانه ، قبض على يديه بإحكام تحت كمَّيه ، ولم يتحرك ، مواجهاً "تشوانغ شو " الذي كان يبدو وكأنه يستنشق عبير المكان باستمرار.
وبعد لحظات ، عاد "تشوانغ شو " للجلوس.
"مثير للاهتمام... لقد أثرت فضولي ، وأضفيت لمسة جديدة على هذه الأيام الرتيبة. "