هذا كوخ خشبيٌّ مكوّنٌ من طابقين ، بيد أنَّ هيكله الأساسيّ مشيّدٌ من الطوب والحجر. يعلو سطحه مدخنةٌ ذات بلاطٍ مائل. يمتدُّ ممرٌ مرصوفٌ بحجارة "الكلداري " من عتبة الباب حتى بوابة السياج. أما الفناء الصغير عند المدخل ، فيزدان بعشبٍ أخضر يانع ، وتنتصبُ على جانبه شجرةٌ من قبيلهٍ مجهولة ، أثقلت أغصانها ثمارٌ صفراء ذهبية.
مدَّ "لي تشنج " يده ووضعها على لوحةٍ مثبتة بجوار بوابة السياج ، فومضت كرة الضوء المتجلية في عقله برهةً ، ثم شعر "لي تشنج " وكأنَّ ذلك المنزل الصامت أمامه قد دبَّت فيه الحياة ، ونشأت بينهما رابطةٌ وثيقة ، كأنها رابطةُ دمٍ لا تنفصم.
ارتسمت على وجهه ملامحُ غريبة ، تشبه ملامح من وُضع وليدُه لتوّه.
وبمجرد خاطرةٍ عابرة ، أضاء المنزل المظلم فجأةً ؛ حيث انبعث ضوءٌ وادعٌ من النوافذ ، مما سمح لقلبه المتوتر بالاسترخاء قليلاً. انفتحت بوابة السياج من تلقاء نفسها ، وتأرجح باب المنزل ببطء ، مرحباً بمالكه الجديد.
دلف "لي تشنج " إلى الداخل ، فرأى مجموعة أثاثٍ تحيط بمدفأة ، وعُلقت رؤوس غزلان على جانبيها ، وبجانبها مطبخٌ مفتوح ، وفي الجهة المقابلة ركنٌ للدراسة. حيث كانت ثريا رقيقة تبعثُ ضوءاً أصفر برتقالياً ، غمرت أرجاء المنزل حتى بدا كلُّ ركنٍ فيه بوضوح.
في الطابق العلوي غرفتان للنوم ؛ مدَّ "لي تشنج " يده وتحسس الفراش ، فكان ملمسه ناعماً ومرناً. وبعد أن عاد إلى الطابق السفلي ، فتح باباً جانبياً بجوار غرفة الدراسة ، ليكشف عن درجٍ يؤدي مباشرة إلى الأسفل ؛ لقد كان قبواً.
بعد جولةٍ فاحصةٍ للتأكد من خلو المكان من أي شيءٍ مريب ، عاد إلى مدخل القبو. ومع كل خطوةٍ كان يخطوها للنزول كانت مصابيح الحائط تضيء تباعاً كأنها مصابيحُ ذكية ، مما أثار فضول "لي تشنج ".
حين ولج القبو ، أبصر طاولاتٍ تعجُّ بأدواتٍ زجاجية مخصصة للكيمياء ، وفي الجهة الأخرى كان هناك مذبحٌ للسحر. ووفقاً لما ورد في الكتاب ، يُستخدم هذا المذبح لاستدعاء مخلوقاتٍ من عوالم أخرى. ألقى "لي تشنج " نظرةً على الرموز السحرية المنقوشة على المذبح ثم تراجع ؛ فإذا لم يكن واهماً ، فقد خُلطت به رموزٌ لاستدعاء "آلهة الشر ".
لقد طفح الكيل ؛ فـ "أكاديمية السحر الرمادي " هذه لا تعرف للحدود طريقاً. فمن الواضح في كتابي "أصل السحر " و "مسار ترقي السحرة " -اللذين درسهما قبل الالتحاق- أنَّ السحرة الذين يتعلمون تقنيات الاستدعاء ممنوعون منعاً باتاً من استدعاء آلهة الشر.
مستقبلاً ، إن أراد التوسع ، يمكنه القيام بذلك عبر تعميق مداركه السحرية باستمرار ، بل لو تفرغ لذلك لأمكنه تحويل هذا الكوخ من الداخل إلى قصرٍ منيف. و لكن كل هذه الأماني كانت بعيدة المنال عن "لي تشنج " ؛ فدربُ تعلم السحر وممارسته طريقٌ شاق ، أما السحر عالي المستوى المتعلق بالفضاء ، فلا يسعه الآن إلا التطلع إليه بحسرة.
عاد "لي تشنج " إلى الردهة ، وجلس على الأريكة ليستريح قليلاً ، ثم توجه لتفقد المطبخ. واأسفاه لم يجد شيئاً ؛ حتى الخزانة كانت منقوشةً برموزٍ سحرية للعنصر الجليدي لتجميد المكونات. التفت إلى غرفة الدراسة ، فلم يجد على الأرفف سوى بضعة كتب "أصل السحر " "مقدمة في الرموز السحرية " "تكوين الطاقة السحرية " "نظرية السحر " "مسار ترقي السحرة " و "تقنية التأمل الأساسية ". وكلها كتبٌ مدرجة في خطاب القبول.
