لم يأتِ النعاسُ إلى عيني "لي تشنج " فأخرج هاتفه وأخذ يتصفح "لحظات " أصدقائه بلامبالاة. وكما كان متوقعاً ، امتلأ الفضاء الافتراضي بمنشورات ليلة رأس السنة ، ما بين مستعرضٍ لحبٍّ يجمعه بشريكه ، أو ناشرٍ لعباراتٍ منمقةٍ تفيض ذكاءً.
بالنسبة لـ "لي تشنج " كان يشعر وكأنه غريبٌ يراقب هؤلاء القوم وهم يلهون في كل مكان.
تنهد.
"خُلِقنا بشراً ، ونعيش حياةً رتيبةً ، فاعذروني على قنوطي. "
بعد قليلٍ من التصفح الكئيب ، عدّل "لي تشنج " من مزاجه ، ثم التقط "لفافة السحر " من على الأرض وتأملها. فبعد ربطها بشعار المدرسة ، تحولت اللفافة تماماً إلى كتابٍ إلكتروني لا يقرأ سوى الكتب السحرية.
وما أثلج صدره أن "دليل المبتدئين في السحر " كان ما زال متاحاً للقراءة والدراسة.
فتح من جديد كتاب "نظرية السحر " الذي لم يكمل قراءته بعد ، وانغمس في دراسته بدقةٍ متناهية ، لكن استغراقه ذاك قُطع فجأة حين اهتز هاتفه.
"طنينٌ ، طنين... "
عاد "لي تشنج " إلى وعيه ، وارتسمت على وجهه علامات الضيق. و من ذا الذي يرسل رسائل في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟
ورغم عزوفه عن الرد أو التفقد إلا أن الفضول تسلل إلى نفسه ؛ فقد مر زمنٌ طويل منذ تلقى رسالة من أحدٍ في مثل هذا الوقت.
أمسك الهاتف وفتحه ، ثم رفع حاجبه مدهوشاً حين رأى اسم المرسل.
"لو روي " "أخي تشنج و كل عام وأنت بخير ؟ /وجهٌ أحمق/ وجهٌ أحمق! "
كان يهمُّ بوضع هاتفه جانباً دون اكتراث ، لكن "لو روي " أتبعت رسالتها بأخرى.
"لو روي " "أعلم أنك لم تنم بعد. و إذا لم ترد عليّ ، فحالما تنتهي العطلة ، سألتصق بك طوال اليوم وأمطرك بوابلٍ من الأسئلة ، وإن لم تجبني ، سأمنحك أقل تقييم في استبيان رضا القسم! "
توقف "لي تشنج " للحظة ، ثم رد فوراً:
"وأنتِ بخير ، خذي قسطاً من الراحة باكراً. "
"يا لك من بارد القلب! بدأت أفهم الآن لماذا لم ترتبط بفتاة حتى هذه اللحظة. "
ارتجف تعبير وجه "لي تشنج " انزعاجاً.
"ماذا تقصدين بذلك ؟ "
"أنت تقتل الحوار فور بدئه ، وتترك الطرف الآخر بلا رد. "
"أهذا ما تظنين ؟ "
"... "
حين توقفت "لو روي " عن الرد ، وضع "لي تشنج " هاتفه جانباً ببرود. حيث كانت "لو روي " لطيفة جداً ، لكنها لم تكن من النوع الذي يجذبه. فالفارق العمري بينهما كبيرٌ – سبع سنوات – وهي متفوقةٌ في مجال علم الأحياء ، بل قد يُقال إنها نجمة المستقبل.
أما هو ، فمجرد شخصٍ عادي. وحتى الآن ، بعد أن امتلك السحر ، ظل على حاله من التواضع ؛ إذ لم يرغب "لي تشنج " في التباهي بما لديه.
بقي يسهر حتى مطلع الفجر ، وفجأة رفع رأسه لينظر إلى خيوط الشمس المتسللة من الخارج. و بدأت المدينة بأسرها تستيقظ ، وهي تفيض حيويةً ونشاطاً.
لقد أصبح الصباح.
وهو في حالةٍ من الرضا ، احتفظ باللفافة قريباً منه ، وقف ومطّ جسده بتكاسل ، ثم استعد للخروج لتناول وجبة الإفطار.
تفتح "أكاديمية السحر الرمادية " أبوابها مع بزغ الفجر ، حيث تبدأ الدروس حينها.
نزل إلى الطابق السفلي ، وبينما كان ينظر إلى الشوارع الصاخبة ، تبددت الكآبة التي كانت تلاحقه من "أكاديمية السحر الرمادية ".
ذلك المكان معجزةٌ بحد ذاته ، لكن ما يحتويه من أمورٍ كان يثقل قلبه بشدة.
وجد مطعماً صغيراً للإفطار ، وتناول "لي تشنج " بامتنانٍ طبقاً كبيراً من المعكرونة ، ثم توجه نحو حديقةٍ قريبة.
نوى أن يتمشى قليلاً ليهضم طعامه ، وفي الوقت ذاته يُرتب المعلومات التي جمعها.
بناءً على المعلومات الراهنة ، هناك احتمالٌ يشير إلى أن "الزمان والمكان الآخر " موجودان بالفعل ، وأن الأكاديمية تستقطب طلاباً من عوالم شتى.
أما الاحتمال الثاني ، فهو أن العالم الذي يعيش فيه حالياً -رغم بدايته الهادئة- يحمل في طياته قوىً خارقةً وخطيرةً.
