بعد صمتٍ طال لأمد ، نظرت "لينغ تشيو إير " إلى وجه "لو رين " نظرةً مفعمةً بالوقار ، وحدقت فيه طويلاً قبل أن تقول بصوتٍ خافت "أخانا لو ، سأظل أذكرك ما حييت ، ولكن لي دربي الذي عليَّ سلكه ، ولي طائفتي التي أتوق للعودة إليها ورؤيتها ".
ثم انحنت له انحناءةً رشيقةً وقالت "أشكرك يا أخانا لو على إنقاذي من بحر المعاناة. وإذا ما احتجتَ إلى شيءٍ في المستقبل... فلن أتردد في تلبية طلبك أبداً! "
ابتسم "لو رين " وقال "أتمنى لكِ بلوغ الطريق العظيم ".
وحين رأت "لينغ تشيو إير " تلتفت وتغادر بخطواتٍ واثقة لم يشغل "لو رين " باله بكثيرٍ من الأفكار ؛ فما قدمه لها قد تجاوز بمراحل طبيعة العلاقة بينهما التي لم تكن -بكل تجرد- سوى علاقةٍ قائمةٍ على المصالح الجسديه.
وقف "لو رين " في مكانه غارقاً في أفكاره لبرهة ، وبينما كان يهم بالالتفات للمغادرة ، رأى "لينغ تشيو إير " التي كانت قد رحلت تقف خلفه بابتسامةٍ ساحرة.
فوجئ "لو رين " ؛ فقد مر وقتٌ طويل منذ أن بلغ به الاستغراق في التفكير حداً جعله يغفل عما يدور حوله.
قالت "لينغ تشيو إير " بنبرةٍ مسترخية "أخانا لو ، أعلم أنك رجلٌ تضطلع بمهامٍ جسام ، أردت فقط أن أسألك: هل تود تجربة الأمر لمرةٍ أخيرة ؟ "
ارتسمت على وجه "لو رين " ابتسامةٌ وقال "ذلك يبدو رائعاً! "
لا حاجة لذكر تفاصيل الرحلة فيما بعد ، فقبل أن تغادر "لينغ تشيو إير " أُجبرت على لزوم الفراش لثلاثة أيام ، وقد تناثرت أزياؤها وجواربها هنا وهناك ، بينما كانت تغطي جسدها وتصرخ بـ "لو رين " أن يرحل.
كان "لو رين " عاجزاً عن فعل شيء ؛ فقد انغمس في هواه قليلاً ، غير أن "لينغ تشيو إير " لم تتحمل ذلك.
حقاً ، لا يواجه "ساحرة الأسلاف " ذات العضلات المفتولة إلا "ساحرة أجداد " مثلها.
بعد مغادرة "ينغتشو " اندمج "لو رين " مع الحشود في قناة الانتقال الآني المتجهة إلى مستوطنةٍ فوق "جبل شوانكونغ " التابع للإمبراطور "غوتشين ". مكث هناك يوماً واحداً قبل أن يرحل ببطء ، متجهاً إلى أعماق سحب الرعد التي أمامه.
تقع هذه المنطقة في ضواحي "السجن السماوي " التابع للبلاط السماوي. وهنا تُنتج "ثمار الرعد " المولودة من رحم الصواعق ، والتي تمتلك القدرة على تقوية الجسد وتنقية الروح الإلهية. ولكن ليست عالية الجودة ومحدودة الإنتاج إلا أنها توفر سُبل عيشٍ كريمة.
لذا فقد نشأت مع مرور الوقت مستوطنةٌ صغيرةٌ في أقرب جبل "شوانكونغ ".
بعد أن اخترق "لو رين " طبقةً من سحب الرعد المكتظة بالغيوم المظلمة والبرق ، أخذ يتسلل بين السحب ، مستعيناً بـ "العين السماوية " التي صقلها ، ليتفادى "مصفوفة الحجب " المنتصبة في الفراغ.