ووفقاً للمعلومات التي قدمها الشعار تمتلك "أكاديمية السحر الرمادي " مكتبةً زاخرةً بالكنوز ، بل إنها تتفاخر بوجود كتبٍ خطتها أيدٍ إلهية فيها. تنقسم الأكاديمية برمتها إلى أربع مناطق: منطقة التدريس ، المكتبة ، مختبر الأبحاث السحرية ، ومنطقة التجارب.
إذاً ، حان وقت العودة.
ألقى "لي تشنج " نظرةً على باب الكوخ المغلق ، وتقدم نحوه ممسكاً بمقبض الباب. ومع بروز وشم الشعار على معصمه وانبعاث تقلباتٍ سحرية منه ، توهج المقبض برموزٍ سحرية غامضة ، وبعد أن دارت حوله توقفت ، فدفع الباب مفتوحاً.
لم يجد أمامه الحديقة المحيطة بالبيت الآمن ، بل وجد شقته المستأجرة التي لا تتعدى ثلاثين متراً مربعاً ، وكأنه عاد للتو من الخارج وفتح باب غرفته.
"الآن فهمت. "
أدرك "لي تشنج " فجأةً أن البيت الآمن قد تتبع مسار دخوله ، ثم ربط بينه وبين الباب ليجد منفذاً مفتوحاً. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان يحدد الموقع ويربطه تلقائياً هكذا ، فلماذا يختار الباب الرئيسي ولا يختار درجاً أو خزانة ملابس أو ما شابه ؟ ربما يختار الطريقة الأمثل للولوج بما يتناسب مع طوله ؟ الاحتمال كبير.
بينما تدور التساؤلات في خلده ، دخل "لي تشنج " غرفته وألقى بنفسه على الفراش ، وشعورٌ غامرٌ بالأمان لم يألفه من قبل يغمر قلبه. و لقد كانت أجواء أكاديمية السحر الرمادي خانقة ، وتفتقر إلى أي حيوية ، وكان المشهد هناك مغايراً لما تخيله ؛ فكله برودة وشرور.
في الحقيقة و كل ما يبث على التلفاز عن "هاري بوتر " محضُ خداع ؛ فرغم أن السحر قد يكون أصله إلهياً إلا أنه على الأرجح لم يصدر عن إلهٍ سويّ.. أو بالأحرى ، إن ما أظهرته "أكاديمية السحر الرمادي " حتى الآن ليس سحراً قويماً. فمجرد النظر إلى رموز الاستدعاء المحفورة على مذبح قبو البيت الآمن ، يؤكد أنها تميل بوضوح نحو الجحيم أو الهاوية.
عاد "لي تشنج " إلى الواقع ، وألقى نظرةً على شاشة الحاسوب التي كانت لا تزال تعمل ، فبُهت تماماً ؛ فقد كان الوقت قد دخل في اليوم الأول من العام الجديد ، منتصف الليل تماماً. وهذا يعني أنه قضى ما لا يقل عن أربع ساعات في أكاديمية السحر الرمادي ، بينما يبدو أن الواقع قد توقف لحظياً! لا ، ليس هذا هو الأمر ؛ بل إن المفهوم معكوسٌ تماماً. فالصحيح أن الوقت في هذا المكان الغامض يكاد يكون جامداً ؛ فمن لحظة دخوله إلى خروجه لم تمضِ ثانية واحدة في عالمنا الحقيقي.
إنها لا تنتمي لهذا العالم. وهنا يثور سؤالٌ آخر: هل يوجد سحرٌ في هذا العالم ؟
أطلق "لي تشنج " العنان لخيالاته ، ثم زفر بضيق ؛ ففي نهاية المطاف ، ما زال علمه ضئيلاً ويحتاج إلى مراقبةٍ أدق مستقبلاً. و علاوةً على ذلك أولئك الذين دخلوا الأكاديمية معه لم يبدُ أيٌ منهم إنساناً سوياً ، وخاصة تلك المدعوة "آنا "..
ضيّق "لي تشنج " عينيه ؛ فقد مرَّ زمنٌ طويل منذ أن شعر بوجودِ خطرٍ يهدد حياته. ولو كانوا خارج أسوار الأكاديمية ، لكان الخصم خطراً وعدوانياً للغاية. فرك كفه محدثاً كرة لهب ، وبدأ في ممارسة تأمله المعتاد.
وبعد مرور أربع ساعات ، فتح "لي تشنج " عينيه وقد استرد نشاطه. وبما أن كرة الضوء التي يتخيلها قد تجسدت وبدأ ينبعث منها وهجٌ حليبيّ خافت ، بدا وكأنها منحت بعض الضياء لعالمه الروحي المظلم الذي كان صامتاً. لم يعد يشعر بالإرهاق الذهني عند التخيل وتكثيف الخطوط ، بل على العكس ؛ بعد كل جلسة تأمل ، بات يشعر بنشاطٍ يغمر روحه وجسده.
في المرحلة القادمة ، بمجرد أن يبدأ الوهج المنبعث من كرة الضوء في التبعثر عبر العالم الروحي كأنه نجومٌ متلألئة ، سيتمكن من البدء في تخليق أثرٍ من الطاقة السحرية. و لقد كان الأمر أشبه بـ "استحضار الحقيقة من العدم ".