لكن من واقع تفاعله مع "آنا " ومحاولته استقصاء المعلومات ، يبدو من المرجح جداً أنها ليست من عالمه ، وبما كشف عنه "تشوانغ شو " فهي تستطيع تحديد إحداثيات عالمه اعتماداً على اسمه الحقيقي ، ثم تشينُّ غزواً عليه.
إن هذه القدرة مثيرةٌ للريبة حقاً.
في الوقت ذاته ، وجد "لي تشنج " نفسه مندهشاً من القوة التي تمتلكها الأكاديمية. بدا أن "أكاديمية السحر الرمادية " تعمل وفق ما يسمى "قواعد المدرسة " حتى أن المعلم "تشوانغ شو " لم يملك إلا دفع الطلاب لخرقها ليتمكن من التصرف.
أهي إلهٌ أم شيطان ؟
ما زال فهم "لي تشنج " للسحر حتى الآن غامضاً إلى حدٍ ما. ومع أن "نظرية السحر " التي يدرسها حالياً منحته بعض الإدراك حول تصنيف السحر إلا أن الكثير ما زال ناقصاً.
ما هو السحر ؟ إنه ليس مجرد التلاعب بالجليد أو النار ؛ فمهما تعمقت في دراسة الجليد أو النار ، يظل الأمر مجرد أبسط أشكال استخدام الطاقة.
السحر الحقيقي هو معجزةٌ ، ينطوي على قوانين ، وقانون السبب والنتيجة ، وقدرةٍ على تغيير المبادئ الأولية للكون ، وهذا ما يمكن تسميته بالسحر.
ورغم أن محتوى "نظرية السحر " كُتب بأسلوبٍ متكلفٍ يفيض فخامةً وتفرداً كان "لي تشنج " يصدق نصف ما ورد فيه فقط.
كان تحول ضوء النجوم في "مهارة التأمل " وتوزعه في العالم الروحي يقترب ؛ فقد شعر "لي تشنج " أنه في غضون أيامٍ قليلة ، وحالما تصل روحه إلى مرحلة التحول ، سيتمكن من التأمل داخل جسده ، وبالتالي تجميع طاقة الروح والجسد في طاقةٍ سحرية ، ليبلغ المعيار الأساسي لإلقاء السحر.
وبينما كان مستغرقاً في أفكاره ، تسببت ضجةٌ بجانبه في إعادة "لي تشنج " إلى الواقع. التفت برأسه ليرى حشداً كبيراً من الناس قد تجمعوا في الجوار.
حب استطلاع الناس وفضولهم طبعٌ أصيل ، ولم يكن "لي تشنج " استثناءً ، فاقترب ليرى ما الأمر. تبين أن شجاراً قد نشب بين فتاتين قويتي البنية وجميلتين.
وما إن رأى ذلك حتى فقد اهتمامه فوراً ؛ إذ فكر "ما الذي يستحق المشاهدة ؟ ظننتُه أمراً نادراً ".
استدار "لي تشنج " ليرحل ، لكن في منتصف طريقه قد سمع صراخ الحشود:
"نعم ، هكذا ، انزعي عنها ملابسها! "
"أيتها الفتاة ، لا تتراجعي ، شديها من بنطالها! "
سارع "لي تشنج " بالالتفات وعاد ليشق طريقه وسط الحشود ؛ أراد أن يتأكد هل يجرؤون حقاً على فعل هذه الدناءات في وضح النهار ؟
بعد نصف ساعة ، وقف "لي تشنج " يراقب بأسفٍ بينما فرقت الشرطة الفتاتين واقتادتهما إلى سيارة الدورية.
يا للخسارة ، لقد فاته الأمر بخطوةٍ واحدة.
وضع يديه خلف ظهره ، واستدار ليمشي بمهلٍ مع الحشود المتفرقة وقد زال ما يستحق المشاهدة.
في هذا العصر ، إن تدخلت لفض شجار ، ستجد نفسك هدفاً للهجوم من الطرفين ، وربما تصبح أنت الضحية.
ليست فكرة جيدة ، على الإطلاق.
في أيام صباه وطيشه كان "لي تشنج " قد اقترف ذلك الفعل الأحمق ، وانتهى به المطاف مقصداً لغضب الطرفين ، ولم يسمع منهما بعدها خيراً.
في الحديقة ، وهو يتجول كعجوزٍ في السبعين من عمره ، هاضماً وجبته ، عاد "لي تشنج " ببطءٍ نحو شقته المستأجرة ، ليبدأ في القراءة بتمعنٍ في محتويات "نظرية السحر ".
وفقاً لما جاء في الكتاب ، يُعتبر "سحر التشكيل " التطبيق الأكثر بدائيةً وأدنى درجات الاستخدام لخصائص السحر التسع الرئيسية ؛ حيث يترفع العديد من السحرة المتقدمين عن استخدام "سحر التشكيل " في المعارك أو لأي أغراضٍ أخرى.
"لأن سحر التشكيل يمكن اعتباره السحر الوحيد الذي يمكن تفسيره علمياً ؛ فبمجرد فهم جوهره ، لا يمكن اعتباره سحراً معجزاً. ومهما بلغت قوة السحر في سلسلة التشكيل ، لا يمكن عدّها إلا وسيلةً لتطبيق الطاقة والعناصر. فالمعارك بين السحرة هي أشبه بمبارزاتٍ صامتة ، تعتمد على اللعنات ، وكلمات القوة ، والشر... "