قضى لي تشنج شهراً كاملاً لم يبرح فيه المخبأ الآمن أو مسكنه المستأجر إلا لحضور جلسات الأسئلة والأجوبة الدورية في «أكاديمية غراي للسحر» ثلاث مرات. ولحسن حظه كان المخبأ الآمن في الأكاديمية يتمتع بميزة تعليق الزمن ، مما يتيح له ضعف الوقت المعتاد للدراسة ، فكان الشهر في منظوره يتجاوز ثلاثة أشهر.
في يوم السبت كان «لي تشنج» يقبع عند مدخل شارع «تايغو» الخارجي كجرذ شوارع ، يضم معطفه القطني إلى جسده بقوة وهو يراقب الحشود المتدفقة. وبصراحة ، في ظل هذا الطقس القارس كان «لي تشنج» يبدي إعجابه بأولئك الفتيات اللواتي اخترن ارتداء ملابس خفيفة لا تقي برداً ، مُستحضراً في ذهنه المثل القائل: «من يطلب التبرج لا يبالي بالبرد».
كان الشارع الأكثر صخباً في عاصمة «شو» يزدان بعدد لا يحصى من الفوانيس البديعة التي تضفي أجواءً احتفالية في كل ركن. وكان تصوير الشارع رائجاً كما كان دائماً ، حيث تسير شابات بملابس زاهية وأنيقة ، وحين يلحظن أحداً يوجه عدسته نحوهن ، يتظاهرن بالمفاجأة ، ثم يغطين أفواههن بخجل ، ويُعدن شعرهن إلى الوراء ، ويمضين قدماً وهن يبتسمن سراً بفتنة. حيث كان هناك أيضاً أزواج يتظاهرون بالرومانسية ؛ فتتمثل الفتاة بدلالها ، بينما يسحبها الشاب كمدير تنفيذي متسلط حين يدرك أنهما تحت عدسة الكاميرا. وبجانبهم كانت مجموعة من الرجال والنساء يرتدون ملابس «الهانفو» التقليديه ويتخذون وضعيات تصوير متنوعة.
كانت الحياة تموج بالنشاط. أما «لي تشنج» ، فكغيره من الرجال الذين لا يجدون ما يشغلهم في عطلة نهاية الأسبوع كان يمسك كوباً من شاي الحليب ، جالساً على مقعد عام ، وعيناه لا تكفان عن الجولان. حيث كان بصره ينجذب غالباً نحو أولئك الفتيات بملابسهن المتبجحة أو تنانيرهن القصيرة للغاية ، وحين يرى هؤلاء الفاتنات يتحركن بإثارة ، تبدو أجسادهن كلوحة خاطفة لم يملك نفسه من الهتاف: «ووهو!».
أخذ نفساً عميقاً ليستعيد هدوءه ، ثم راح يتبع بدقة عقد تدفق الطاقة السحرية لتعويذة «يد الساحر». كانت تلك العقد بسيطة نسبياً ، لا تتجاوز الاثنتي عشرة عقدة ، وقد صُممت في الأصل لتمكين السحرة من جلب الأشياء عن بُعد. حيث ركز ذهنَه وبدأ في تحريك السحر وفقاً للعقد ، فأي خطأ بسيط قد يتسبب في اضطراب سحري ، يؤدي بدوره إلى فقدان السيطرة على طاقته الروحية ، وربما كان ذلك كفيلاً بأن يطيح برأسه ؛ فقد حدثت سوابق كهذه من قبل.
بعد دقيقة من العمل المتواصل وتفعيل العقد السحرية والحفاظ على استمرارية التدفق.. نجح الأمر! كبح «لي تشنج» حماسه الداخلي بقوة ، ليشعر بكفٍ شفاف بجانبه ، يطفو كأنه قد يذروه الريح. ورغم افتقاره للاستقرار إلا أنها كانت الخطوة الأولى في طريقه ليصبح ساحراً!
«يا صاح أنت ترتجف بمجرد النظر ، هل تشعر بالضعف ؟».
اقترب منه رجل بجانبه مبتسماً ، فنظر «لي تشنج» إلى نفسه غريزياً. وبكل صدق كان قد استهلك طاقة جسده كثيراً في الآونة الأخيرة لجمع الطاقة السحرية حتى بات جلداً على عظم ، كقصبة خيزران تكاد تعصف بها الرياح. حيث كان بحاجة لممارسة الرياضة ، و«نظرية السحر» تشير إلى بعض التعاويذ المفيدة لتقوية الجسد ، وهي تستحق البحث. رد «لي تشنج» بتحدٍ: «من تصفه بالضعف ؟ لا تغتر بهزالي ، فعظامي مكسوة باللحم ، واعلم أن السمين يختبئ خلف شحمه ، بينما النحيل يظهر مكامن قوته!».