وبعد ساعتين كاملتين من عبور طبقات السحب المليئة بالمصفوفات ، انجلى بصر "لو رين " فجأة. وإذا به يرى بناءً شاهقاً ينتصب في الفراغ.
بدا المبنى كأنه محطة فضاء عملاقة ، ذات طابع مستقبلي للغاية. وفي مركزه عمودٌ ضخمٌ نُقشت عليه رموزٌ غريبة ، يتدفق منه نور "الروح الخالدة " ويظهر عند قمته. وحوله حلقاتٌ دائريةٌ مستطيلة تشبه الأطواق الحديدية ، تدور باستمرار حول العمود الضخم في حركةٍ بطيئة.
كان بإمكان الحلقة الحديدية الواحدة أن تحتضن جبلاً ضخماً يبلغ قطره أربعمائة أو خمسمائة كيلومتر.
تلك الحلقات الحديدية العملاقة كانت في جوهرها زنزاناتٍ للسجن.
"هذا هو السجن السماوي. ومنذ تأسيس البلاط السماوي في العصور السحيقة ، وهو يحبس عدداً لا يحصى من الشياطين ، والأرواح الشريرة ، والوحوش القديمة العظيمة ، بل وحتى بعض الأجناس الغريبة من عصر الفوضى البدائية ".
رجلٌ ذو ملامح ماكرة وتصرفاتٍ مريبة ، لا يتجاوز طوله المتر والثلاثين سنتيمتراً -وهو الشخص الذي قبض عليه "لو رين "- أخذ يتوسل مراراً بعد أن أنهى حديثه "يا أخي الكبير ، لقد أدخلتك إلى هنا ، فهل يمكنك تركي وشأني الآن ؟ "
كانت عينا "لو رين " صافيتين كالكريستال ، تشعان ببريقٍ آسر.
"أنت تنتمي لسلالة 'فأر الكنوز ' ، وفطرتك الفضول وحب الاستكشاف. لا بد أنك دخلت هذا السجن السماوي من قبل ، أليس كذلك ؟ "
تجهم وجه "فأر الكنوز " محاولاً الإنكار ، ولكن حين وقعت عيناه على نظرة "لو رين " الثاقبة ، اضطر للاعتراف "هذا السجن السماوي مكانٌ حيويٌّ للبلاط السماوي ، يحرسه 'الملك الحقيقي قاهر الشياطين ' ، وفضلاً عن ذلك هو مليءٌ بالمصفوفات التي تجعل الحركة فيه مستحيلة ؛ فحتى لو لم تكن تحمل تصريحاً (علامة الخصر) ، فسيُكشف أمرك بمجرد الاقتراب ".
رفع "لو رين " حاجبه قائلاً "يبدو أنك دخلته من قبل. و من كان يظن أنك تمتلك مثل هذه القدرات ؟ "
شعر "فأر الكنوز " بالزهو على الفور وقال "في هذا العالم ، لا يوجد مكانٌ يستعصي عليَّ سوى ساحة 'المبجل السماوي ' والأراضي المُحَرمة المغلقة ".
"إذن ، إلى أين نتجه من هنا ؟ "
حك "فأر الكنوز " رأسه وهو ينظر مجدداً إلى كيس العملات الذهبية واليشم في يد "لو رين الأخرى ".
"أيها الإله العظيم ، إذا أدخلتك إلى الداخل ، هل ستعطيني حقاً كيس العملات الذهبية واليشم هذا ؟ "
"بالطبع ، أنا لا أخلف وعداً قطعته على نفسي ".
أجاب "لو رين " بجدية.
لقد اكتشف أنه منذ أن أتقن جمع "جوهر طاقة الأرض الثقيلة " عبر مبادئ مسار الأرض وتحويلها إلى تلك العملات ، أصبح تمهيد الطريق بالمال يجعل الكثير من الأمور أسهل بكثير.