بعد هذا الرد الرجولي ، سيطر «لي تشنج» على «يد الساحر» لتطفو على مسافة عشرة أمتار أمامه ، فكان ذلك هو أقصى مدى له. فلو ابتعدت أكثر لفقد السيطرة عليها وتلاشت ؛ إذ ما زال عهده بالتأمل قصيراً ، ومع زيادة قوته الروحية ستزداد طاقته السحرية ، مما يوسع نطاق تحكمه. والآن ، ليرَ إن كان بمقدوره التلاعب بالأشياء.
لوحت «يد الساحر» بقوة إلى الأمام ، مما أحدث هبة ريح مفاجئة أفزعت مجموعة الفتيات اللواتي كن يتخذن وضعيات التصوير أمامه.
«يا إلهي!!» ، «ووهو!!!» ، «يا له من أمر مثير!!!» ، «نشكر السماء على هذه الرياح الإلهية!».
سارع «لي تشنج» إلى تشتيت «يد الساحر» ، ومضى مبتعداً وكأن شيئاً لم يكن ، غير مبالٍ بهؤلاء الفتيات العاديات. فبعيداً عن المزاح ، أن يصبح المرء ساحراً في سن الثانية والثلاثين ، فهذا كنز لا يبدله بشيء!
عاد إلى شقته المستأجرة بحماس ، وبينما كان على وشك دخول المخبأ الآمن في «غراي» ، ناداه صوت جهوري: «لي الصغير ، جئت لتحصيل فاتورة المياه والكهرباء ، يا لحسن حظي أنك في المنزل!». التفت «لي تشنج» مبتسماً: «أختي ني ، كم الحساب ؟».
«سبعة وأربعون يواناً».
بعد تسوية الفاتورة سريعاً ، غرق «لي تشنج» في التفكير. لم يتبقَّ في عقده للإيجار سوى شهرين ، وعليه أن يرحل. شراء منزل! حيث كان هذا حلمه الأثير منذ أن دخل معترك الحياة ، حيث تلاشت شغفه وحماسه ، وصقلت الأيام حدته. أخرج هاتفه ليتفقد رصيده ؛ ففي سن الثلاثين ، وبعد سنوات من التقشف والادخار ، جمع أكثر من 280 ألف يوان. قد يكفي هذا لشراء شقة صغيرة مستعملة في بعض مناطق عاصمة «شو» ، ومع أنها قد تكون قديمة وضيقة إلا أنها ستكون ملكه الخاص.
أزاح هذه الأفكار جانباً ، وارتدى رداءه الأسود ، وعاد إلى المخبأ الآمن ، ثم فتح لوحة خصائصه ليطالعها:
«الاسم: لي تشنج
المستوى: مبتدئ
الذكاء: 4
القوة الجسديه: 0.8
المهارات: تقنية التأمل الأساسية (مستوى مبتدئ) ، يد الساحر (مستوى مبتدئ)
الموهبة: مهارة التحديد (المستوى الأول) ، وقت الحكيم
تقييم الشخصية: تباً ، لا يمكنني الخروج! هذا الشرير الماكر ، تابع غراي!»
همهم «لي تشنج» ؛ هناك موهبة جديدة: «وقت الحكيم» ؟! وهذا التقييم ، هل هو اعتراف شيطاني ؟ بعد قليل من السخرية تملكه الفضول تجاه «وقت الحكيم». وبمجرد أن تركيز ذهنه ، توسعت نافذة التعريف:
«وقت الحكيم: مهارة موهبة تُكتسب بعد العزوبية لثلاثين عاماً ، فُعلت مؤخراً بسبب الاستخدام المتكرر لمهارة (عناق العمود واصطياد التنين) ، وهي موهبة الرجل الحق ، مهارة كامنة ، تزيد بشكل كبير من وقت إلقاء السحر وقدرة تعلم السحر ، ويمكنها تعزيز سرعة التفكير.
التقييم: أيها البشري اللعين ، هل تظن أنك بطل قصة لا تنتهي ؟!».
لم يكن تفقد لوحة الخصائص منذ فترة مفاجأه سارة فحسب ، فلا عجب إذاً أن سرعته في حل المسائل الرياضية واشتقاق المعادلات قد زادت بشكل ملحوظ مؤخراً ، وكذلك سرعته في البحث عن السحر.
لنبحث إن كانت هذه الموهبة قابلة للترقية ؛ فلو أمكن ذلك ألن يكون الأمر جنونياً ؟ وبعد أن قفز قليلاً ونال نصيبه من التمرين ، راح «لي تشنج» يلهث ، مواصلاً بحثه في «يد الساحر». ورؤيتها من منظور رياضي جديد جعلته يدرك أنه بالرغم من أن برنامج تدفق السحر يعتمد على ربط العقد إلا أن عمليات التحليل والبناء والترسيخ والإطلاق تشبه إلى حد بعيد تنفيذ الأكواد البرمجية. ورغم أن عمله لا يتضمن الكثير من البرمجة إلا أنه مع صفاء ذهنه وزيادة سرعة التفكير التي منحه إياها «وقت الحكيم» ، صار لديه فهم جديد تماماً لتعويذة المستوى صفر: «يد الساحر».