فعلى الأقل ، يُغنيه المالُ في كثيرٍ من الأحيان عن خوض غمار المشكلات المعقدة. فبمجرد إخراج كيس العملات هذا ، سيتولى الآخرون تدبير الأمور ، وسيندفع الجميع لتنفيذ المآرب.
"منذ القدم وحتى يومنا هذا لم يتغير هذا الأمر. والآن ، مع وجود المال الذي يمهد السبل ، أظن أن 'إله الثروة تشاو غونغمينغ ' كان بإمكانه تولي منصب 'إمبراطور اليشم ' ".
عند سماع كلمات "لو رين " الساخرة ، ذعر "فأر الكنوز " وقال "لا تجرؤ على قول ذلك. و في تلك الأيام لم يكن بإمكان أيٍّ كان أن يصبح إمبراطور اليشم. و لقد تجرع ذلك الشخص ستة وثلاثين ألف بلاء وعدداً لا نهائياً من الحقب البدائية لينال ذلك المنصب ؛ فمن ارتقى إلى هناك لم يكونوا شخصياتٍ عادية ".
بعد صمتٍ قصير ، ظل بصر "فأر الكنوز " معلقاً بكيس المال في يد "لو رين " ثم التفت حوله وقال "سيدي ، لا ينبغي لنا إضاعة الوقت. علينا الرحيل بسرعة ، فدورية الجنود السماوين ستمر من هنا قريباً ".
ومضت عينا "لو رين ". ومن خلال مراقبة "فأر الكنوز " وأسلوبه المألوف والسلس ، تيقن أنه قد قام بهذا النوع من العمل مراراً.
يبدو أنه اختار الشخص المناسب فعلاً.
ففي ذلك الوقت عندما كان يحوم حول ضواحي السجن السماوي ليومٍ كامل كان هدفه العثور على دليل ، وكان "فأر الكنوز " الماكر هذا خبيراً في البحث عن الكنوز ، قادراً حتى على رؤية معظم المصفوفات وفك رموزها ، مما يسمح له بالتنقل بحرية في أماكن كثيرة.
وحتى المصباح الزيتي الذي سُرق بنجاح من تحت أنف "بوذا تاتاغاتا " كان بفضل خبرة "فأر الكنوز ".
وعلى الرغم من أن "فأر الكنوز " كان جباناً بطبعه إلا أن رغبته في الثروة وشغفه بالاستكشاف وضعاه في حالةٍ من التناقض الصارخ.
وكانت الخمسمائة عملة ذهبية ويشم التي يحملها "لو رين " كفيلةً بإشعال حماس "فأر الكنوز ". فكم عاماً عليه أن يقضي في قطف "ثمار الرعد " داخل السحب ليجني هذا المبلغ ؟
عشر ثمار رعد تعادل عملة يشم فضية واحدة ، ومائة ثمرة تعادل عملة يشم ذهبية. ومن أجل خمسمائة عملة ، كم من الثمار وكم من الأعوام سيحتاج لجمعها ؟
ظل "فأر الكنوز " يحسب سراً لقرنٍ من الزمان وهو يخفي أثره بمهارة. وعندما التفت ليرى مكان "لو رين " وجد مذهولاً أن الطرف الآخر قد اختفى دون أثر.
"كُفَّ عن التحديق ، وأكمل الطريق أمامك ".
وصل صوت "لو رين " إلى أذني "فأر الكنوز " مما جعله يرتجف قليلاً ، وسرعان ما اتخذ هيئته الحقيقية متجنباً بخفةٍ دوريات الجنود والضباط السماوين.
راقب "لو رين " "فأر الكنوز " وهو يقوده في مسارٍ دقيق للغاية ، صامتاً تارةً ورشيقاً تارةً أخرى ، وكأنه يعرف عن ظهر قلب دوران وتشغيل تلك المصفوفات المعقدة.